يشهد سوق الذهب العالمي في الوقت الراهن حالة من الزخم الاستثنائي، بعد أن سجل المعدن النفيس قفزة تاريخية تجاوزت معها الأونصة مستوى 3,945 دولارًا قبل أن تستقر قرب 3,932 دولارًا، محققة ارتفاعًا يوميًا بنسبة 1.08%، وهذا الارتفاع غير المسبوق وضع الذهب في ما يصفه المحللون بـ”منطقة الخطر”، نتيجة حالة التشبع الشرائي المفرط التي تعني أن الأسعار قد بلغت مستويات تفوق التوازن الطبيعي بين العرض والطلب، وهو ما يدفع المستثمرين إلى توخي الحذر من احتمالات تصحيح فني وشيك.
منطقة مقاومة حرجة وتحركات فنية دقيقة
يرى خبراء الأسواق أن الذهب يمر بمرحلة توازن شديدة الحساسية بين استمرار المكاسب القياسية واحتمال حدوث موجة تصحيح، وتشير المؤشرات الفنية إلى أن المستويات بين 3,925 و3,940 دولارًا تمثل مناطق مقاومة رئيسية أمام استمرار الصعود، فيما يعتبر مستوى 3,889 دولارًا أقرب نقطة دخول آمنة في حال حدوث تصحيح طفيف للأسعار، أما كسر مستوى 3,868 دولارًا فقد يفتح الباب أمام هبوط أوسع، وهو ما يعزز من حالة القلق التي تسيطر على المتعاملين في الأسواق.
الارتفاع القياسي الأخير تزامن مع تدفقات مالية ضخمة من المؤسسات والبنوك الكبرى نحو صناديق الذهب، في وقت يتجه فيه المستثمرون حول العالم إلى الأصول الآمنة وسط مخاوف من الإغلاق الحكومي الأمريكي واستمرار الضبابية في سياسات الاحتياطي الفيدرالي.
ورغم هذه التدفقات، حذر بنك أوف أمريكا من أن الذهب أصبح في حالة “مبالغة شرائية تكتيكية”، أي أن الارتفاع السريع تجاوز المستويات المدعومة بأساسيات السوق، مما يزيد احتمالات التقلبات الحادة في الجلسات المقبلة، خصوصًا إذا صدرت مؤشرات اقتصادية أمريكية قوية أو تحرك الفيدرالي نحو تشديد السياسة النقدية.
العوامل الاقتصادية والجيوسياسية الداعمة للذهب
أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن المعدن النفيس لا يزال يحتفظ بدوره التاريخي كـ”ملاذ آمن” في أوقات عدم الاستقرار، موضحة أن العوامل التي تدعم صعوده لا تقتصر على الطلب الاستثماري، بل تشمل أيضًا التحولات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها الساحة الدولية. وأوضحت أن الولايات المتحدة تتجه نحو خفض أسعار الفائدة في محاولة لدعم النمو وتقليل تكلفة الاستثمار، وهو ما يضعف عوائد السندات الأمريكية ويقلل من جاذبية الدولار، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى التحول نحو الذهب كبديل أكثر استقرارًا.
وترى رمسيس أن أزمة الإغلاق الحكومي الأمريكي وارتفاع سقف الدين العام أدت إلى تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي، بينما زادت الانقسامات السياسية من حالة عدم اليقين، ونتيجة لذلك أصبح الذهب أكثر جاذبية للمؤسسات المالية التي تسعى إلى حماية أصولها من تقلبات الدولار والأسواق.
كما أشارت إلى أن السياسات الحمائية التي اتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفرض الرسوم الجمركية على أكثر من 180 دولة، أسهمت في إشعال التوترات التجارية العالمية، وهو ما دفع العديد من الدول الكبرى إلى إعادة توجيه احتياطياتها نحو الذهب كوسيلة للتحوط من المخاطر المرتبطة بالعملة الأمريكية.
وفي السياق ذاته، أوضحت رمسيس أن الصين كانت من أبرز الدول التي اتجهت إلى زيادة مشترياتها من الذهب خلال السنوات الأخيرة، ردًا على الحرب التجارية مع الولايات المتحدة ورغبة في تنويع احتياطياتها النقدية وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، وأكدت أن هذه السياسة تعكس استراتيجية طويلة المدى من بكين لحماية اقتصادها من الضغوط الغربية.
كما لفتت إلى أن مصر أيضًا انضمت إلى هذا التوجه العالمي عبر تعزيز احتياطياتها من الذهب، باعتباره ركيزة لحماية العملة المحلية وضمان الاستقرار النقدي في مواجهة تقلبات الأسواق، وقالت إن هذا التحرك يعكس وعيًا اقتصاديًا بأهمية الذهب كأداة للتحوط من مخاطر التضخم وتقلبات الدولار، وكضمان للاستقرار المالي في المدى الطويل.
وأضافت رمسيس أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، ساهمت في تعزيز الطلب على الذهب، إذ تتجه رؤوس الأموال عادة إلى الأصول الآمنة عندما ترتفع احتمالات اندلاع نزاعات أو تتزايد المخاطر السياسية، وأوضحت أن استمرار هذه الأزمات، إلى جانب حالة الغموض الاقتصادي العالمي، يدعم الاتجاه الصعودي للذهب على المدى المتوسط وربما الطويل.
اقرأ أيضًا: ما هو معيار الذهب؟ النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي
الذهب على قمة البدائل الاستثمارية
شدَّدت الخبيرة على أن الذهب أصبح يتربع على قمة البدائل الاستثمارية، نظرًا لقدرته على الاحتفاظ بالقيمة حتى في أوقات الانكماش الاقتصادي، بخلاف الأسهم والسندات والعقارات التي تتأثر سريعًا بالأزمات، وأوضحت أن مرونة الذهب في التداول وسهولة تسييله دون الحاجة إلى عقود أو تراخيص تجعل منه خيارًا مثاليًا للمستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
وفي ختام تصريحاتها، توقعت حنان رمسيس أن يواصل الذهب مساره الصاعد خلال الربع الأخير من العام الجاري، خاصة بعدما اقترب من حاجز 4,000 دولار للأونصة، مرجحة أن يشهد قفزات جديدة نحو مستويات قياسية قد تصل إلى 4,200 دولار مع بداية العام المقبل، مدفوعًا بعوامل اقتصادية وجيوسياسية متشابكة، أبرزها تراجع الدولار الأمريكي، وضعف الثقة في الأصول الأمريكية، واستمرار البنوك المركزية في الشراء المكثف للذهب كأداة للتحوط.
وأكدت أن المرحلة المقبلة ستكشف بوضوح أن الذهب لم يعد مجرد وسيلة ادخار تقليدية، بل تحول إلى أداة استراتيجية لإدارة المخاطر العالمية، خاصة في ظل التحولات الجذرية في النظام المالي الدولي، وتزايد الاتجاه نحو نظام نقدي متعدد الأقطاب، وأشارت إلى أن الذهب سيظل الملاذ الأول في مواجهة أي أزمات اقتصادية عالمية مقبلة، سواء كانت مالية، أو جيوسياسية، أو حتى مناخية، باعتباره الأصل الذي يحتفظ بقيمته عندما تتراجع ثقة العالم في العملات الورقية.
اقرأ أيضًا: أيهما أفضل الودائع الثابتة أم الذهب؟
المستهدفات طويلة الأجل لعام 2025
قال أسامة زرعي، خبير أسواق الذهب، إن رؤيته للأسواق العالمية ما زالت تؤكد استمرار الاتجاه الصاعد للمعدن النفيس خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى أن الذهب يواصل أداءه القوي مدفوعًا بحالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًا، وتزايد الإقبال عليه كملاذ آمن يحمي الثروات من التضخم وتقلبات العملات.
وأوضح زرعي أن المستهدفات طويلة الأجل لعام 2025 لا تزال قائمة، حيث يُتوقع أن يتحرك الذهب في نطاق 3950 دولارًا للأونصة كمستوى سعري مرجّح، مع إمكانية أن تصل الأسعار إلى قمم تتراوح بين 4050 و4100 دولار للأونصة خلال الموجة الصاعدة الحالية، في حال استمرار العوامل الداعمة للسوق بنفس الوتيرة.
وأشار الخبير إلى أنه تم تعديل المستهدفات المستقبلية للذهب بناءً على قراءة دقيقة للمعطيات الاقتصادية العالمية وتوجهات المستثمرين، حيث تمتد التوقعات المحدثة حتى الربع الأول من عام 2026، مع احتمالات قوية لبلوغ الأسعار مستويات تتراوح بين 4400 و4600 دولار للأونصة، مدفوعة بعوامل عدة أبرزها سياسات الفيدرالي الأمريكي، واتجاه البنوك المركزية لزيادة احتياطياتها من الذهب على حساب الدولار.
وأضاف زرعي أن هذه المستويات تعكس مرحلة إعادة تسعير حقيقية للذهب عالميًا، نتيجة تصاعد التوترات في أكثر من منطقة حول العالم، إلى جانب تراجع الثقة في الأصول التقليدية مثل الأسهم والسندات، مؤكدًا أن الذهب أصبح الآن جزءًا أساسيًا من المحافظ الاستثمارية طويلة الأجل، سواء للمؤسسات أو الأفراد.
كما أوضح أن السوق قد يشهد بعض حركات التصحيح المؤقتة خلال الأسابيع المقبلة، نتيجة عمليات جني الأرباح بعد الارتفاعات المتتالية، إلا أن تلك التراجعات لن تغيّر الاتجاه العام للسوق، بل قد تشكّل فرص شراء جديدة قبل استئناف المسار الصاعد، لافتًا إلى أن التصحيحات المتوقعة تأتي ضمن النطاق الطبيعي لحركة الذهب في الأسواق العالمية.
قمم تاريخية جديدة في 2026
أكد زرعي أن المرحلة الحالية تتطلب من المستثمرين التحلي بالحذر والانضباط في اتخاذ القرارات الاستثمارية، مع متابعة دقيقة للمؤشرات الاقتصادية الأمريكية وقرارات أسعار الفائدة، إذ تمثل تلك العوامل المحدد الرئيسي لحركة الذهب في المدى القصير، في حين تبقى الاتجاهات الكبرى مدفوعة بعوامل هيكلية أعمق تتعلق بضعف الدولار، وارتفاع مستويات الديون العالمية، وتزايد الطلب من البنوك المركزية.
وفي ختام تصريحاته، قال أسامة زرعي إن الذهب لا يزال في مسار صاعد مستدام على المدى الطويل، متوقعًا أن يشهد عام 2026 قممًا جديدة تتجاوز ما حققه السوق خلال العقد الأخير، مع احتمالات قوية لتخطي مستوى 4600 دولار للأونصة في ظل استمرار الاضطرابات الاقتصادية العالمية.
قد يهمّك أيضًا: الذهب يتفوق على سندات الخزانة في احتياطيات البنوك المركزية