اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارًا مفاجئًا من شأنه إعادة رسم خريطة تجارة الذهب العالمية، حيث فرضت رسومًا جمركية على واردات الذهب السويسري من فئة السبائك بوزن كيلوجرام واحد ووزن 100 أونصة، وهي الأنواع الأكثر تداولًا في الأسواق الدولية، خاصة في بورصة “كومكس” الأمريكية، أكبر سوق لعقود الذهب الآجلة في العالم.
القرار الذي أُعلن رسميًا في “رسالة تصنيف” صادرة عن هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية بتاريخ 31 يوليو، نَصَّ على إدراج هذه السبائك ضمن رمز جمركي خاضع للرسوم، في مخالفة للتوقعات السابقة التي كانت ترجح استمرار إعفائها.
تأتي هذه الخطوة وسط توتر متزايد في العلاقات بين واشنطن وبرن، بعد أن فرضت الإدارة الأمريكية قبل أيام فقط رسومًا جمركية بنسبة 39% على مجموعة من الواردات السويسرية، ما جعل صناعة المعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب، في قلب العاصفة.
سويسرا.. أكبر مركز لتكرير الذهب في العالم
تشير بيانات الجمارك الأمريكية إلى أنَّ الذهب يعد من بين أكبر صادرات سويسرا إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يضخم أثر القرار على حجم التجارة الثنائية بين البلدين. كما تعد سويسرا أكبر مركز لتكرير الذهب في العالم، فهي تعالج ما يقارب 70% من الذهب العالمي، وتعتبر سبائك الكيلوجرام النسبة الأكبر من صادراتها إلى السوق الأمريكية، وهذه السبائك هي المفضلة في بورصة “كومكس” بنيويورك، على عكس لندن التي تعتمد سبائك بوزن 400 أونصة.
ويعتمد المسار التقليدي لتجارة الذهب العالمية على انتقال السبائك الكبيرة من لندن إلى نيويورك مرورًا بالمصافي السويسرية، حيث يعاد صهرها في أحجام تناسب الأسواق المستهدفة، إلا أن قرار الجمارك الأمريكية يهدد بإرباك هذا النمط التجاري الراسخ، بعدما تم تغيير تصنيف سبائك الكيلوغرام والـ100 أونصة من الرمز “7108.12.10” المعفى من الرسوم إلى الرمز “7108.13.5500” الخاضع للرسوم الجمركية، وذلك يعني أنَّ ما كان يدخل للسوق الأمريكية دون أعباء مالية أصبح الآن مشمولًا برسوم تصل نسبتها إلى 39%، وهو ما يمثل زيادة ضخمة في تكلفة الواردات.
اقرأ أيضًا: استثمارات غير مسبوقة تدفع الذهب للتحليق رغم تراجع الاستهلاك
ضربة لصناعة الذهب السوسرية
وصف كريستوف فايلد، رئيس رابطة مصنّعي وتجار المعادن النفيسة السويسرية، القرار بأنَّه “ضربة أخرى” لصناعة الذهب السويسرية، مؤكدًا أنَّ هذه الرسوم ستزيد من صعوبة تلبية الطلب الأمريكي على المعدن الأصفر، وأوضح أن الاعتقاد السائد في القطاع كان أن المعادن النفيسة المعاد صهرها في سويسرا يمكن شحنها إلى الولايات المتحدة دون رسوم، لكن غموض رموز التصنيف الجمركي فتح الباب أمام هذه المفاجأة غير السارة.
كما أنّ القرار يأتي في وقت حساس، حيث يشهد الذهب ارتفاعًا تاريخيًا بلغت نسبته 27% منذ نهاية عام 2024، مدفوعًا بمخاوف التضخم وتزايد مستويات الدين الحكومي الأمريكي، وتراجع مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية.
وخلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يونيو، بلغت قيمة صادرات الذهب السويسري إلى الولايات المتحدة نحو 61.5 مليار دولار، ومع تطبيق الرسوم الجديدة ستُضاف أعباء مالية تقدر بنحو 24 مليار دولار إلى هذه الصادرات، وفق معدل الرسوم البالغ 39%، وهو عبء كبير قد تتحمله المصافي أو التجار أو المستهلكون النهائيون.
بعض المصافي السويسرية أشارت إلى أنها أمضت شهورًا في العمل مع فرق قانونية لمحاولة تحديد أي من منتجاتها يمكن أن يعفى من الرسوم، إلا أن الغموض لا يزال سيد الموقف، وقد أكَّدت مصفاتان لصحيفة “فاينانشال تايمز” أنهما قررتا مؤقتًا خفض أو تعليق شحنات الذهب إلى الولايات المتحدة بانتظار وضوح الرؤية.
خفض وتعليق شحنات الذهب إلى الولايات المتحدة
ترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة مروى خضر أنَّ القرار الأمريكي يمثل تحولًا كبيرًا في سياسات التجارة الدولية، ليس فقط لكونه يستهدف سلعة استراتيجية كالذهب، بل لأنه يطال أكبر مركز لتكرير المعدن النفيس في العالم، وأوضحت أن إخضاع سبائك الكيلوجرام والـ100 أونصة للرسوم الجمركية سيؤدي إلى زيادة التكلفة النهائية للواردات الأمريكية، ما قد يدفع المشترين إلى البحث عن بدائل في أسواق أخرى مثل كندا أو أستراليا أو حتى الاعتماد على الإنتاج المحلي.
وأضافت خضر أن المسار التقليدي لتدفقات السبائك، الذي كان يمر عبر سويسرا لإعادة الصهر والتشكيل، سيتعرض لاضطراب كبير، مما سيؤثر على مرونة سلاسل الإمداد العالمية، واعتبرت أن الغموض في التصنيف الجمركي، واستبدال الرمز المعفى برمز خاضع للرسوم، يخلق حالة من عدم اليقين لدى المنتجين والمستوردين على حد سواء، ويجبرهم على إعادة حساباتهم بشأن الوجهات والأسواق المستهدفة.
وفي السياق ذاته، حذَّرت خضر من أن تقليص أو تعليق شحنات الذهب السويسري إلى الولايات المتحدة، كما أعلنت بعض المصافي، قد يؤدي إلى نقص مؤقت في المعروض داخل السوق الأمريكية، وهو ما قد يرفع الأسعار الفورية هناك ويزيد الفجوة السعرية بينها وبين الأسواق الأخرى، خاصة بورصة لندن، وأشارت إلى أن أي اضطراب في الإمدادات، في ظل المستويات المرتفعة الحالية للأسعار، سيكون له أثر مضاعف على السوق، وسيزيد من تقلبات الأسعار العالمية.
قد يهمّك أيضًا: البنوك المركزية تخطط لزيادة احتياطيات الذهب وتقليص حيازاتها من الدولار
توجيه الذهب السويسري إلى أسواق بديلة
شددت الدكتورة مروى خضر على أن البعد الجيو–اقتصادي للقرار لا يقل أهمية عن أثره التجاري المباشر، إذ يعكس هذا الإجراء تصعيدًا في العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وبرن، ورسالة واضحة بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أدوات الحماية التجارية حتى مع سلع تعتبر ملاذًا آمنًا للمستثمرين.
كما أوضحت الخبيرة أنَّ سويسرا قد تضطر إلى إعادة توجيه جزء من صادرات الذهب السويسري نحو أسواق بديلة في آسيا والشرق الأوسط لتعويض الحصة المفقودة من السوق الأمريكية، ما قد يعيد توزيع النفوذ بين مراكز التكرير العالمية التقليدية وتلك الناشئة.
واختتمت خضر تصريحاتها بالتأكيد على أن استمرار هذه الرسوم لفترة طويلة قد يغير هيكل تجارة الذهب العالمي، ويدفع الشركات العاملة في القطاع إلى تبني استراتيجيات مرنة للتكيف مع المتغيرات، مثل تنويع الأسواق، وإعادة التفاوض على العقود، والاستثمار في سلاسل إمداد بديلة، معتبرة أن ما يحدث الآن ليس مجرد خلاف تجاري عابر، بل حلقة في سلسلة من التحولات الكبرى التي قد تعيد رسم خريطة تجارة المعادن النفيسة لعقود قادمة.
قد يهمّك أيضًا: كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟