السعودية وسوريا توقّعان عقودًا استثمارية بمليارات الريالات

وقّعت شركات سعودية وجهات حكومية سورية، اليوم السبت، 7 فبراير 2026، على هامش مؤتمر الاستثمار السعودي–السوري، حزمة واسعة من العقود الاستراتيجية التي تغطي قطاعات حيوية تشمل الطيران، والاتصالات، والبنى التحتية، والمبادرات التنموية، في خطوة تعكس الانتقال الرسمي إلى مرحلة جديدة من الشراكة الشاملة بين المملكة العربية السعودية وسوريا، بما يدعم مسار التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة بين البلدين.

وجاء توقيع هذه العقود عقب وصول وفد اقتصادي سعودي رفيع المستوى إلى قصر الرئاسة في دمشق، في زيارة رسمية تهدف إلى دعم الاقتصاد السوري وتعزيز مسار الشراكة الاستراتيجية، مع التركيز على تعظيم دور القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات التنموية، وتهيئة مسار مستدام للتكامل الاقتصادي يخدم المصالح المشتركة ويواكب التوجهات التنموية في المرحلة المقبلة، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السعودية.

وترأس الوفد الاقتصادي السعودي كل من خالد الفالح وزير الاستثمار، وعبد الله السواحه وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، وعبد العزيز الدعيلج رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، إلى جانب عدد من ممثلي الوزارات والجهات السعودية المعنية، في مؤشر واضح على اتساع نطاق التعاون وتعدد محاوره.

وخلال مراسم توقيع العقود، أكد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح أن هذه المشروعات تمثل بناء شراكة استراتيجية تشكل ركيزة أساسية لمستقبل مشرق للبلدين، موضحًا أنها تعزز مسار تأسيس شراكات اقتصادية متينة في القطاعات الحكومية والاستثمارية، واعتبر أن ما جرى توقيعه يمثل نقلة نوعية في مجال المشروعات الاستراتيجية الكبرى للبنى التحتية، تمت بالتنسيق الكامل مع الحكومة السورية وبمشاركة كبرى الشركات السعودية الفاعلة، بما يسهم في إحداث تحول اقتصادي واسع داخل سوريا.

إطلاق أعمال صندوق إيلاف السعودي للاستثمار داخل سوريا

أوضح الفالح أن المملكة تطلق، في إطار هذه المرحلة، أعمال صندوق إيلاف السعودي للاستثمار المخصص للاستثمار في المشروعات الكبرى داخل سوريا، بمشاركة واسعة من القطاع الخاص السعودي وبرخص من سوق المال السعودي، وذلك بعد دعم الرئيس السوري أحمد الشرع لتوقيع اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار بين البلدين، وإطلاق نظام جديد لبناء الاستثمار، بما يوفر بيئة قانونية وتنظيمية جاذبة لرؤوس الأموال.

وأشار وزير الاستثمار السعودي إلى تفعيل قنوات التحويلات المصرفية بين عدد من البنوك في البلدين بعد رفع القيود والعقوبات، وهو ما من شأنه تسهيل حركة الأموال ودعم تنفيذ الاستثمارات المشتركة.

وفي مجال البنى التحتية للنقل الجوي، أعلن عن توقيع اتفاقيتين رئيسيتين؛ الأولى عبر صندوق إيلاف لإطلاق تحالف من كبرى الشركات السعودية لتطوير وتشغيل مطاري حلب القديم والجديد على عدة مراحل استثمارية، بقيمة إجمالية تبلغ 7.5 مليار ريال سعودي. أما الاتفاقية الثانية فتشمل تأسيس شركة طيران جديدة في دمشق تحت اسم “ناس سوريا”، بقيادة شركة الطيران السعودية “ناس”، بما يعزز ربط سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية.

وفي قطاع الاتصالات، أوضح الفالح أنه سيتم توقيع اتفاقية مشروع Silklink، الذي يعد الأكبر ضمن مشروعات البنى التحتية الرقمية في سوريا، حيث يستهدف إنشاء بنية تحتية متكاملة من كابلات الألياف الضوئية، ومراكز البيانات، وشبكات الإنترنت وفق أفضل المعايير العالمية، بقيادة شركة STC السعودية، بما يضع أساسًا لاقتصاد رقمي حديث يدعم الخدمات الحكومية والأنشطة الاستثمارية.

أما في مجال البنى التحتية للمياه، فأعلن وزير الاستثمار السعودي عن توقيع اتفاقية بين وزارة المياه السورية وشركة أكوا باور السعودية، أكبر شركة عالميًا في مجال تحلية المياه وإنتاج الطاقة المتجددة، بهدف دعم الأمن المائي وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة. وفي القطاع الصناعي، أشار إلى اكتمال اتفاقية تشغيل وإدارة الشركة السورية الحديثة للكابلات بالشراكة بين كابلات الرياض والصندوق السيادي السوري، بما يسهم في نقل الخبرات وتعميق التصنيع المحلي.

اقرأ أيضًا: سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار

السعودية وسوريا.. 80 اتفاقية بقيمة تتجاوز 40 مليار ريال سعودي

أشار الفالح إلى أن إجمالي عدد مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي جرى توقيعها بين الطرفين قبل اتفاقيات السبت بلغ نحو 80 اتفاقية بقيمة تتجاوز 40 مليار ريال سعودي، فيما شهد يوم السبت توقيع 3 اتفاقيات جديدة لمشروعات عقارية كبرى تستهدف تطوير البنى التحتية السكنية والتجارية، بإشراف مجلس الأعمال السعودي–السوري.

وتمثل هذه الزيارة مرحلة متقدمة في مسار الشراكة الاقتصادية بين السعودية وسوريا، إذ تأتي استكمالًا لسلسلة من اللقاءات والمنتديات التي عُقدت خلال العام الماضي، وأسفرت عن اتفاقيات متعددة لتشجيع الاستثمار المتبادل وتفعيل آليات العمل المشترك في قطاعات حيوية. وتعكس هذه الجهود، التلاحم الاستراتيجي بين البلدين في دعم التنمية الاقتصادية وتوسيع الفرص الاستثمارية أمام القطاع الخاص في الجانبين، ضمن طموح واضح لتعميق التكامل الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، كان مدير هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي قد كشف في تصريحات سابقة عن خطط للإعلان عن مشروعات وصفقات بمليارات الدولارات مع الجانب السعودي، تشمل قطاعات الطيران، والبنية التحتية، والسياحة، والتطوير العقاري. كما أكدت تقارير دولية أن هذه الخطوة تعكس عودة الاستثمارات الخليجية الكبرى إلى السوق السورية بعد سنوات من التراجع.

الاتفاقيات تدعم الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل بدلًا من الحلول المؤقتة

من جانبها، قالت الخبيرة الاقتصادية مروى خضر إن الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة بين سوريا والمملكة العربية السعودية تمثل تحولًا نوعيًا في مسار التعافي الاقتصادي السوري، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل بدلًا من الحلول المؤقتة، وأوضحت أن أهمية هذه الاتفاقات لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في طبيعتها التنفيذية وانتقالها من مذكرات تفاهم إلى عقود قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وأضافت خضر أن دخول مشغل إقليمي بحجم STC إلى سوق الاتصالات السورية يمثل كسرًا حقيقيًا لحالة الاحتكار، ويفتح المجال أمام منافسة فعلية من شأنها تحسين جودة الخدمات، وخفض التكاليف، وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خاصة مع خطط التوسع لتغطية جميع المحافظات السورية وربطها ببنية رقمية حديثة.

وأشارت إلى أن تأسيس شركة طيران سورية جديدة مدعومة باستقدام ما لا يقل عن 12 طائرة حديثة يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز النقل الجوي، لما له من تأثير مباشر على السياحة والتجارة وحركة رجال الأعمال، وإعادة إدماج الاقتصاد السوري في سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.

كما أكدت أن مشروع تطوير مطار حلب ورفع طاقته الاستيعابية إلى نحو 15 مليون مسافر سنويًا يمثل نقطة ارتكاز لإعادة إحياء شمال سوريا اقتصاديًا، إذ لم تعد المطارات مجرد منشآت خدمية، بل محركات تنمية متكاملة.

اقرأ أيضًا: استثمارات دولية لإنهاء أزمة الكهرباء في سوريا بقيمة 7

أهمية إعادة السيطرة على حقول النفط

على صعيد الطاقة، شددت الخبيرة الاقتصادية على أن استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في شمال شرق سوريا تمثل الرافعة الاقتصادية الأهم خلال المرحلة المقبلة، لكنها حذرت من المبالغة في التوقعات قصيرة الأجل، موضحة أن رفع الإنتاج إلى نحو 500 ألف برميل يوميًا يمكن أن يحقق عائدات تتراوح بين 15 و20 مليار دولار سنويًا إذا أُدير القطاع بكفاءة وشفافية.

وأكدت خضر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاقات بقدر ما يرتبط بسرعة التنفيذ وعدالة توزيع العوائد، مشددة على أن المواطن السوري لن يلمس أثر هذه الاستثمارات ما لم تترجم إلى فرص عمل مستقرة، وتحسن في الأجور، وضبط لتكاليف الطاقة والمعيشة، إلى جانب إعطاء أولوية للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر باعتبارها الأسرع في امتصاص البطالة.

وكانت المملكة العربية السعودية قد أعلنت خلال العام الماضي عن استثمارات بقيمة 6.4 مليار دولار موزعة على 47 اتفاقية مع أكثر من 100 شركة سعودية في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات، في إطار دعم مسار التعافي الاقتصادي السوري وتعزيز فرص التنمية المستدامة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يضع الاتفاقات الجديدة ضمن مسار تصاعدي طويل الأمد للتعاون الاقتصادي بين الرياض ودمشق.

اقرأ أيضًا: بعد 14 عاماً من الحرب.. 900 مليار دولار فاتورة إعادة إعمار سوريا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة