السندات العالمية على حافة الهاوية.. الملاذ الآمن يتحول إلى مصدر ذعر

تشهد سوق السندات العالمية لحظة فارقة لم يعرفها المستثمرون منذ عقود طويلة، فالأداة التي لطالما وُصفت بأنها ملاذ آمن أصبحت اليوم في قلب العاصفة، بعدما دفعت موجات بيع غير مسبوقة العوائد طويلة الأجل إلى مستويات تاريخية، لتتحول من ركيزة للاستقرار إلى مصدر قلق يهدد النظام المالي العالمي.

ووفقًا للخبراء، المشهد يتسم بتعقيد شديد، إذ تتداخل فيه ضغوط التضخم مع اتساع فجوات العجز المالي، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي تشعل الأسواق بين الحين والآخر، فضلاً عن الجدل الدائر حول استقلالية السياسات النقدية في الولايات المتحدة.

ليظل السؤال: هل  هذه الموجة مجرد تصحيح طبيعي للأسعار بعد سنوات من السيولة الرخيصة والفوائد المنخفضة، أم بداية أزمة ديون سيادية قد تمتد إلى دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا، أو حتى انهيار أوسع للنظام المالي إذا ما ترافق الركود مع استمرار التضخم، لتجد الأسواق نفسها في دوامة “الركود التضخمي“.

ملامح أزمة السندات العالمية

بدأت ملامح الأزمة تتضح من فرنسا، حيث أثارت الدعوة للتصويت على الثقة بالحكومة حالة ارتباك انعكست فورًا على عوائد السندات التي قفزت بشكل حاد بفعل موجة بيع مكثفة، ولم تكن بريطانيا بمنأى عن هذا الاضطراب، إذ ارتفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ سبعة وعشرين عامًا مع محاولات حكومة حزب العمال سد فجوة مالية ضخمة في موازنة الخريف.

أما ألمانيا فقد وجدت نفسها في وضع مشابه نتيجة خططها لتعزيز الإنفاق العسكري، وهو ما زاد من الضغوط على ميزانيتها العامة، بينما شهدت اليابان بدورها أزمة ثقة مرتبطة باحتمال تنحي رئيس الوزراء شيغيرو إيشيبا بعد الهزيمة الانتخابية، ليتراجع استقرار سوق السندات هناك ويقفز العائد إلى أعلى مستوى في تاريخه عند 3.29%.

الجدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة، صاحبة السوق الأضخم عالميًا، تقف في قلب الأزمة، فقد أصدرت محكمة حكمًا يقضي بعدم قانونية معظم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، وهو ما حرم الخزانة العامة من مئات المليارات من الإيرادات المتوقعة.

وتزايدت المخاوف مع إقالة عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، في خطوة اعتُبرت ضربة لاستقلالية السياسة النقدية، لتصل عوائد السندات لأجل ثلاثين عامًا إلى مستوى 5% للمرة الأولى منذ يوليو الماضي. هذه التطورات عززت المخاوف من أن الأسواق تدخل مرحلة جديدة عنوانها فقدان الثقة في واحدة من أعمق أدوات التمويل في العالم.

اقرأ المزيد حول حكم محكمة استئناف اتحادية بعدم قانونية رسوم ترامب الجمركية

التضخم لاعب رئيسي في أزمة السندات العالمية

يرى الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن التضخم هو العامل الأبرز الذي يقود موجات البيع، فمع ارتفاع الأسعار تصبح العوائد الحقيقية على السندات سلبية، ما يدفع المستثمرين نحو الذهب أو العقارات أو الأسهم.

وأضاف الخبير أنَّ التوترات الجيوسياسية تزيد الطين بلة، إذ تخلق بيئة طاردة لرؤوس الأموال، بينما يؤدي العجز المالي المتفاقم إلى دفع الحكومات لإصدار المزيد من السندات، وهو ما يرفع المعروض ويضغط على الأسعار.

كما أكَّد أن السياسة النقدية الأمريكية تلعب دورًا حاسمًا، فمع تباطؤ الاقتصاد وتوقعات الركود يصبح خفض الفائدة سلاحًا ذا حدين، إذ يحفز النشاط الاقتصادي لكنه يضعف جاذبية السندات ويزيد موجات البيع.

ذعر مالي وقنبلة موقوتة

الدكتور حسين العسيلي يصف الوضع الراهن بأنه حالة “ذعر مالي” غير مسبوقة، بعدما تحولت السندات من ملاذ آمن إلى قنبلة موقوتة، وقد أشار الخبير بدوره إلى أن العوائد البريطانية لأجل ثلاثين عامًا تجاوزت 5.75% في أعلى مستوى منذ 1998، فيما اقتربت نظيرتها الأمريكية من 5%، وهو ما يعكس انهيارًا حادًا في الأسعار.

وفي هذا السياق، قال العسيلي إنَّ الأزمة تتجاوز مجرد أرقام العوائد إلى عمق القدرة الفعلية للحكومات على إدارة ديونها العامة، حيث أثارت خطط إعادة هيكلة الحكم في بريطانيا، والتصويت الحاسم في فرنسا بشأن خفض الديون، موجة تشكيك واسعة في التزام الدول الكبرى بالانضباط المالي.

واستشهد العسيلي بالمفارقة الواضحة في السوق الأوروبية، حيث تجاوزت الإصدارات الجديدة 49.6 مليار يورو في يوم واحد، بينما بلغ حجم الطلب على إصدار بريطاني 140 مليار جنيه إسترليني رغم أن الهدف لم يتعد 10 مليارات، وهو ما يعكس تفضيل المستثمرين للإصدارات القصيرة الأجل ذات العوائد المرتفعة مقابل عزوفهم عن السندات طويلة الأجل.

ورغم أن بعض التهدئة طرأت على السوق مع تراجع العائد الأمريكي لأجل عشر سنوات إلى 4.20%، أكد العسيلي أن هذه ليست سوى استراحة مؤقتة قابلة للانفجار مع أي صدمة جديدة. ويتفق معه عبد الهادي في أن الأسواق تعيش حالة مزدوجة، إذ تشهد إقبالًا على السندات القصيرة الأجل بعوائد مغرية، يقابله نزيف بيع في السندات طويلة الأجل، وهو ما يعكس حالة هشاشة لا تسمح بالاطمئنان إلى استقرار حقيقي.

اقرأ أيضًا: راي داليو يحذر من أزمة ديون تلوح في الأفق بسبب سياسات ترامب

أزمة الديون الأوروبية

ذكر العسيلي أنَّ الأزمة الحالية تعيد إلى الذاكرة أزمات سابقة، لكن مع اختلافات جوهرية، ففي أزمة الديون الأوروبية عام 2010 قفزت العوائد على السندات اليونانية والإيطالية بسبب العجز المالي، بينما في 2008 كانت السندات ملاذًا آمنًا وقت الانهيار المالي، واليوم الوضع معكوس تمامًا؛ السندات نفسها أصبحت مصدر القلق، ما يجعل الأزمة الحالية أكثر خطورة.

وأضاف: “إذا عدنا أبعد إلى الثمانينيات، نجد أن صدمة رفع الفائدة الأمريكية بشكل حاد لكبح التضخم أدت إلى انهيار أسعار السندات طويلة الأجل، وهو ما يعكس تشابهًا جزئيًا مع ما يحدث الآن وإن اختلف السياق” .

وفي حين يرى عبدالهادي أنَّ أي خلل جديد في معدلات التضخم أو زيادة العجز أو تغير مفاجئ في السياسات النقدية سيشعل موجات بيعية أكبر، ويؤكد أنّ سوق السندات ستظل مرآة حساسة للتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، يعتبر العسيلي أن السندات لم تعد ملاذًا آمنًا كما كانت لعقود، وأن الأشهر المقبلة ستكون فاصلة في تحديد إن كانت الموجة الحالية مجرد تصحيح عابر أم بداية لانهيار يهدد الاستقرار المالي العالمي بأسره.

وقد وصف الخبيران سوق السندات العالمية في الوقت الراهن، وكأنها تسير على “حافة هاوية جديدة” ، حيث لا يكفي مجرد ضبط الموازنات لإعادة الثقة، بل يتطلب الأمر إعادة تعريف لدور السندات في النظام المالي العالمي، فما كان يومًا عنوانًا للأمان قد يصبح خلال الفترة المقبلة بؤرة الخطر الأكبر.

قد يهمّك أيضًا: موجة تفاؤل في سوق الأسهم الصينية مع دخول المستثمرين الصغار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة