السوريون في ألمانيا.. كيف أصبحوا قوة محركة لسوق العمل والاقتصاد؟

منذ أكثر من عشر سنوات، كان وصول مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى ألمانيا اختبارًا قاسيًا لمجتمع يستند إلى نظام رفاه معقد، واقتصاد صناعي يحتاج إلى أيدٍ عاملة شابة؛ ففي البداية ارتفعت أصوات قلقة من أن تتحول موجة اللجوء إلى عبء دائم على المالية العامة والخدمات الاجتماعية، لكن بعد مرور عقد تقريبا بدأت الأرقام تكشف صورة مختلفة، إذ إنَّ اللاجئين -وفي مقدمتهم السوريون- أصبحوا جزءًا لا يستهان به من القوة العاملة، ومصدرًا متناميًا للإيرادات الضريبية، ودعامة للاستقرار الديموغرافي في بلد يشيخ بسرعة.

اندماج في سوق العمل أسرع من التوقعات

تشير بيانات معهد أبحاث التوظيف في ألمانيا إلى أنَّ نحو ثلثي اللاجئين السوريين الذين وصلوا بين 2013 و2019 أصبحوا يعملون اليوم، والفجوة بينهم وبين متوسط التوظيف الوطني لا تتعدى تسع نقاط مئوية، وهو معدل أفضل مما توقعته حتى أكثر الدراسات تفاؤلًا قبل سنوات. وهذا الاندماج السريع يعكس مرونة سوق العمل الألماني، وقدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية على تسريع إدماج موجات جديدة من العمالة، وفق بلومبرغ.

الأهم أن السوريين لم يقتصروا على وظائف منخفضة المهارة، بل تمدد حضورهم إلى قطاعات تحتاج التزامًا وانضباطًا، مثل الصناعة والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية، الأمر الذي يعزز القيمة المضافة لمساهمتهم في الاقتصاد، ويؤكد أن التجربة الألمانية مع المهاجرين لم تقف عند حدود سدّ شواغر مؤقتة، بل بدأت تأخذ شكل استثمار طويل الأمد في قوة العمل.

الأثر المالي.. من الإنفاق إلى العائد

على صعيد المالية العامة، توضح تقديرات مجلس الخبراء الاقتصاديين الألمان أنَّ كل مهاجر جديد يضيف في المتوسط نحو 7100 يورو سنويًا إلى الميزانية العامة على المدى الطويل، وهذه المساهمة تتضاعف في حالة السوريين بسبب طبيعة أعمارهم الصغيرة نسبيا؛ إذ يشكّلون كتلة شابة ستدفع الضرائب وتشارك في صناديق التقاعد لعقود، قبل أن تصل إلى سن الاستفادة من هذه البرامج.

عمليًا، هذا يعني أن دخول السوريين في سوق العمل يساعد على تمويل التزامات التقاعد والرعاية الصحية في بلد يعاني من شيخوخة سريعة، خاصّة أنّ نظام التقاعد الألماني يعتمد على مبدأ “الدفع الجاري”، أي أن العاملين اليوم يموّلون المتقاعدين اليوم، ومع تقلص عدد المساهمين الألمان جاءت الهجرة كتصحيح ديموغرافي يوسّع القاعدة الضريبية ويقلل الضغط على الأجيال الشابة.

أثر التجنيس على الاقتصاد

في عام واحد فقط حصل أكثر من 83 ألف سوري على الجنسية الألمانية، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ التجنيس، وهذه الخطوة ليست أمرًا رمزيًا فقط؛ حيث إنّ المواطنة تمنح استقرارًا قانونيًا يقلل المخاطر أمام أرباب العمل والبنوك، ويشجع الأسر على الاستثمار في التعليم والسكن والعمل طويل الأمد، كما أنها تقلص معدلات تبديل الوظائف، وتزيد متوسط مدة البقاء في سوق العمل، ما يرفع من الإنتاجية الكلية.

التجنيس أيضا يخلق رابطة سياسية واقتصادية جديدة، إذ يدخل السوريون كمواطنين كاملي الحقوق في دائرة المشاركة في صنع القرار، ما يعزز امتثالهم الضريبي ويجعل مصالحهم مرتبطة بشكل مباشر باستقرار الاقتصاد الألماني.

الحاجة المستمرة للهجرة.. ألمانيا بلد يشيخ بسرعة

تقديرات المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، تؤكد أن ألمانيا تحتاج إلى نحو 400 ألف مهاجر سنويًا للحفاظ على حجم القوى العاملة، والسبب هو أن معدلات المواليد منخفضة، ونسبة من هم فوق 65 عاما تتزايد بسرعة، والأجيال التي بنت “المعجزة الاقتصادية” بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تنسحب تدريجيًا من سوق العمل.

والسوريون -بما يمثلونه من كتلة شابة ذات معدلات بقاء مرتفعة- يسدون جزءًا ملموسًا من هذا العجز، ويساعدون على تأجيل أزمة نقص العمالة في قطاعات استراتيجية، مثل الصناعة والرعاية الصحية والهندسة.

كيف يترجم الاندماج إلى نمو اقتصادي؟

اندماج السوريين في سوق العمل لا يعني فقط نسب تشغيل أعلى، بل يترجم إلى دخل وإنفاق واستهلاك واستثمار، فالرواتب التي يحصلون عليها تتحول إلى إنفاق على السكن والمواصلات والسلع الأساسية، وإلى ادخار يُستخدم في تعليم الأبناء أو تأسيس مشاريع صغيرة، وكل نقطة مئوية إضافية في مشاركتهم الاقتصادية تعني ارتفاعًا في الناتج المحلي الإجمالي.

هذا الأثر يمتد إلى القطاعات المالية أيضًا، إذ يزيد الاستقرار القانوني والمؤسسي من قدرة الأسر على الاقتراض والاستثمار، ويعزز من الطلب على المنتجات البنكية والتأمينية، ومع مرور الوقت تتحول هذه المشاركة إلى دورة اقتصادية متكاملة تزيد من حجم السوق المحلية وتدعم النمو المستدام.

التحديات السياسية والاجتماعية

رغم أن الأرقام الاقتصادية واضحة إلا أن الجدل السياسي لا يتوقف؛ فموجة اللاجئين التي استقبلتها المستشارة السابقة أنغيلا ميركل عام 2015 غذّت صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة، وعلى رأسها حزب “البديل من أجل ألمانيا” الذي نجح في استثمار المخاوف المتعلقة بالوظائف والسكن والإنفاق الاجتماعي.

ومع أن البيانات تظهر تحسنًا مستمرًا في مؤشرات التشغيل والمساهمة الضريبية، فإن جزءًا من الرأي العام لا يزال يرى في الهجرة تهديدًا مباشرًا لحياته اليومية.

الحكومة الألمانية حاولت الموازنة بين هذه المخاوف والحاجة الاقتصادية، فشددت سياسات الحدود ولمّ الشمل، لكنها في الوقت نفسه وسّعت قنوات استقدام العمالة الماهرة، وبسّطت مسارات الاندماج الاقتصادي لمن هم داخل البلاد بالفعل.

دروس من تجربة الاندماج

أحد الدروس المهمة من التجربة الألمانية هو أن القيود المبكرة على عمل اللاجئين فوّتت على الاقتصاد مكاسب كبيرة، فتوزيعهم على مناطق ريفية منخفضة الكلفة لكنهـا فقيرة بالفرص الوظيفية أبطأ اندماج الكثيرين، لكن مع مرور الوقت تم تصحيح هذه السياسات بفتح قنوات عمل أوسع وتعجيل الإجراءات، ما انعكس إيجابًا على نسب التشغيل.

الرسالة الأوضح لصناع السياسات، هي أن كل شهر يُختصر من “زمن الانتظار غير المنتج” يضيف نقاطا إضافية إلى معدل المشاركة الاقتصادية، ويعجّل مساهمة اللاجئين في الإيرادات والتأمينات الاجتماعية.

بُعد أوروبي أوسع

لم يقتصر دور الهجرة على ألمانيا، فرئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، أشارت في قمة “جاكسون هول” الأخيرة إلى أن العمالة الأجنبية شكلت نحو نصف النمو في القوة العاملة داخل منطقة اليورو خلال السنوات الثلاث الأخيرة، رغم أنها لم تتجاوز 9% من إجمالي القوة العاملة في عام 2022.

وفي حالة ألمانيا، أوضحت تقديرات البنك المركزي الأوروبي أن الناتج المحلي الإجمالي كان سيسجل انخفاضًا يقارب 6% مقارنة بمستويات 2019 لولا مساهمة العمالة الأجنبية، وفي مقدمتها السوريون، كما استفادت إسبانيا أيضًا من المهاجرين لتعويض انخفاض ساعات العمل والأجور الحقيقية بعد الجائحة، بحسب رويترز.

اقرأ أيضًا: ترحيل السوريين في أوروبا وتعليق طلبات اللجوء

الهجرة والاقتصاد الكلي.. أثر في زمن التضخم

اندفاع أسعار الطاقة والغذاء بعد الحرب الأوكرانية، زاد من أهمية وجود سوق عمل مرنة، ومساهمة السوريين في توسيع قاعدة العمل والاستهلاك، ساعدت ألمانيا على امتصاص الصدمات، ومنعت حدوث نقص أكبر في اليد العاملة، وهذا أعطى السياسة النقدية والمالية فسحة أكبر للموازنة بين مكافحة التضخم وحماية النمو، وإن كانت الحاجة تبقى ملحة لإصلاحات هيكلية في قطاعات مثل الإسكان والطاقة.

لماذا يهم هذا للمستثمرين؟

من زاوية استثمارية، اندماج اللاجئين السوريين يعني قاعدة دخل قابلة للتوسع، وطلبًا داخليًا أكثر استقرارًا، وقاعدة ضريبية أوسع تعزز من الجدارة الائتمانية السيادية، كما أن تراكم الخبرات والمهارات يرفع احتمالات ظهور رواد أعمال جدد، وتأسيس شركات صغيرة ومتوسطة، تغذي سلاسل الإمداد وتخلق وظائف جديدة.

بين الاقتصاد والسياسة

التجربة الألمانية مع المهاجرين السوريين توضح معادلة معقدة: اقتصاد يستفيد بوضوح من تدفقات الهجرة، وسياسة داخلية تواجه صعوبة في إقناع الناخبين بأن هذه المكاسب تفوق التكاليف، لكن نجاح ألمانيا في تحويل الهجرة إلى رافعة اقتصادية حقيقية، سيعتمد على قدرتها في الموازنة بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وضمان أن يشعر المواطن العادي بأن المكاسب ليست مجرد أرقام في التقارير، بل انعكست على حياته اليومية.

اكتشف المزيد في التقرير المصور: ألمانيا ترفض عودة اللاجئين السوريين!

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة