هل يتغير مصير أوكرانيا بعد تراجع الدعم الأمريكي؟

التحوُّل في السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا يُشَكِّل نقطة تحول فارقة في المشهدين السياسي والاقتصادي العالمي، تمتد تأثيراتها إلى مختلف الأطراف الفاعلة، من واشنطن وموسكو إلى العواصم الأوروبية وحلف الناتو، فمع تصاعد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة وزيادة العجز المالي، بدأت إدارة ترامب في إعادة النظر في استمرار الدعم المُقَدَّم لكييف الذي وصلت قيمته خلال سنوات الحرب الثلاثة الماضية 350 مليار دولار، بحسب ترامب.

وبينما تُواجه أوروبا تحديات اقتصادية ضخمة نتيجة العقوبات على روسيا وارتفاع أسعار الطاقة، تحاول موسكو استغلال الوضع لتعزيز نفوذها العالمي وإعادة رسم خريطة تحالفاتها الاقتصادية. 

العبء المالي للدعم الأمريكي

يقول الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إنَّ هناك عدة أسباب خلف تحوُّل السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا، أبرزها العبء المالي الضخم، وفقًا لتقارير رسمية منذ بدء الحرب، فقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 300 مليار دولار لدعم أوكرانيا، مما زاد من العجز المالي الفيدرالي، ويأتي هذا في وقت تعاني فيه واشنطن من ديون عامة تتجاوز 34 تريليون دولار، مما يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم أولويات الإنفاق.

كما أدّى استمرار الصراع إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين الأمريكيين. ويسعى ترامب إلى تقليل الأعباء المالية للولايات المتحدة، خاصة أنَّ دافعي الضرائب بدأوا في التساؤل عن الفوائد الاقتصادية لهذا الدعم الضخم.

ولفت الدكتور ياسر حسين في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إلى أنَّ العقوبات على روسيا تسبَّبت في إغلاق السوق الروسية أمام الشركات الأمريكية، مما أدى إلى خسائر كبيرة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية، كما تأثَّرت سلاسل التوريد بسبب نقص المعادن النادرة القادمة من روسيا وأوكرانيا، مما أثر على قطاعات التصنيع، خاصةً صناعة أشباه الموصلات والطاقة المتجددة.

تعتمد أوروبا بشكل كبير على الطاقة الروسية، ومع فرض العقوبات وقطع إمدادات الغاز الروسي، ارتفعت أسعار الغاز بنسبة تجاوزت 300% في بعض الفترات، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية.

اقرأ أيضًا: هل تسقط معادن أوكرانيا في يد الولايات المتحدة؟

كيف تؤثر الحرب الأوكرانية على الاقتصاد العالمي؟

تسبَّبت العقوبات والاضطرابات في سلاسل الإمداد في خسائر مباشرة تجاوزت تريليون دولار، كما تعمّقت الأزمة، مما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي.

وأشار الخبير إلى أنَّه مع تراجع الدعم الأمريكي، قد تجد أوروبا نفسها مضطرة لزيادة مساعداتها المالية والعسكرية لكييف، مما قد يزيد الضغوط على ميزانياتها العامة، خاصة مع وجود أزمات داخلية مثل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

ولفت حسين إلى أنَّ الاقتصاد الروسي لم ينهر رغم أنّ روسيا أصبحت أكثر دولة خاضعة للعقوبات عالميًا بإجمالي 22 ألف عقوبة، فقد تمكَّنت موسكو من إعادة توجيه تجارتها نحو الصين والهند وإيران. ومع ذلك، فإن العقوبات أدت إلى نقص التكنولوجيا المتقدمة وتباطؤ النمو الصناعي، مما زاد من الضغوط الداخلية على الحكومة الروسية.

كما تجاوزت الخسائر المباشرة من العمليات العسكرية حاجز الـ320 مليار دولار، مما دفع موسكو إلى البحث عن حل سياسي لإنهاء النزيف الاقتصادي. وبما أنَّ روسيا تمكَّنت من السيطرة على 20% من الأراضي الأوكرانية، فقد يسعى بوتين إلى اتَّفاق سلام يضمن له مكاسب استراتيجية ويخفف الأعباء الاقتصادية.

اقرأ أيضًا: ترامب يعرض على أوكرانيا الحماية مقابل نصف ثرواتها من المعادن

اتفاق سلام يُخفف الأعباء الاقتصادية

إذا تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أمريكية، فقد يؤدي ذلك إلى:

  • انخفاض أسعار الطاقة عالميًا، مما يعزز النمو الاقتصادي في أوروبا والولايات المتحدة.
  • رفع بعض العقوبات عن روسيا، مما يسمح بعودة جزئية للتجارة الدولية مع موسكو.
  • استقرار الأسواق المالية وتحسُّن قيمة العملات الأوروبية والروبل الروسي.

انسحاب أمريكي تدريجي وتصاعد الأزمة في أوروبا

في حال تمّ تقليص الدعم الأمريكي دون حل سياسي سريع، فقد يؤدي ذلك إلى:

  • انهيار أوكرانيا عسكريًا خلال أشهر، مما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري جديد.
  • زيادة الضغوط الاقتصادية على أوروبا، حيث ستضطر إلى تحمُّل نفقات إضافية لدعم أوكرانيا.
  • تفاقم أزمة الطاقة العالمية إذا زادت روسيا من استخدام النفط والغاز كسلاح اقتصادي.

ويرى حسين أنَّ التغيُّر في الموقف الأمريكي قد يكون نقطة تحول رئيسية في الاقتصاد العالمي؛ فإذا نجح ترامب في تقليل التزامات واشنطن تجاه أوكرانيا، فقد نشهد إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية، حيث قد تتحول أوروبا إلى دور أكثر استقلالية اقتصاديًا، بينما تتجه روسيا إلى تعزيز تحالفاتها مع الشرق.

واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “في النهاية، ستُحدد الأشهر المقبلة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمسك بتقليص دعمها لأوكرانيا أم ستُعيد النظر في قراراتها بناءً على الضغوط الأوروبية والدولية، لكن المؤكد أنَّ هذا التحول لن يكون مجرد تغيير سياسي، بل سيكون له تداعيات اقتصادية عميقة على الأسواق العالمية”.

تحوّل السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا

على المستوى السياسي، أكَّد الباحث في الشؤون السياسية، منير أديب، أنَّ الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يمثل تحولًا استراتيجيًا سيكون له تداعيات مباشرة على الأزمة الأوكرانية وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وأوضح أنَّ هذا الاتفاق يضع أوكرانيا وأوروبا في موقف حرج؛ حيث أصبحتا تحت رحمة واشنطن التي تتخذ خطوات غير متوقعة لتحقيق مصالحها.

وقال أديب في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إنَّ هذا الاتفاق يُمَثِّل بداية الطريق لإنهاء الحرب الأوكرانية، لكن بطريقة تخدم المصالح الأمريكية والروسية، بعيدًا عن دور الناتو. وأضاف: “من الواضح أنَّ الولايات المتحدة ترغب في إنهاء هذا الصراع سريعًا للتفرغ لمواجهة صراعها المتوقع مع الصين، وهو ما يجعل أوكرانيا ورقة تفاوضية أكثر من كونها حليفًا استراتيجيًا دائمًا لواشنطن”.

تراجع الدعم الأمريكي لأوروبا وتأثيره على ميزان القوى

أشار أديب إلى أنَّ الاتفاق بين واشنطن وموسكو أدى إلى عزل الناتو وأوروبا، مما يعني أن الأزمة الأوكرانية تتجه نحو تسوية قد لا تكون في صالح كييف وحلفائها الغربيين. وقال: “ما نشهده الآن هو تحول في السياسة الأمريكية، حيث لم تعد الحماية العسكرية لأوروبا مجانية، بل مشروطة بزيادة إنفاقها الدفاعي، وهو ما يتماشى مع توجُّهات إدارة ترامب التي تسعى لجعل الحلفاء الأوروبيين يعتمدون على أنفسهم أكثر”.

وأضاف أديب أنَّ الصراع المُقبل سيكون بين الولايات المتحدة والصين، وقد يبدأ بشكل واضح خلال الأشهر الستة القادمة، مشيرًا إلى أنَّ واشنطن تحتاج إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، خاصةً مع بريطانيا ودول شرق آسيا البحرية، لتعزيز نفوذها في مواجهة بكين.

وأوضح أنَّ أيَّ تسوية للأزمة الأوكرانية ستكون وفقًا للشروط الروسية، وأهمّها منع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، مُضيفًا: “إذا تمَّ تنفيذ الاتفاق بين روسيا وأمريكا، فسنشهد إنهاءً سريعًا للحرب، لكن وفق رؤية موسكو، وهو ما يعني أنَّ الغرب والناتو قد خسرا هذه المواجهة استراتيجيًا”.

اقرأ أيضًا: تمويل من البنك الدولي لأوكرانيا بقيمة 1.34 مليار دولار

هل يشهد العالم صراعًا أمريكيًا صينيًا بعد أوكرانيا؟

أشار أديب إلى أنَّ أمريكا لم تعد الطرف الرئيسي في المواجهة مع روسيا، بل أصبحت تلعب دور الوسيط، وهو ما يعكس تراجع التزامها تجاه حلفائها الأوروبيين. وقال: “أوروبا فقدت الدعم الأمريكي الذي كانت تعتمد عليه، والآن تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع روسيا دون غطاء أمريكي قوي”.

واختتم الباحث السياسي تصريحه بالتأكيد على أنَّ الاتفاق الروسي الأمريكي يعكس تغيرًا كبيرًا في ميزان القوى العالمي، مشيرًا إلى أنَّ واشنطن لم تعد تُخطط لهزيمة روسيا، بل تحاول إيجاد صيغة تضمن مصالحها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، قال: “أمريكا وروسيا قادرتان على إنهاء الحرب الأوكرانية بمفردهما، وما نشهده اليوم هو انسحاب تدريجي لواشنطن من الصراع، مع ترك أوروبا في موقف لا تحسد عليه”.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة