تقرير: باسل محمود
وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة المصرية، بإعادة تقييم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه مصر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وأكد خلال المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة، أن “التحديات الاقتصادية المحلية والعالمية تتطلب مراجعة البرنامج إذا كانت الأعباء الاقتصادية تشكل ضغطاً غير محتمل على المواطنين”.
يأتي هذا التوجيه، في ظل انتظار مصر للمراجعة الرابعة لبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، والتي من المتوقع أن تُسفر عن تسلّم شريحة مالية تُقدر بـ 1.3 مليار دولار.
معالجة أخطاء المفاوض في مصر
قال الدكتور كريم عادل، رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة مراجعة موقف مصر واتفاقيتها الأخيرة، لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، جاء كضرورة حتمية لمعالجة أخطاء المفاوض الحكومي المصري آنذاك، حيث جاءت الاتفاقية محملة بضغوط على الإدارة الاقتصادية الحكومية للدولة، بالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وبيّن أن اشتراط الصندوق ضرورة رفع الدعم عن أسعار الطاقة والمحروقات، واضطرار الحكومة لإجراء ذلك باعتباره شرطًا من شروط الصندوق لصرف الشرائح المالية المتفق عليها، استُقبل باعتراض شديد من الشارع المصري؛ لأنه تسبب في المزيد من الضغوط التضخمية التي تؤثر على حركة التشغيل والإنتاج وتعتبر من معوقات الاستثمار.
تحدي تنفيذ توصيات الصندوق
يعتقد الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد البهواشي، أن التحدي الأكبر ليس في الصندوق بحد ذاته، بل في كيفية تنفيذ توصياته داخل مصر، وقد أوضح أنّ الدولة المصرية حددت أهدافاً واضحة، من بينها السيطرة على معدلات التضخم، وهذا هدف بالغ الأهمية.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”: “لكن يبدو أن التنسيق بين الجهات المختلفة ليس متكاملاً كما يجب، فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة المصرية للحد من التضخم، نجد بعض السياسات مثل رفع أسعار المحروقات تضيف ضغطاً على المواطنين”.
في تصريحات سابقة، أوضح رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن تأجيل مراجعة مصر مع صندوق النقد الدولي التي كان من المقرر انعقادها في أكتوبر الجاري، تم بالتنسيق مع الصندوق، لتُعقد بعد انتهاء الاجتماعات السنوية للصندوق في واشنطن. وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، فإن التزامات مصر تجاه الصندوق بلغت نحو 13.2 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر 2024.
اقرأ أيضًا: تغيير الحكومة.. كلمة السر في تأجيل صندوق النقد الدولي مراجعة برنامج مصر
السيطرة على التضخم في مصر
يقول البهواشي إنّ “التحدي الأكبر هو التوفيق بين إجراءات الإصلاح الاقتصادي ومتطلبات المواطن اليومية، والدولة بالفعل تُحقق خطوات إيجابية على صعيد الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وهناك إصلاحات ملموسة يتم تنفيذها على أرض الواقع”. هذا وقد تراجع معدل التضخم الأساسي في مصر، الذي يتم احتسابه من قبل البنك المركزي، إلى 25% على أساس سنوي في شهر سبتمبر، بعد أن كان 25.1% في أغسطس.
“لكن فيما يتعلق بالتضخم تحديداً، ربما كانت هناك حاجة لمزيد من التروي في تطبيق بعض السياسات مثل تقليص الدعم بشكل سريع، ويجب أن يكون التخارج من ملف الدعم على مدى زمني أطول، بما يسمح للمواطن بالتكيف مع التغيرات الاقتصادية دون أن يشعر بضغط كبير”، بحسب البهواشي.
في إطار سعي الحكومة لتقليص الدعم تدريجياً، رفعت أسعار البنزين بأنواعه المختلفة خلال هذا العام للمرة الثالثة، بنسب تتراوح بين 10.9% و13.3%، كما ارتفعت أسعار السولار بنسبة 17%، علمًا أنّ الحكومة المصرية رفعت أسعار الكهرباء أيضًا بنسبة تصل إلى 40%.
التحديات التي تواجه مصر
أوضح رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية أن التحديات الاقتصادية الداخلية والتأثيرات الإقليمية والدولية على مصادر الدخل القومي المصري، تتطلب ضرورة ملحة لمراجعة اتفاقية برنامج الإصلاح الاقتصادي مع الصندوق، لتكون أكثر مرونة في للتطبيق.
وبحسب قوله: “يضاف إلى ذلك ضرورة مراجعة الصندوق لمعدل الفائدة على الاقتراض منه، باعتبار أن مصر من الدول النامية ذات الاقتصادات الناشئة، وهي ثاني أكبر مقترض منه، وقد سبق أن أعلن الصندوق أنه سيعيد النظر في معدل الفائدة على الدول المقترضة للتخفيف عنها، وتخفيض قيمة الأقساط وفوائد الدين”.
تخفيف الحمل عن المواطن
شدد البهواشي على ضرورة تحسين الأداء الاقتصادي للدولة المصرية، وزيادة الإيرادات، لكن دون أن يتحمل المواطن الفاتورة الكاملة، وقال إنّ “الدولة قادرة على إيجاد بدائل لتعويض المواطن عن الارتفاعات في الأسعار، وهناك إمكانات هائلة لتفعيل الأنشطة التجارية والصناعية”.
ثُم أضاف: “بالنسبة لتطبيق سياسات صندوق النقد، فمن الضروري أن يتم ذلك وفق ما يتناسب مع الظروف الخاصة بالاقتصاد المصري، إذ لا يمكن تطبيق روشتة موحدة لجميع الدول دون مراعاة الفروق السكانية والاستهلاكية”.
وفي خطوة تهدف إلى كبح جماح التضخم، أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة كما هي في آخر اجتماع له، بعد رفعها 6% دفعة واحدة في مارس الماضي، لتصل إلى 27.25% لسعر الإيداع، و28.25% لسعر الإقراض.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر خفض تكلفة التمويل من قبل صندوق النقد على الدول الأعضاء؟
مسار صحيح رغم التحديات
يؤكد البهواشي أن الإصلاحات الاقتصادية في مصر تسير في الاتجاه الصحيح، ويقول إنّ “الدولة تشهد تطوراً ملموساً في جذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال، وعلينا فقط أن نضمن أن يكون التنفيذ متوازناً، بما يحافظ على المكتسبات الاقتصادية ويخفف الضغط على المواطنين”، ثُمّ أضاف: “الأمور تتحسن، ولدينا مقومات قوية لمواصلة التقدم”.
تفعيل مصر لاتفاقياتها التجارية
في سياق الحديث عن اتفاقيات مصر التجارية، شدّد عادل على ضرورة أن تتمسك الدولة بحقها في تفعيل اتفاقياتها التجارية مع الدول الأخرى، والتي تتيح لها التبادل التجاري بالعملات المحلية (دول تجمع بريكس على سبيل المثال)، حيث إنّ المادة الثامنة من الاتفاقية الأخيرة بين مصر وصندوق النقد، تحظر على مصر التبادل التجاري والتعامل بالعملات المحلية للدول الأخرى، ليكون الدولار هو العملة الأجنبية الوحيدة للتعامل والتبادل التجاري حتى مع الدول التي تتمتع معها مصر باتفاقيات تتيح خلاف ذلك.
وبحسب عادل، فقد صدرت “توجيهات الرئيس بضرورة تدارك أخطاء ومعالجة مشكلات اتفاق مصر مع الصندوق، الذي حتى وإن استجدت عليه ظروف وتحديات اقتصادية نتيجة أحداث وتوترات جيوسياسية وصراعات عسكرية، إلا أن ذلك لا يمنع أن الاتفاق من البداية كان مشوبًا بالعوار والخطأ، في آليات التطبيق والتنفيذ”.