اقتصادات الشرق الأوسط.. ضحية الصراع بين “تل أبيب وطهران”؟

تقرير: باسل محمود

أزمة غير مسبوقة تواجهها منطقة الشرق الأوسط بعد الهجوم الذي شنته إيران في مساء الثالث عشر من شهر أبريل لعام 2024، على إسرائيل، كرد على قصف تل أبيب سفارة طهران في دمشق، تبعه رد محدود على مناطق في أصفهان الإيرانية من قبل مسيرات إسرائيلية رغم أن تل أبيب لم تعترف رسميا بالهجوم.

عدة دول بالمنطقة منها الأردن ولبنان والعراق وإسرائيل، أغلقت مجالها الجوي، ومجموعة من شركات الطيران أعلنت عن تأجيل رحلاتها وإلغاء جزء منها مع تزايد القلق من أن تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا.

وفقا لتقارير إعلامية، استخدمت إيران نحو 150 طائرة مسيرة، أُطلقت من منطقة كرمانشاه، استغرقت نحو 6 ساعات حتى تصل إلى تل أبيب، بالإضافة إلى عدد من صواريخ “كروز” التي احتاجت نحو ساعة ونصف فقط حتى تصل إلى إسرائيل.

اقرأ أيضا: الحرس الثوري الإيراني يصعد ويهدد بإغلاق البحر الأبيض المتوسط
في الوقت نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي، اعتراض معظم الصواريخ خارج حدود بلاده، مشيرا إلى أن بعض الطائرات ألحقت أضرارا طفيفة بمنشأة عسكرية إسرائيلية.

وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد بلغت تكلفة اعتراض الهجوم الإيراني نحو مليار دولار، وفقا لما نقلته عن المستشار المالي السابق لرئيس الأركان الإسرائيلي، لكن مخاطر التصعيد ستكون أكبر على اقتصادات المنطقة العربية التي تغرق في سلسلة من الأزمات والتحديات الاقتصادية بسبب الحرب على غزة وتداعيات أزمتي كورونا وأوكرانيا اللتان لا تزال أصدائهما تتردد في العديد من اقتصادات المنطقة.

البطالة المشكلة الأكبر في الشرق الأوسط

يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة آل البيت بالأردن، الأستاذ الدكتور عمر غرايبة في تصريحات خاصة لـ “Econpedia”، إن اقتصاد دول منطقة الشرق الأوسط سيتأثر بشكل كبير وسلبي إذا اتسعت رقعة الحرب، مشيرا إلى أن منطقة الشرق الأوسط، بها العديد من الدول النفطية وغير النفطية.

أضاف: “الدول غير النفطية مثل مصر والأردن وسوريا ولبنان، بالإضافة إلى فلسطين، ستعاني إذا توسعت رقعة هذه الحرب من اتساع أزمة البطالة، التي ستؤثر بشكل سلبي على معدلات النمو داخلها ليحدث تباطؤ اقتصادي أو انكماش، الأمر الذي سيؤدي إلى تعميق العجز في الميزان التجاري لهذه الدول”.

تأثير اقتصادي محدود على دول الشرق الأوسط

بينما ترى مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن الأثر الاقتصادي للصراع الإسرائيلي الإيراني معتدل حتى الآن، وهذا حسب ما صرحت به في مقابلة مع “سي بي إس نيوز”.

اتفقت مع هذا الرأي أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة حلوان بمصر، الأستاذة الدكتورة أماني فاخر، التي قالت في تصريحات خاصة لـ “Econpedia”، إن التأثير الاقتصادي للهجوم الإيراني على إسرائيل، محدود حتى الآن على اقتصادات دول المنطقة، ما لم تتوسع دائرة الصراع.

اقرأ أيضا: هل سيتحمل اقتصاد لبنان فاتورة النزاع؟
أضافت: “التأثير الاقتصادي سواء على اقتصادات دول منطقة الشرق الأوسط، أو الاقتصاد المصري بشكل خاص، مرتبط برد الفعل من جانب إسرائيل”.

وترى أن الهجوم الإيراني على إسرائيل كان متوقعاً، وهذا حدّ من التداعيات السلبية سواء الاقتصادية أو السياسية على دول المنطقة، إلا أن الموقف الأميركي لمساندة إسرائيل ضد إيران خلال الفترة المقبلة، سيحدد وبشكل أكبر حدة وطبيعة التداعيات الاقتصادية في المنطقة.

مشاكل اجتماعية ناجمة عن زيادة البطالة

“مشكلة البطالة ستؤدي إلى خلق مشاكل اجتماعية داخل هذه الدول، على مستوى تفكك المجتمع، وستزيد من نسب الجريمة، وعليه فإن البطالة هي المشكلة الرئيسية الأولى التي ستواجهها الدول غير النفطية، إلى جانب تعطل قطاعات مهمة وعلى رأسها السياحة”.. بحسب غرايبة.

أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة آل البيت بالأردن، أن السياحة، تعتمد عليها هذه الدول بشكل كبير في زيادة مواردها من العملات الأجنبية، مشيرا إلى أن تعطل قطاع السياحة لفترة، سيؤدي إلى استمرار انخفاض احتياطات هذه الدول من النقد الأجنبي، الأمر الذي سيؤثر بشكل سلبي وكبير على استقرار عملات هذه الدول، كالجنيه المصري والدينار الأردني، والليرة السورية، بغض النظر عما إذا كانت مربوطة مع الدولار، كما الدينار الأردني، أو معومة كما هو موجود في مصر.

بينما ترى أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة حلوان، أن تأثير الصراع الإسرائيلي الإيراني على قطاع السياحة في المنطقة أو مصر، محدود حتى الآن.

“إذا تحدثنا عن تأثر حركة الطيران في المنطقة بالصراع، فهو تأثر حدث لفترة قصيرة ومحدودة، ويصعب الجزم بأن قطاع السياحة في المنطقة تأثر سلبا بشكل كبير بما حدث”.. بحسب الدكتورة أماني فاخر.

الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشرق الأوسط

ويرى الدكتور غرايبة، أن الدول النفطية التي تتميز بجاذبيتها للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مثل الإمارات والسعودية وعُمان، التي تصدّرت جاذبية هذه الاستثمارات في السنوات الأخيرة إلى جانب قطر، فإن حدوث هذه الحرب والتوترات الجيوسياسية واتساع رقعتها، سينعكس بشكل سلبي ومباشر على حجم تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى هذه الدول.

“إذا انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في هذه الدول، سينعكس ذلك على معدلات النمو بالانخفاض ويصبح هناك تباطؤاً في النمو الاقتصادي، وهذا سيؤدي إلى عجوزات في موازنات هذه الدول”.. بحسب غرايبة.

أضاف: “قد ترتفع أسعار النفط بسبب الحرب، وهو الأمر الذي سيدر على الدول النفطية موارد أكبر، لكن التصدير لن يكون كما كان في السابق، خاصة وأنه من المتوقع حدوث بعض العراقيل في التصدير”.

“أسعار البترول لم ترتفع في منطقة الشرق الأوسط فقط، بل ارتفعت على المستوى العالمي، وهذا نتيجة لما يشهده العالم من حالة عدم استقرار جيوسياسي غير مسبوقة، بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، أو حرب إسرائيل على قطاع غزة في فلسطين”.. كان هذا رأي الدكتورة أماني فاخر.

“صحيح قد يكون هناك ارتفاعا في الأسعار لكن الكميات ستنخفض”.. قال أستاذ الاقتصاد في جامعة آل البيت بالأردن.

التضخم.. التحدي الأكبر أمام دول المنطقة

ذكر أستاذ الاقتصاد الدكتور عمر غرايبة، أن جميع دول الشرق الأوسط ستتأثر بارتفاع التضخم، الناجم عن حالة عد الاستقرار في سلاسل التوريد بالمنطقة، مشيرا إلى أن غالبية السفن تتجنب حاليا المرور عبر باب المندب بسبب تهديدات الحوثيين، وتلجأ إلى الالتفاف حول أفريقيا عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وهو الأمر الذي يرفع من تكلفة الشحن، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع أسعار السلع، سواء النفطية أو غير النفطية.

“هذا عائق كبير أمام الحكومات والمواطنين والشركات في الشرق الأوسط، خاصة في ظل توقعات انخفاض القوة الشرائية للمواطنين في دول المنطقة”.. قال غرايبة.

زيادة في الديون

أضاف أن الإنفاق الحكومي سينخفض خلال الفترة المقبلة بسبب العجوزات المالية الناجمة عن التوترات الحالية، الأمر الذي سيدفع هذه الحكومات إلى الاستدانة بشكل أكبر، وهو ما سيعمق من مستويات الديون السيادية.

2% انخفاضا في قيمة العملة الإسرائيلية

“واضح تماما تأثر الشيكل بعد ضرب إسرائيل قنصلية إيران في سوريا، حيث كان يساوي الدولار قبل الضربة نحو 3.69 شيكل، وبعد الضربة انخفض إلى نحو 3.76 شيكل، بمعنى أن قيمة الشيكل انخفضت بنحو 2% فقط في عدة أيام بسبب التوترات المتزايدة، وإذا استمرت هذه التوترات وتصاعدت الحرب، بشكل أكيد ستنخفض قيمة الشيكل أمام الدولار بشكل أكبر”.. بحسب غرايبة.

ليس بالجديد على مصر

تقول الدكتورة أماني فاخر، إنه بالحديث عن مصر، فإن التداعيات الاقتصادية للصراع الإسرائيلي الإيراني على مصر محدودة للغاية حتى الآن، مشيرة إلى أن مصر منذ فترة، تشهد ضغوط اقتصادية بسبب حالة عدم الاستقرار في المنطقة، التي بدأت منذ السابع من أكتوبر 2023، وهو يوم اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي على إثرها وبعد فترة، استهدفت جماعة الحوثيين السفن الإسرائيلية أو الأميركية أو المرتبطة بإسرائيل التي تعبر من مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، الأمر الذي انعكس سلبا على أداء قناة السويس، نتيجة تجنب السفن المرور من البحر الأحمر، وسلوك مسار رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا.

توقعات النمو الاقتصادي

وبعد اندلاع الصراع بأيام قليلة، أصدر البنك الدولي توقعاته لنمو اقتصادات المنطقة، حيث خفض من توقعاته لنمو اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2.7% في 2024، من تقديرات شهر يناير الماضي البالغة 3.5%.

يتوقع البنك تسارع نمو اقتصادات المنطقة إلى 4.2% في العام المقبل، من 3.5% في التقديرات السابقة.

وعن مصر، خفض البنك من توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي إلى 2.8 من 3.5% في تقرير يناير 2024.

بينما رفع البنك توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي المقبل إلى 4.2 من 3.9% في التقديرات السابقة.

“تأثر الاقتصاد المصري بالتداعيات ليس وليد اليوم وإنما بدأ منذ عدة أشهر ولن يكون هناك المزيد من الضغوط على اقتصاد مصر الفترة المقبلة نتيجة الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية لكبح التضخم، وجذب المزيد من الموارد الدولارية إلى البلاد”.. قالت أماني فاخر.

أضافت: “هناك تكلفة أمنية للحفاظ على الأمن القومي المصري، والتأهب والاستعداد، وهي موجودة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في شهر أكتوبر العام الماضي وتزداد يوما بعد يوم”.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضا على صفحتنا على انستغرام

أخبار ذات صلة