شهدت مدن مغربية عدة في الأيام القليلة الماضية موجة احتجاجات متصاعدة بدأت بمطالب اجتماعية مشروعة تتعلق بملفات الصحة والتعليم والعدالة، لكنها ما لبثت أن تحولت في بعض المناطق إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، رافقها تخريب لممتلكات عامة وخاصة، وأدت إلى سقوط ضحايا وإصابات.
تعود الخلفيات الأساسية للاحتجاجات في المغرب، إلى سياق اجتماعي واقتصادي معقد، فالنظام الصحي في المغرب يعاني منذ سنوات من هشاشة البنية التحتية ونقص الكوادر الطبية، ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. أما قطاع التعليم، فيواجه مشكلات هيكلية تتعلق بجودة المناهج، ومحدودية الموارد، وضعف القدرة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية، وهو ما يحرم شريحة واسعة من الشباب من فرص متكافئة في التعلم والتأهيل. هذه الاختلالات البنيوية انعكست على واقع البطالة، إذ يجد مئات الآلاف من الشباب أنفسهم خارج سوق العمل، بلا أفق واضح، ما خلق بيئة خصبة لتفجر الغضب الاجتماعي.
مشاركة القاصرين في الاحتجاجات في المغرب
يرى الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، أنَّ ما شهدته بعض المدن المغربية يمثل مشهدًا مقلقًا، خصوصًا وأن المغرب معروف تاريخيًا بقدرته على احتواء الأزمات الاجتماعية بسلمية، حتى في ذروة موجة “الربيع العربي” عام 2011، حينها انتهت الأزمة بتوافق وطني أدى إلى صياغة دستور 2011 الذي اعتُبر عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.
وبحسب فارس تكشف الأزمة الحالية عن إشكالية أعمق تتعلق بالتوازن بين حق الدولة في حماية الأمن العام والممتلكات والمؤسسات، وبين الحقوق الدستورية المكفولة للمواطنين في حرية التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي.
ومن أبرز ما يميز هذه الموجة الاحتجاجية أن نسبة كبيرة من المشاركين هم من القاصرين، حيث وصلت نسبتهم في بعض المناطق إلى ما بين 70 و75%، وهذه الفئة -بحسب فارس- لا تملك الوعي السياسي والقانوني الكافي لإدراك تبعات تحركاتها، ما يفرض على الدولة والمجتمع التفكير في آليات جديدة لإدماجهم وتوجيههم. واقترح فارس أن يتم إنشاء مؤسسات مختصة بإعادة التأهيل والرعاية، على غرار تجارب دولية ناجحة، حتى لا يتحول هؤلاء الشباب إلى أداة سهلة للاختراق أو التصعيد.
جزء أساسي من الأزمة يتصل بعلاقة الشباب بالفضاء الرقمي، فمع تزايد نسب البطالة، حيث يوجد أكثر من 1.4 مليون شاب عاطل عن العمل، يجد كثير منهم في وسائل التواصل الاجتماعي متنفسًا لبناء عوالم افتراضية، غير أن هذه العوالم كثيرًا ما تصطدم بالواقع المعيشي، ما يولّد فجوة بين الطموح والإمكانات، تتحول بسرعة إلى شعور بالإحباط والسخط، فهذا الواقع الرقمي حين يتقاطع مع غياب دور فاعل للمدرسة العمومية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية يخلق جيلًا يعيش في عزلة عن الفضاء السياسي التقليدي، ويتجه مباشرة نحو الشارع كوسيلة للتعبير.
اقرأ أيضًا: خطاب العرش 2025.. حراك ملكي لتعميم التنمية في المغرب
موقف الحكومة من الاحتجاجات في المغرب
شدد فارس على أن العنف الذي صاحب بعض هذه الاحتجاجات يفقدها مشروعيتها، إذ يضعف التعاطف الشعبي معها، ويمنح السلطات مبررًا لتغليب المقاربة الأمنية، وقد شهدت بعض المدن، مثل إنزكان، مشاهد أشبه بـ”المعارك” بين قوات الأمن والمحتجين، وهو ما يعكس خطورة الانزلاق من الحراك السلمي إلى الفوضى المنظمة.
من جهتها، أعلنت الحكومة المغربية، على لسان رئيس الوزراء، استعدادها للحوار مع المحتجين، غير أن المشكلة الأساسية تكمن –كما أشار فارس– في غياب ممثلين واضحين للحراك، ما يجعل من الصعب إدارة حوار منظم ومثمر، لهذا فهو يقترح إشراك عينة من الشباب المتعلمين والفاعلين في المجتمع المدني في طاولة النقاش، بما يسمح بفتح قنوات تواصل حقيقية وبناءة.
ويؤكد فارس أن الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، خصوصًا أن مناطق مثل الحوز لا تزال تعاني أوضاعًا صعبة. ويضيف أن تأخر الاستجابة الحكومية ساهم في تفاقم الأزمة، وأنه كان بالإمكان احتواؤها منذ البداية عبر قرارات أكثر جرأة وفعالية، فصحيح أن الحكومة أطلقت مشاريع كبرى مثل تعميم التغطية الصحية، لكن الإصلاحات يجب أن تكون ملموسة وسريعة، لأنها تمس مباشرة الحياة اليومية للمواطن.
مسؤولية الشباب والفاعلين السياسيين
أشار فارس إلى أنَّ المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل يتحملها الشباب أيضًا، الذين عزفوا عن المشاركة السياسية، تاركين المجال فارغًا أمام قوى غير قادرة على تمثيلهم، فهذا العزوف يضعف المؤسسات المنتخبة، ويجعل الشارع بديلاً غير منظم للتعبير، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الفوضى.
ويرى فارس أن جيل اليوم هو جيل رقمي بامتياز، يعيش في فضاءات مثل “تيك توك” و”إنستغرام”، ما يستدعي من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين تطوير أدوات جديدة للتواصل معه، وفهم اهتماماته، والتفاعل مع طريقة تفكيره.
رغم كل التحديات، يرى فارس أن المغرب يمكنه تحويل هذه الأزمة إلى فرصة حقيقية للإصلاح، شريطة أن تستوعب الحكومة دروسها سريعًا؛ فالكثير من الدول المتقدمة شهدت موجات احتجاج مماثلة، مثل فرنسا خلال أزمة “السترات الصفراء”، ومع ذلك استُخدمت هذه اللحظات كفرص لإعادة التفكير في السياسات العامة.
واختتم فارس بالقول: “إن المطلوب اليوم هو بناء عقد اجتماعي جديد يعيد التوازن بين الحقوق والواجبات، ويضمن للشباب المشاركة الحقيقية في صياغة المستقبل، بعيدًا عن العنف والفوضى، فالمغرب يملك من التجارب والقدرات ما يؤهله لتجاوز الأزمة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية، وتضافرت جهود الدولة والمجتمع لإعادة بناء الثقة وترسيخ قيم العدالة والكرامة والاستقرار.
قد يهمّك أيضًا: المغرب في مقدمة الدول من حيث امتلاك احتياطيات الفوسفات عالميًا