الصكوك السعودية تستقطب طلبات اكتتاب تجاوزت 15 مليار دولار

أقدمت المملكة العربية السعودية على خطوة جديدة في مسارها التمويلي العالمي، بإصدار صكوك دولية بقيمة 5.5 مليار دولار موزعة على شريحتين: الأولى لأجل 10 سنوات بقيمة 3.25 مليار دولار بعائد بلغ 75 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية، والثانية لأجل 5 سنوات بقيمة 2.25 مليار دولار عند 65 نقطة أساس فوق السندات الأمريكية، وذلك وفقًا لما نقلته وكالة “رويترز” عن خدمة “آي إف آر” المتخصصة بمتابعة إصدارات الدين.

إقبال استثماري واسع ورسالة ثقة للأسواق

أوضح الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن الصكوك السعودية الجديدة استقطب طلبات اكتتاب تجاوزت 15 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الثقة الدولية في الأدوات المالية السعودية، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من التباطؤ.

وأضاف: “يشير هذا الإقبال إلى أن الصكوك السعودية باتت تحظى بمكانة متقدمة ضمن الأسواق الناشئة، باعتبارها أداة تمويلية آمنة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وبديلًا جاذبًا للسندات التقليدية” .

وأكد الخبير أن هذا النجاح يعكس قدرة الرياض على إدارة ملف الدين العام بمرونة عالية، وتوظيف أدواتها التمويلية لتلبية احتياجاتها المالية دون تعريض السوق المحلي لضغوط أو اضطرابات.

ولفت عبدالهادي، إلى أن هذا الإصدار يمثل جزءًا من سياسة مالية مستمرة تستهدف تمويل عجز الموازنة المتوقع أن يبلغ نحو 27 مليار دولار خلال 2025، وفي الوقت نفسه يأتي ضمن إطار تنفيذ رؤية 2030 التي تركز على تقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات، وتعزيز بدائل الدخل عبر الاستثمار في قطاعات جديدة مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

تعرّف إلى الفرق بين السندات والصكوك.. للباحثين عن التعاملات المالية الإسلامية

سياسات سعودية لدعم التنمية والاستقرار المالي

يرى الخبير الاقتصادي أن الصكوك ليست مجرد أداة لسد العجز، بل ركيزة أساسية في توفير التمويل المستدام للمشروعات العملاقة، مثل مدينة “نيوم” ومشروعات الطاقة الخضراء، بما يمنح المملكة مرونة مالية لتلبية التزاماتها التنموية دون الإضرار بالاستقرار النقدي.

وذكر الخبير أن هذا الإصدار لم يكن الأول، بل جاء استكمالًا لمسار متدرج انتهجته المملكة في السنوات الأخيرة، ففي مايو 2024 طرحت السعودية صكوكًا دولية بالدولار بقيمة 5 مليارات دولار ضمن برنامجها الدولي، كما أصدر المركز الوطني لإدارة الدين في مايو 2025 صكوكًا جديدة بقيمة 60.3 مليار ريال (16 مليار دولار)، وهو أحد أكبر الإصدارات المحلية في تاريخها، تلاه إصدار آخر في يونيو 2025 بقيمة 2.36 مليار ريال.

ووفقًا للخبير، هذه السياسة تعكس إستراتيجية مالية متكاملة تقوم على ضبط آجال الاستحقاق، وتقليل كلفة الاقتراض، والحفاظ على ثقة المستثمرين في الاقتصاد السعودي رغم تقلبات أسواق الطاقة العالمية، كما يُتوقع أن يسهم إدراج الصكوك السعودية في مؤشرات سندات الأسواق الناشئة بالعملة المحلية في توسيع قاعدة الطلب الدولي عليها، ما يضع المملكة في موقع متقدم بين الأسواق الناشئة الكبرى.

الصكوك السعودية تعزز مرونة الاقتصاد

أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن إصدار السعودية للصكوك يعكس بوضوح اتباع المملكة لسياسة مالية مرنة وذكية، تهدف إلى تنويع مصادر التمويل وتخفيف الضغوط عن الموازنة العامة.

وقالت إن نجاح المملكة في جذب طلبات اكتتاب تتجاوز 15 مليار دولار يوضح الثقة الكبيرة لدى المستثمرين العالميين، رغم حالة عدم اليقين التي يمر بها الاقتصاد الدولي، وأضافت أن الاعتماد على الصكوك كأداة تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية يمنح السعودية ميزة تنافسية في استقطاب رؤوس أموال من أسواق الخليج وآسيا، حيث يفضل المستثمرون هذه الأدوات على السندات التقليدية.

وأكدت أن هذه السياسة تدعم تمويل عجز الموازنة المتوقّع بنحو 27 مليار دولار، وتمنح الحكومة قدرة على الاستمرار في تمويل المشروعات العملاقة دون تهديد استقرار الاقتصاد الكلي.

قد ترغب أيضًا في الاطّلاع على أداء السوق السعودية لعام 2024

الصكوك الدولية تدعم أهداف رؤية 2030

أوضحت رمسيس أن تكرار لجوء المملكة إلى أسواق الدين يتكامل مع متطلبات رؤية 2030، التي تركز على تنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في قطاعات استراتيجية، وقالت: “المشروعات العملاقة مثل نيوم، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية، تحتاج إلى تدفقات مالية مستقرة، والصكوك تمثل أداة آمنة لتأمين هذا التمويل”.

وأضافت أنَّ هذه الإصدارات المتكررة تعزز من قدرة السعودية التنافسية عالميًا، وتضعها في قلب سوق الصكوك العالمي الذي يشهد نموًا مطردًا.

وترى الخبيرة أن التوقيت والقيمة يحملان رسالة واضحة للأسواق الدولية، مفادها أن السعودية قادرة على تلبية احتياجاتها التمويلية دون ضغوط على السوق المحلي، وأنّ إدراج الديون السعودية في مؤشرات الأسواق الناشئة سيُسهم في زيادة قاعدة المستثمرين وتقليل كلفة الاقتراض على المدى الطويل”.

وأشارت رمسيس أيضًا إلى أن الإصدار يعزز من مكانة المملكة كإحدى أكبر الأسواق الناشئة الجاذبة للاستثمار الأجنبي، ويدعم مكانتها الاقتصادية والسياسية على الساحتين الإقليمية والدولية.

التحديات المحتملة أمام السياسة التمويلية السعودية

في المقابل، حذرت رمسيس من أن الاعتماد المكثف على أسواق الدين قد يفاقم الالتزامات المستقبلية على الموازنة، خاصة مع احتمالات تقلب أسعار النفط، لكنها أوضحت أن السياسة السعودية تسعى إلى التوازن بين الإصدارات المحلية والدولية وتنويع آجال الاستحقاق، بما يقلل من المخاطر ويحافظ على الاستقرار المالي.

واختتمت رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن الإقبال الكبير على الصكوك السعودية يعكس أيضًا النمو السريع لسوق الصكوك العالمية، التي باتت تمثل بديلاً قويًا للسندات التقليدية. وأكدت أن المملكة وضعت نفسها في قلب هذا السوق، بما يتيح لها تمويل مشروعاتها التنموية العملاقة، وفي الوقت ذاته توفير أداة استثمارية موثوقة للمستثمرين الدوليين.

وقالت: “السعودية لا تدعم فقط استقرارها المالي عبر هذه الإصدارات، بل تعزز ريادتها في سوق الصكوك العالمي، وهو ما سينعكس على مكانتها الاقتصادية والسياسية في المنطقة والعالم خلال السنوات المقبلة”.

اقرأ أيضًا: الإمارات والسعودية تقودان صفقات الدمج والاستحواذ في الشرق الأوسط

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة