الصندوق السيادي النرويجي يطالب بإصلاح الأسواق الأوروبية

تقرير: باسل محمود
أطلق أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم تحذيرًا من أنَّ أوروبا تخسر سباق التنافسية أمام الأسواق الأمريكية والآسيوية، وقد دعا الصندوق، الذي تقدر أصوله بـ1.9 تريليون دولار، إلى إصلاحات عاجلة وجذرية في بنية أسواق رأس المال الأوروبية، من شأنها توحيد القواعد الضريبية وتشريعات الإفلاس وآليات الرقابة، في محاولة لوقف التآكل المتسارع في جاذبية القارة للمستثمرين العالميين، بحسب صحيفة “فايننشال تايمز”.

كما شدَّد الصندوق السيادي النرويجي على ضرورة تبني نهج أكثر طموحًا لتكامل الأسواق المالية، مشيرًا إلى أنَّ العقبات الهيكلية أصبحت تهدد الحيوية الاقتصادية، وتقيد قدرة المستثمرين الكبار على الاستفادة من الفرص داخل أوروبا.

وفي هذا السياق، قالت مالين نوربرغ، رئيسة استراتيجيات السوق في الصندوق، إن “سوقًا أوروبية فعالة تعد أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لنا، وهناك شعور بالإلحاح بين صانعي السياسات، ونحن نقدر ذلك”.

تراجع لافت لحصة أوروبا في محفظة الصندوق

رغم كون الصندوق أكبر مالك منفرد للأسهم الأوروبية -بمتوسط ملكية يصل إلى 2.5% من كل شركة مدرجة في القارة- إلا أن حصته من السوق الأوروبية تراجعت بشكل حاد خلال العقد الماضي؛ ففي عام 2012 كانت الأسهم الأوروبية تشكل 26% من إجمالي أصول الصندوق، لكن هذا الرقم انخفض إلى 15% فقط بحلول العام الحالي، في وقت ارتفعت فيه حصة السوق الأمريكية إلى 40%، مقارنة بنحو 21% قبل عشر سنوات.

التحول ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل ناتج عن تراجع عدد الشركات الأوروبية المدرجة، حسبما أكد إميل فرامنيس، رئيس قسم تداول الأسهم العالمية في الصندوق، الذي قال: “شهدنا في السنوات الأخيرة انخفاضًا في عدد الشركات الأوروبية التي يمكننا الاستثمار فيها، كما تراجعت أيضا حصة الأصول المدارة في أوروبا بشكل ملحوظ”.

قوانين مشتتة وأنظمة متباينة

وفقًا لما ورد في خطاب الصندوق إلى المفوضية الأوروبية، فإن تنوع القوانين الوطنية في أوروبا يمثل العائق الأكبر أمام بناء سوق رأسمال موحدة.

وتبرز عدة تحديات رئيسية من بينها التفاوت الكبير في قوانين الأوراق المالية بين الدول الأعضاء، والاختلافات في أنظمة الإفلاس، والتباين في تشريعات الشركات، كما تلعب الفروقات في أنظمة الضرائب، لا سيما تلك المتعلقة بضريبة الخصم من المنبع، دورًا حاسمًا في تعقيد البيئة الاستثمارية.

تؤدي هذه الفروقات إلى إعاقة حركة رأس المال بشكل سلس، مما يصعّب على المؤسسات الاستثمارية الكبرى، مثل الصندوق النرويجي، اتخاذ قرارات استثمارية على نطاق واسع ضمن السوق الأوروبية.

الأولويات التي طرحها الصندوق

الصندوق لم يكتفِ بالتشخيص، بل قدّم رؤية إصلاحية واضحة تشمل توحيد الأنظمة الضريبية، لا سيما الضرائب المفروضة على العوائد، وتسهيل إصدار أدوات الدين، لتشجيع الشركات على تمويل نموها عبر السوق، وتحسين سيولة الأسهم الأوروبية، عبر تعزيز المنافسة والابتكار بدلًا من الاعتماد على التنظيم وحده، بالإضافة إلى توحيد الرقابة المالية على مستوى الاتحاد الأوروبي، بدلًا من النظام الوطني المجزأ.

برأي الصندوق، هذه الخطوات كفيلة بإعادة أوروبا إلى خريطة الأسواق التنافسية عالميًا، بعد أن باتت بنية السوق المتهالكة تُضعف قدرتها على جذب الاستثمارات الكبرى.

هجرة الشركات من بروكسل إلى وول ستريت

الصورة تزداد تعقيدًا مع تسارع هجرة شركات التكنولوجيا الأوروبية إلى الأسواق الأمريكية؛ فمنصة سبوتيفاي وشركة “كلارنا” اختارتا الإدراج في الولايات المتحدة، بينما نقلت شركات أوروبية كبرى مثل ليندي، و”CRH”، و”آرم هولدينغز” مقار إدراجاتها إلى بورصات نيويورك وناسداك خلال السنوات الأخيرة.

هذه الظاهرة أضعفت السوق الأوروبية من الداخل، وخفضت من جاذبيتها أمام مديري المحافظ الكبرى، ووفق بيانات الصندوق فإنَّ عدد الشركات الأوروبية في محفظته تراجع بنسبة 25% خلال العقد الماضي، ليستقر عند 1546 شركة فقط.

هل تستجيب بروكسل؟

دعوة الصندوق النرويجي لا تُوجّه فقط إلى صناع السياسات الأوروبيين، بل إلى مستقبل أوروبا المالي بأكمله؛ ففي حين تستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق دفعة جديدة من الإصلاحات المرتبطة بتكامل أسواق المال، فإن نبرة الصندوق جاءت أكثر حدة، مشددة على أن القارة “لم تعد تملك رفاهية الوقت”.

ويبدو أن رسالة الصندوق النرويجي واضحة، فمن دون إصلاحات هيكلية عاجلة ستواصل أوروبا التراجع، بينما تواصل الولايات المتحدة وآسيا تعزيز قبضتهما على رأس المال العالمي.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة