في قلب الثورة الصناعية الرابعة، لم يعد النفط وحده هو عصب الاقتصاد العالمي، بل صعدت مجموعة صغيرة من المعادن تُعرَف بـ”العناصر النادرة”، وعددها 17 عنصرا تُستخدم في كل شيء، من الهواتف الذكية، والسيارات الكهربائية، إلى أنظمة الصواريخ والطائرات المقاتلة، وتمثل هذه العناصر ركيزة لا غنى عنها للتكنولوجيا الحديثة، وأي اضطراب في إمداداتها يترك أثرًا مباشرًا على الأسواق والصناعات الاستراتيجية.
في هذا المشهد، تقف الصين في موقع الصدارة بلا منازع، إذ تُسيطر على نحو 70% من عمليات التعدين، وأكثر من 90% من عمليات المعالجة والفصل، ونحو 93% من تصنيع المغناطيسات عالية الأداء، ولم تأتِ هذه السيطرة مصادفة، بل نتيجة عقود من التخطيط الحكومي، والاستحواذات الاستراتيجية، والتكلفة المنخفضة، والتساهل البيئي، وفق فايننشيال تايمز.
لكن مع تزايد القلق الغربي من استخدام بكين لهذه الهيمنة كورقة ضغط جيوسياسية، بدأت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان محاولات محمومة لبناء سلاسل توريد بديلة، ورغم الجهود يظل هناك سؤال قائم: هل يمكن فعلًا كسر قبضة الصين على أهم موارد القرن الحادي والعشرين؟
رحلة الهيمنة الصينية.. من التعدين إلى الاحتكار
مع بداية التسعينيات، فتحت الصين الباب على مصراعيه لعمليات التعدين، خاصة في منغوليا الداخلية شمالًا حيث تُستخرج العناصر “الخفيفة”، وفي الجنوب حيث تُستخرج العناصر “الثقيلة” باستخدام تقنيات ترشيح كيميائي بدائية، ورغم الكلفة البيئية الباهظة من تلوث للمياه والتربة فقد كان الهدف الاستراتيجي واضحاً، وهو السيطرة على العرض العالمي.
وفي 1995، خطت بكين خطوة فارقة حين تعاونت شركتا “China Nonferrous Metals” و”Beijing San Huan New Materials” مع مستثمرين أمريكيين للاستحواذ على قسم المغناطيس في شركة جنرال موتورز، المعروف باسم “Magnequench”، وبعد أقل من عقد أُغلقت مصانع الشركة في ولاية إنديانا الأمريكية ونُقلت المعدات إلى الصين، وبحلول 2004 خرجت الولايات المتحدة عمليًا من سوق تصنيع مغناطيسات العناصر النادرة، تاركةً الساحة لمصانع تيانجين ونينغبو.
دمج الشركات وبناء “العمالقة”
في العقد الماضي، دمجت الحكومة الصينية آلاف المناجم والشركات الصغيرة في مجموعتين عملاقتين مملوكتين للدولة، هما: “China Northern Rare Earth Group” و”China Rare Earth Group”، وهذا الدمج منح بكين قدرة أكبر على إدارة الإنتاج والتحكم في الأسعار العالمية.
وبعكس التوقعات، لم تستخدم الصين سيطرتها لرفع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، بل أبقتها منخفضة بما يكفي لردع دخول منافسين جدد، وفي الوقت نفسه مكّنت نفسها من الاحتفاظ باليد العليا في المفاوضات التجارية.
دور العناصر النادرة في التكنولوجيا الحديثة
الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ لخّص هذه الاستراتيجية بعبارة شهيرة: “الشرق الأوسط لديه النفط، أما الصين فلديها العناصر النادرة”، وكانت تلك النبوءة في التسعينيات، واليوم أصبحت واقعًا يحدد مسار التكنولوجيا العالمية.
تدخل العناصر النادرة في كل القطاعات الاستراتيجية تقريبًا، حيث يستخدم “النيوديميوم” و”البرازيويميوم” في مغناطيسات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، أما “الديسبروسيوم” و”التيربيوم” فضروريان لأنظمة التوجيه في الطائرات والصواريخ، و”الإيتريوم” و”اليوروبيوم” أساسيان في صناعة الشاشات والليزر، وأي اضطراب في هذه السلسلة، يعني توقف خطوط إنتاج بمليارات الدولارات، لهذا تعتبرها الولايات المتحدة “مواد حيوية للأمن القومي”.
اقرأ أيضًا: ترامب يسعى لتقليص هيمنة الصين عبر تخزين المعادن النادرة
هيمنة الصين بالأرقام على سوق العناصر النادرة
تسيطر الصين على المشهد العالمي للعناصر النادرة بشكل شبه مطلق، إذ تمتلك نحو 70% من عمليات التعدين، و90% من قدرات المعالجة والفصل الكيميائي، إضافةً إلى هيمنتها على 93% من تصنيع المغناطيسات عالية الأداء، التي تعد المكون الأهم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة محدودة الخيارات، إذ لا تمتلك سوى منجم رئيسي واحد هو “ماونتن باس” في كاليفورنيا، بينما تعتمد أوروبا بالكامل تقريبًا على الواردات لتلبية احتياجاتها الصناعية من هذه المواد الاستراتيجية، ما يجعل القارة العجوز في موقع هش أمام أي اضطرابات في سلاسل الإمداد التي تُديرها بكين.
استراتيجية الصين للتحكم بالأسعار كسلاح اقتصادي
تدير بكين سوق العناصر النادرة بعناية، حيث تُبقي الأسعار منخفضة لقتل الحوافز أمام المنافسين، لكنها تُقلص الصادرات أحيانًا لإظهار قدرتها على الضغط، وقد وقع مثال واضح في 2010 حين فرضت قيودًا على صادراتها لليابان خلال نزاع حدودي، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار عالميًا بأكثر من 300% في أشهر قليلة.
جهود الغرب لبناء بدائل لسلاسل التوريد الصينية
بعد إدراك هشاشة سلاسل الإمداد خلال حرب التجارة مع الصين، بدأت واشنطن ضخ استثمارات في شركة “MP Materials” المشغلة لمنجم “ماونتن باس”، والحكومة الأمريكية التزمت بشراء إنتاج الشركة من معدن “النيوديميوم” و”برازيويميوم”، بسعر يعادل ضعف السوق تقريبًا لتشجيع استمرارها، لكن الخبراء يرون أن الجدوى التجارية تبقى ضعيفة مقارنة بالمنتجين الصينيين الأرخص.
اليابان.. الرائد في إعادة التدوير
بعد أزمة 2010، أطلقت طوكيو برامج مكثفة لتخزين العناصر النادرة وإعادة تدويرها من السيارات الكهربائية والبطاريات المستهلكة، ورغم نجاح نسبي تبقى القدرة على تعويض الإمدادات الصينية محدودة.
استراتيجية الاتحاد الأوروبي للمواد الخام الحرجة
أطلق الاتحاد الأوروبي “قانون المواد الخام الحرجة” عام 2023 بهدف تقليص الاعتماد على الصين إلى النصف بحلول 2030، ولكن مع محدودية المناجم في القارة، وصعوبة الحصول على تراخيص بيئية، تبقى الخطط طموحة أكثر من كونها واقعية.
وفي هذا السياق، يشير الخبير غاريث هاتش إلى معضلة أساسية تواجهها الشركات الغربية، موضحًا: “شعار معظم الشركات كان دائمًا: الكلفة الأقل بأي ثمن، فلماذا تدفع أكثر إذا كان البديل الأرخص متاحًا في الصين؟”، مضيفًا أن هذه الثقافة الاقتصادية الراسخة تجعل من الصعب تبرير ضخ استثمارات في سلاسل توريد مرتفعة التكلفة، باستثناء القطاعات الدفاعية التي يُبرَّر فيها الإنفاق المرتفع باعتبارات الأمن القومي.
الصين تستخدم المعادن كسلاح جيوسياسي
أثبتت الصين أن لديها استعدادًا لاستخدام هيمنتها كأداة سياسية، فبعد فرض قيود على صادرات “الغاليوم” و”الغرافيت” عام 2023، ارتفعت الأسعار بنسبة 30% في أسابيع قليلة، ما أثر مباشرة على صناعات أشباه الموصلات والبطاريات في الغرب.
في المقابل، تضغط الولايات المتحدة على بكين عبر تقييد وصولها إلى أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي وأدوات تصنيعها، وهذه تعد “حرب موارد تكنولوجية”؛ حيث يستخدم كل طرف ما يملك من أوراق.
بريكس والبحث عن بدائل
في قمة “بريكس” الأخيرة، دعا قادة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا إلى تعزيز التجارة بالعملات المحلية وتقليل الاعتماد على الدولار، ورغم أن هذه المبادرات ما تزال محدودة فإنها تعكس توجهًا أوسع لمواجهة النفوذ الأمريكي، مدعومًا بهيمنة الصين على الموارد الأساسية.
هل يمكن كسر احتكار الصين للعناصر النادرة؟
يمكن التساؤل حول ما إذا كان من الممكن كسر الاحتكار الصيني للعناصر النادرة، لكن الواقع يُظهر أن البدائل المطروحة ما زالت محدودة ومكلفة، فعلى صعيد إعادة التدوير، تستثمر اليابان وأوروبا في تطوير تقنيات لاستخلاص العناصر النادرة من البطاريات والسيارات الكهربائية المستهلكة، إلا أن الكميات المستخرجة حتى الآن تبقى محدودة ولا تلبّي سوى نسبة ضئيلة من الطلب الصناعي.
أما في مجال التعدين الأخضر، فهناك محاولات أسترالية وكندية لإنشاء مناجم جديدة تراعي المعايير البيئية الصارمة، غير أن هذه المشاريع تواجه تكاليف مرتفعة تجعلها أقل قدرة على منافسة الإنتاج الصيني الرخيص.
إلى جانب ذلك، تُجرى أبحاث حول البدائل الصناعية عبر تطوير مواد جديدة يمكن أن تحل محل العناصر النادرة في بعض الاستخدامات مثل المغناطيسات أو الموصلات، غير أن هذه الأبحاث ما تزال في مراحلها الأولى، ويبدو الطريق طويلًا قبل أن تتحول إلى بدائل تجارية قابلة للاعتماد عليها.
مستقبل سوق العناصر النادرة وصراع القوى الكبرى
من غير المتوقع أن تفقد الصين هيمنتها خلال العقد المقبل، حيث إنّها تملك البنية التحتية، والمعرفة التكنولوجية، وسلاسل الإمداد المتكاملة، لكن الضغط الغربي قد يخفف قليلًا من قبضتها إذا نجحت مشاريع التنويع.
مع العلم أنّ سيطرة بكين على هذه المعادن ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل تمثل إحدى جبهات الصراع الجيوسياسي المحتدم بينها وبين واشنطن، ورغم محاولات الغرب بناء بدائل لتقليل الاعتماد على الصين فإن عاملَي الكلفة والزمن ما زالا يصبان في مصلحة بكين.
وفي عالم تتحول فيه الطاقة والتكنولوجيا إلى ساحات تنافس شرس، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تظل بكين “أرض العناصر النادرة” بلا منازع، أم أن الغرب سينجح في تقليص الفجوة قبل أن تتحول الهيمنة إلى ورقة ضغط دائمة؟
اقرأ أيضًا: المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى
