الصين ترسم ملامح النظام النقدي الدولي الجديد
في تحوّل لافت يعكس تصاعد التوجهات العالمية نحو إعادة تشكيل النظام النقدي الدولي، قدّم محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، رؤية شاملة لمستقبل الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد هيمنة الدولار الأمريكي، مؤكدًا أن النظام المالي العالمي يسير بخطى متسارعة نحو نموذج متعدد الأقطاب تقوم فيه عدة عملات سيادية بدور متوازن وتتنافس فيما بينها على الساحة الدولية، بدلًا من استمرار الاعتماد المفرط على عملة واحدة تتحكم بها دولة بعينها.
وخلال كلمته في منتدى لوجياتسوي السنوي بمدينة شنغهاي، أشار بان إلى أنَّ الأزمات الاقتصادية المتكررة التي يشهدها العالم، وما يصاحبها من اضطرابات مالية ناتجة عن اختلالات داخل الدول المصدّرة للعملات الرئيسية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إنهاء الوضع الأحادي الذي استمر لعقود طويلة وشهد خلاله الدولار الأمريكي هيمنة شبه مطلقة على التجارة العالمية، وأسواق المال، وآليات التسعير، وأدوات التحوط، واحتياطيات البنوك المركزية.
وتزامنت تصريحات بان مع خطوات تنفيذية اتخذتها الصين لتعزيز تدويل عملتها الوطنية، اليوان، عبر الانفتاح على المؤسسات المالية الدولية، وتشجيع استخدامه في المعاملات العابرة للحدود.
في الوقت نفسه، أعلنت مؤسسات مثل بنك OCBC السنغافوري انضمامها رسميًا إلى نظام المدفوعات الصيني البديل لنظام “سويفت” المعروف بـ CIPS، كما وقّعت كل من هونغ كونغ وشنغهاي على اتفاق لتعزيز الأصول المالية المقوّمة باليوان، في خطوة تهدف إلى ترسيخ حضوره في الأسواق العالمية.
التوترات الجيوسياسية تدفع إلى فك الارتباط بالدولار
جاءت هذه التحركات مدفوعة بتزايد التوترات التجارية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب، والتي أعادت سياسات الحماية الاقتصادية إلى الواجهة، ما دفع الكثير من الدول إلى البحث عن بدائل استراتيجية تقلل من الاعتماد على الدولار وتقلّص الهشاشة الناتجة عن تقلباته.
ويرى الخبير الاقتصادي، محمد العريان، أنَّ خطاب محافظ البنك المركزي الصيني يعكس بوضوح التحول المرتقب في النظام المالي العالمي، حيث تهدف قوى كبرى مثل الصين إلى بناء بيئة مالية تتسم بالتعددية والتوازن، تعتمد على عدد من العملات السيادية التي يتم استخدامها كأدوات احتياطية، وتتنافس على الثقة والسيولة وتوزيع النفوذ.
وأشار العريان عبر حسابه على إكس، إلى أن تصريحات بان تمثل تحذيرًا ضمنيًا من تسييس الدولار، مؤكدًا أن التوجه الحالي يفتح المجال أمام صعود اليوان الصيني كقوة مالية عالمية، مستفيدًا من السياسات الأمريكية المتقلبة، وفقدان الدولار لبعض عناصر استقراره التقليدي.
وتعزز هذه الرؤية أيضًا ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” من أنَّ إدارة ترامب يخطط عمدًا لإضعاف الدولار من أجل تعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية، إلا أنَّ هذا التراجع –الذي بلغ أكثر من 11% أمام اليورو– لا يخلو من تداعيات سلبية، إذ يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد من الضغط على الموازنة الفيدرالية المتضخمة.
وفي المقابل، تواصل الصين ربط عملتها بالدولار لتحسين قدرتها التنافسية، لا سيما في الأسواق الأوروبية، وإن كانت تخطط تدريجيًا إلى فصل هذا الارتباط وتعزيز استقلالية اليوان في التعاملات الخارجية.
اقرأ أيضًا: البنوك المركزية تتجه إلى الذهب وتخفض اعتمادها على الدولار
تحديات بنيوية أمام تدويل اليوان
رغم هذا التقدم، يواجه اليوان تحديات بنيوية تمنعه من أن يحل محل الدولار بسهولة، إذ تفرض بكين قيودًا صارمة على حركة رؤوس الأموال، وتحجم عن تحرير حسابها الرأسمالي بشكل كامل، ما يجعل العملة غير جاذبة بدرجة كافية للمستثمرين الأجانب كأداة لحفظ القيمة.
كما أن الفائض التجاري الضخم للصين، ورغبتها في الحفاظ على نموذج اقتصادي يرتكز على التصدير، يعيقان قدرتها على التخلي عن سياسات التحكم في سعر الصرف، وهي عناصر ضرورية لأي عملة دولية.
ومن جانبها، أشارت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إلى أن قوى كبرى مثل الصين وروسيا لم تعد تكتفي بالشعارات، بل انتقلت إلى خطوات عملية لزعزعة مكانة الدولار من خلال عقد صفقات تجارية ثنائية بعملاتها المحلية، وتأسيس منصات مالية بديلة للنظام الغربي. وقد تسارع هذا التوجه مع توسع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة، ما دفع العديد من الدول إلى مراجعة خياراتها النقدية وتقليل انكشافها على الدولار الأمريكي.
ووفقًا لرمسيس، تراجعت حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية من 70% إلى نحو 50% بنهاية عام 2024، وهو تراجع حاد يعكس فقدان العملة الأمريكية لبعض من مركزها التقليدي في ظل المتغيرات الجيوسياسية.
وترى أنَّ بناء النظام النقدي الدولي الجديد سيكون عملية تدريجية تمتد لسنوات، وربما عقود، لكنه أصبح مسارًا لا مفر منه في ظل انتشار النفوذ الأمريكي وتعدد اللاعبين العالميين، وأضافت أن تكتلات مثل البريكس تمضي قدمًا في هذا الاتجاه، من خلال اعتماد العملات المحلية في التبادل التجاري، وتطوير أدوات مالية مستقلة.
ملامح النظام النقدي الدولي الجديد
يرى محمد عبدالهادي، خبير أسواق المال، أن السياسات النقدية الجديدة التي تنتهجها دول مثل الصين والهند وروسيا، وظهور العملات الرقمية المدعومة من البنوك المركزية، تشير إلى أن تفكيك هيمنة الدولار لم يعد فكرة نظرية، بل تحول إلى مشروع استراتيجي متكامل. وأشار إلى أن اعتماد بعض الدول على أنظمتها المصرفية الداخلية، واستخدام عملاتها في تجارة الطاقة والمعادن، كلها مؤشرات على أن التحول جارٍ بالفعل.
ورغم ذلك، يرى عبدالهادي بأن الدولار لا يزال يتمتع بقوة مؤسسية غير مسبوقة، ويستفيد من شبكة واسعة من التحالفات الاقتصادية والمؤسسات العالمية، إضافة إلى نظام قانوني متكامل يدعم استقراره ويمنحه الأفضلية في المعاملات المالية.
من جهتها، أكَّدت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، أن الصين تعد اللاعب الأهم في أي نظام بديل للدولار، بحكم حجم اقتصادها الذي يمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبلوغ تجارتها الخارجية نحو 6 تريليونات دولار عام 2023، فضلًا عن فائض تجاري يتجاوز 800 مليار دولار واحتياطي أجنبي يقارب 3 تريليونات دولار، جزء كبير منه مستثمر في سندات الخزانة الأمريكية.
وترى وجيه أن الصين لا تخطط لتدويل عملتها بشكل متهور، بل تنتهج سياسة متدرجة ومحسوبة، تدرك من خلالها أن التوسع العالمي لليوان يعني التخلي عن بعض أدوات التحكم النقدي، والسماح بحرية أكبر لحركة رؤوس الأموال، وهو ما قد يهدد استقرار النموذج الاقتصادي الصيني القائم على التصدير والادخار.
ما الذي يتطلبه فك الارتباط بالدولار؟
أشارت الدكتورة شيماء إلى أنَّ فك الارتباط بالدولار يتطلب إعادة هيكلة شاملة للبنى التحتية المالية، وتعديل أنظمة محاسبية وتأمينية وتسعيرية على مستوى العالم، ما يجعل هذا التحول عملية معقدة وبطيئة، لكنها ممكنة في ظل توافر الإرادة السياسية والدعم المؤسسي الكافي.
وأوضحت وجيه أن مجموعة البريكس بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات عملية نحو تقليل الاعتماد على الدولار، مثل إطلاق الصين لمنصة CIPS، وتجارب روسيا في الدفع خارج “سويفت”، واتفاقات لتسعير النفط والغاز بالعملات المحلية، إلى جانب المقترحات بإنشاء وحدة حسابية جديدة مشابهة لحقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي.
من جهته، عاد بان غونغشنغ للتأكيد على أن تعزيز دور اليوان في النظام المالي العالمي يستوجب إصلاحات هيكلية، شملت الإعلان عن حزمة تدابير جديدة في شنغهاي لدعم تدويل العملة الصينية، أبرزها إطلاق مركز عمليات خاص باليوان الرقمي، واستكشاف آليات جديدة لتداول العقود الآجلة، وتشجيع الشركات التجارية على إصدار سندات باليوان في الأسواق الخارجية.
كما تم السماح للمستثمرين الأجانب المؤهلين بتداول سلع استراتيجية مثل القصدير والمطاط والرصاص في بورصة شنغهاي، وتم إدراج فئات تداول جديدة باليوان في برنامج الربط بين الصين وبورصة هونغ كونغ.
اقرأ أيضًا: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه كعملة احتياطية عالمية؟
نحو نظام مالي متعدد الأقطاب
في إشارة إلى العملات العالمية، دعا بان إلى التفكير في إنشاء عملات “فوق سيادية” مثل حقوق السحب الخاصة، معتبرًا أنها قد تشكل أداة مهمة لتحقيق استقرار نقدي عالمي بعيدًا عن سيطرة دولة واحدة، لكنه أشار إلى أن نجاح هذه المبادرات مرهون بتوافق دولي أكبر وزيادة دور الاقتصادات الناشئة في المؤسسات المالية العالمية، وهو ما يتطلب إصلاح نظام الحصص داخل صندوق النقد الدولي، الذي لا يزال يحدّ من نفوذ تلك الدول في آليات صنع القرار.
وفي نهاية حديثه، أكد بان أن الهيمنة الأحادية في النظام النقدي بدأت تتآكل تدريجيًا، مع بروز نماذج جديدة للتسويات عبر الحدود، واعتماد عدد متزايد من الدول على عملاتها المحلية، ما يعكس تحولًا جوهريًا في قواعد اللعبة النقدية العالمية.
وعلى الرغم من عدم إعلانه عن تحفيزات نقدية إضافية، كما كان متوقعًا، فإن خطابه شكّل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: الصين تستعد لعصر جديد لا تقوده واشنطن وحدها، بل تتقاسمه قوى متعددة تهدف لبناء نظام أكثر عدالة وتعددًا واستقرارًا.
اقرأ أيضًا: انكماش مصانع الصين في مايو.. بيانات تكشف تداعيات الرسوم الجمركية