الصين تسعى لانتزاع لقب خزنة الذهب من المراكز التقليدية
تتحرك الصين اليوم لترسيخ موقعٍ جديدٍ شديد الحساسية في النظام المالي العالمي، وهو أمين حفظ لاحتياطيات الذهب السيادية الأجنبية، ولا تكتفي بكين بإعلان رغبتها في جذب بنوكٍ مركزية صديقة لشراء المعدن النفيس وتخزينه داخل حدودها، بل تُقدم بذلك تحدياً مباشراً لمراكز الحفظ التقليدية في لندن ونيويورك، وتراهن على أن انتزاع جزءٍ من سلسلة قيمة الذهب سيُترجم نفوذاً مالياً أوسع، وقدرةً أكبر على المشاركة في تسعير الذهب وإدارة تدفقاته.
هذا التحوّل -إن اكتمل- سيعيد صياغة أدوار اللاعبين في سوق لطالما احتفظت به مراكز غربية بفضل بنيةٍ مؤسسية وقانونية راكمتها على مدى قرن، ولكن بكين تُدرك أن المنافسة شرسة، وأن بنك إنجلترا يبقى المكان المفضّل لتخزين الذهب لدى غالبية مسؤولي البنوك المركزية بنسبة 64%، وأن لندن ما تزال أكبر مركزٍ لتجارة المعدن النفيس. ومع ذلك، فإن دخول الصين إلى مجال الحفظ السيادي ليس مجرد إضافة تقنية، إنما هو إشارة استراتيجية إلى رغبتها في إعادة توزيع الثقل داخل النظام المالي العالمي.
ما معنى حفظ احتياطيات الذهب وكيف يمارس عملياً؟
يقتضي حفظ احتياطيات الذهب السيادية تخزين السبائك وفق مواصفات رابطة سوق السبائك في لندن “LBMA” داخل خزائن مُحصّنة باسم الدولة أو البنك المركزي، مع سجلات محاسبية دقيقة تبين الملكية وتتحكم في عمليات النقل والتحويل، فضلاً عن عقود حوكمة تحدد شروط الوصول والتأمين. وتُعد خدمات الحفظ ركناً بنيوياً لأي مركزٍ عالمي لتجارة الذهب، فهي تُحدث ثقة مؤسسية تجذب مزيداً من التعاملات، وتُنشئ “صيرفة سبائك” نشطة، تُمكن من الإقراض والتأجير والتحوّط على الذهب بوصفه أصلاً احتياطياً قابلاً للتسييل تحت قواعد واضحة.
ومن هنا، فإنَّ انتقال الدول إلى تنويع مواقع التخزين ليس خياراً تشغيلياً فحسب، بل قرارًا سياديًا يتعلق بإدارة المخاطر السياسية والقانونية واللوجستية، وقد أظهر مسح مجلس الذهب العالمي لشهر يونيو أن 59% من مسؤولي البنوك المركزية باتوا يلجؤون إلى التخزين المحلي لجزءٍ من احتياطياتهم، مقابل 41% في العام الماضي، مع عودة خيار تنويع التخزين الخارجي إلى الواجهة بعد غيابٍ عن استطلاعات ما بعد 2022، وهذا المزاج يعكس إعادة تقييمٍ عالمية لمواضع الأمان، لا سيما عقب تجميد أصول روسيا بعد غزو أوكرانيا.
لماذا تختار الصين هذا التوقيت؟
يتزامن التحرك الصيني مع مرحلة مراجعةٍ واسعة تقوم بها البنوك المركزية حول كيفية توزيع احتياطياتها بين الداخل والخارج، وبين مراكز الحفظ المختلفة، والأسباب حول ذلك واضحة؛ منها أن صدمة تجميد الأصول دفعت عدداً من الاقتصادات إلى البحث عن مسارات بديلة لتفادي المخاطر القانونية والسياسية.
وارتفاع تكاليف الحيازة والتأمين والنقل يجعل قرار الموقع جزءاً من معادلة الكلفة والعائد، وازدياد الطلب الرسمي على الذهب كأصلٍ احتياطي يوفّر تنويعاً بعيداً عن العملات الرئيسية، في عالمٍ تتعاظم فيه المخاطر الجيوسياسية.
في هذا الإطار، ترى بكين نافذةً لتثبيت دورٍ مؤسسي جديد، فإن استطاعت جذب “كتلة أولى” من العملاء السياديين إلى خزائنها، ستغدو وجهة معتبرة، لا يمكن تجاهلها عند صياغة قرارات تخص احتياطيات الذهب والسياسات النقدية.
خطوات الصين العملية نحو تعزيز موقعها في سوق الذهب
لم تبقَ الخطط في إطار التصريحات، فقد أطلقت بورصة شنغهاي للذهب أول خزائنها وعقودها الخارجية في هونغ كونغ هذا العام، فاتحةً ممراً لربط البنية القارية بمنصةٍ دولية أكثر انفتاحاً، وعلى خطٍ موازٍ سيستخدم بنك الشعب الصيني بورصة شنغهاي بوصفها منصة جذب للبنوك المركزية الصديقة كي تشتري الذهب وتخزنه داخل الصين. وقد ترافق ذلك مع توجهٍ لتخفيف قيود استيراد الذهب بهدف تحرير أكبر سوقٍ عالمية للمعدن من قيودٍ كانت تُحدّ من دوره الدولي.
هذا ليس كل شيء، حيث تشير تقارير إلى اهتمامٍ فعلي من دولةٍ واحدة على الأقل في جنوب شرق آسيا بهذه الترتيبات، وهو مؤشر مبكر إلى أنّ عرض بكين يلامس حاجةً حقيقية لدى بعض الاقتصادات الناشئة لتنويع مواقع التخزين والحوكمة.
من تسعير الذهب إلى تدويل اليوان
تحمل هذه الخطوة جملة من الأهداف المتشابكة، في مقدمتها تعزيز موقع الصين داخل النظام المالي العالمي من خلال الإمساك بجزء أساسي من حلقة “الحفظ – المقاصة – التسوية” في سوق الذهب، بما يعزز صورتها كمركز ثقة مؤسسية. كما تسعى بكين إلى توسيع نفوذها في آليات تسعير الذهب، إذ إن المراكز التي تحتضن أكبر مخزونات المعدن وتُتداول عبرها العقود الأكثر سيولة هي التي تملك التأثير الموضوعي في رسم منحنى السعر العالمي.
وفي السياق نفسه، تهدف الصين إلى تقليص الاعتماد الدولي على الدولار عبر ممارسة ما يمكن تسميته “دبلوماسية السبائك”، التي تخدم مشروع تدويل اليوان. فوجود الذهب داخل الأراضي الصينية يوفّر أصولًا ضامنة للصفقات المقومة باليوان أو للمقايضات الثنائية التي تُخفف الحاجة إلى العملة الأمريكية. وإلى جانب ذلك، تعمل بكين على بناء منظومة موازية، على المدى الطويل، لمنظومات الحفظ الغربية، بما يمنحها رافعة تفاوضية أقوى في ملفات تجارية ومالية أوسع.
المنافسون الراسخون.. لندن ونيويورك
رغم الطموح، تدرك الصين أن أمامها مراكز متجذّرة بسمعةٍ تراكمت عبر عقود، فبنك إنجلترا ما زال الخيار المفضّل لتخزين الذهب لدى 64% من مسؤولي البنوك المركزية، ارتفاعاً من 55% العام الماضي، مع أكثر من 5 آلاف طن في خزائنه تُقدَّر بنحو 600 مليار دولار، ما يكرّس لندن أكبر مركزٍ لتجارة الذهب.
أما في الولايات المتحدة، تُجسّد قلعة “فورت نوكس” رمز الحفظ السيادي منذ 1936، باحتفاظها بنحو 147.3 مليون أونصة، أي ما يقارب نصف احتياطي الخزانة الأمريكية، كما يمتلك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك،أكبر مستودعٍ معروف للذهب المخصص كاحتياطي رسمي، حيث ضم في 2024 نحو 507 آلاف سبيكة بوزنٍ إجمالي 6331 طناً، ويعمل أمين حفظ نيابةً عن حكوماتٍ أجنبية وبنوكٍ مركزية ومنظماتٍ دولية.
وتنعكس تقنيات توزيع المخاطر في تجارب دولٍ أخرى، فالبنك الوطني السويسري يحتفظ بأكثر من 70% من احتياطياته داخل سويسرا، ويُوزع الباقي بين لندن وكندا، والبوندسبنك الألماني – صاحب ثاني أكبر احتياطي في العالم (3352 طناً – يحتفظ بثلثه في نيويورك لاعتباراتٍ تاريخية تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، والباقي موزع بين فرانكفورت ونيويورك ولندن.
وفي مواجهة هذه البنية الراسخة، لا تمتلك الصين رفاهية الوقت، فهي مطالَبةٌ ببناء قصة ثقة مؤسسية تضاهي قوة “القانون والشفافية والإفصاح” التي شكّلت لعقود، ميزة لندن ونيويورك.
اقرأ أيضًا: تأثير الرسوم الأمريكية على صادرات الذهب السويسرية والأسعار العالمية
وضع الصين الاحتياطي.. الكتلة السابعة الذهبية
على صعيد الأرصدة، حلّت الصين في المركز السادس عالمياً في الربع الثاني من 2025 من حيث حجم احتياطيات الذهب، بواقع 2298 طناً تُقدر بنحو 243 مليار دولار، تعادل 6.7% من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي، واستمر بنك الشعب في تمديد سلسلة المشتريات للشهر العاشر على التوالي خلال أغسطس؛ إذ ارتفعت الحيازات بـ 0.06 مليون أونصة إلى 74.02 مليون أونصة، مُراكمةً منذ نوفمبر نحو 1.22 مليون أونصة.
هذه الأرقام تمنح بكين صدقيةً مضافة عند تسويقها “خدمات الحفظ” لغيرها؛ فالدولة التي تشتري وتُخزّن بكثافة تُظهِر أنها تستثمر في النظام ذاته الذي تدعو الآخرين للانضمام إليه.
تأثير محتمل على الأسواق
إذا نجحت الصين في جذب كتلة حرجة من البنوك المركزية لتخزين الذهب لديها، فمن المرجح أن نشهد تداعيات سوقية ملموسة، منها أن تعزيز الطلب الرسمي قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع، لا سيما إذا ترافق مع تنويع مواقع التخزين بعيداً عن المراكز الغربية، وقد تظهر فروقات سعرية بين الأسواق تبعاً لمواضع العرض والطلب وتكاليف النقل والتأمين.
كما أنه من الممكن أن تنشأ اختناقات في المخزونات في مناطق محددة، أو ارتفاع في تكاليف الحيازة نتيجة متطلبات الأمن والحوكمة والامتثال، وستجد الدول الناشئة في العرض الصيني فرصةً لتنويع المخاطر، خاصة في سياقات النزاعات المالية أو العقوبات. هذا التحوّل -إن حدث- سيُسهم في تعدديةٍ مؤسسية تجعل تسعير الذهب وتدفقاته أقل تمركزاً في عقدة لندن – نيويورك، وأكثر توزعاً على مراكز آسيوية.
تحديات ما بين صيرفة السبائك وسيادة القانون
تتعامل الصين مع مجموعةٍ من التحديات باتت معروفة لدى الفاعلين، منها الافتقار إلى سوقٍ مصرفيةٍ للسبائك على النسق السائد في الغرب، فالتداول عبر بورصة شنغهاي لا يزال محلياً للغاية، ولإنشاء صيرفة سبائك منافسة لا بد من بناء مخزونات قابلة للتأجير والإقراض، مع تخفيف قيود تصدير السبائك للاقتراب بأسعار الصين من الأسعار العالمية، وفق آراء محللين.
كما ستحتاج الصين إلى تبديد مخاوف المستثمرين الأجانب من تخزين الذهب خارج بلدانهم، لا سيما داخل اقتصاد شيوعي، عبر تعزيز الثقة بسيادة القانون واحترام حقوق الملكية بالطريقة التي تجسدها لندن ونيويورك تاريخياً. هذه العناوين تختزل فجوة الثقة المؤسسية التي على الصين سدّها؛ فالحفظ ليس هندسة خزائن فحسب، بل هندسة قواعد تجعل المستثمر السيادي يطمئن إلى أن أصوله مصونةٌ وقابلةٌ للتسييل دون مفاجآت.
كيف تخدم “خزنة الذهب” مشروع تدويل اليوان؟
ترى بكين في الذهب أداةَ ثقةٍ وقيمة يمكن توظيفها في دبلوماسية المدفوعات، فوجود سبائك سيادية أجنبية داخل الصين يُتيح إسناد تسوياتٍ ثنائية أو ترتيبات مقايضة بغطاء ذهبيٍ متاح محلياً، مع تقليل الحاجة للدولار في بعض المعاملات الرسمية، وتوسيع استخدام اليوان ضمن دوائر الدول الصديقة، بالإضافة إلى إدارة مخاطر العقوبات عبر منظومةٍ بديلةٍ للحفظ والتسوية لا تمرّ بالضرورة عبر المراكز الغربية.
قد يهمّك أيضًا: الذهب يتفوق على سندات الخزانة في احتياطيات البنوك المركزية