في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسة الانفتاح الاقتصادي، أطلقت الصين برنامج تأشيرة جديدًا تحت اسم “K-Visa”، يستهدف جذب العلماء والمهندسين والمبرمجين من مختلف أنحاء العالم، في مسعى واضح لمنافسة الولايات المتحدة على استقطاب المواهب التقنية العالمية، وفق وكالة أسوشييتد برس.
البرنامج – الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر الماضي – يأتي بينما تشدد واشنطن القيود على الهجرة عبر تأشيرة “H-1B” التي لطالما كانت بوابة دخول العقول الأجنبية إلى وادي السيليكون، الأمر الذي تعتبره بكين “نافذة نادرة لتغيير قواعد اللعبة” في سباق الابتكار العالمي.
من “H-1B” إلى “K-Visa”.. انقلاب في الاتجاهات
تُعدّ تأشيرة K-Visa أول مبادرة صينية متكاملة تهدف إلى استقطاب الكفاءات التقنية والعلمية من مختلف أنحاء العالم، إذ جاءت بشروط ميسّرة مقارنة بالتأشيرات السابقة مثل R-Visa التي كانت مخصصة للمهنيين الأجانب. وتتميّز هذه التأشيرة بإلغاء شرط الحصول على عرض عمل مسبق أو وجود جهة توظيف محلية داخل الصين، حيث بات بإمكان المتخصصين التقدّم مباشرة بناءً على سيرهم الذاتية وخبراتهم البحثية والعلمية، ما يجعلها خطوة نوعية نحو جذب العقول المبدعة وتعزيز الابتكار في القطاعات التقنية المتقدمة.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة انتقادات متزايدة بسبب تعقيد إجراءات تأشيرة “H-1B” وارتفاع رسومها إلى نحو 100 ألف دولار للمتقدمين الجدد، ما أفقدها جزءاً من جاذبيتها التاريخية. وتقول فايشنفي سرينيفاساغوبالان، خبيرة هندية في تقنية المعلومات عملت في كل من الهند والولايات المتحدة: “تعد تأشيرة K-Visa الصينية مكافئًا مباشرًا لتأشيرة H-1B الأمريكية، لكنها توفر مرونة أكبر وبيئة أكثر ترحيباً للأجانب الذين يريدون العمل في الخارج”.
“فرصة جيوسياسية” وسط تشديد الهجرة الأميركية
في واشنطن، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجاً متشدداً في سياسات الهجرة، مستهدفاً تقليص العمالة الأجنبية في القطاعات الحساسة، لكن هذه القيود -وفق محللين- تقدم للصين هدية غير متوقعة: فرصة لتصوير نفسها كـ”الملاذ الجديد للمواهب العالمية”.
وتقول باربرا كيلمن، مديرة قسم آسيا في شركة “دراكونفلاي” للاستخبارات الأمنية: “بكين تنظر إلى تشديد سياسات الهجرة الأمريكية باعتباره فرصة لتقديم نفسها كوجهة ترحّب بالخبراء والمستثمرين الدوليين، لا كقوة منغلقة خلف الجدران”.
اقرأ المزيد حول: قرار حظر السفر لأمريكا الذي شمل 12 دولة
رهان بكين على “العقل قبل المال”
تسعى الصين عبر “K-Visa” إلى ترسيخ مكانتها في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والروبوتات، والطاقة المتجددة، ففي السنوات الأخيرة ضخَّت الحكومة الصينية مئات المليارات من اليوان في البحث والتطوير ضمن خطة وطنية تعرف باسم “صنع في الصين 2025”.
كما أنّها رفعت عدد براءات الاختراع إلى أكثر من 1.6 مليون في 2023 وحده، والرسالة التي ترسلها بكين واضحة، مفادها أن السباق نحو التفوق التكنولوجي لم يعد يعتمد على رؤوس الأموال فقط، بل على العقول التي تديرها”.
رغم ضخامة سوق العمل المحلي، تواجه الصين فجوة حقيقية في المهارات التقنية المتخصصة، فخلال العقود الماضية غادرت البلاد أعداد كبيرة من العلماء والباحثين إلى أوروبا وأمريكا، في ظاهرة “هجرة العقول” التي أضعفت منظومتها البحثية، واليوم تسعى بكين إلى عكس المعادلة عبر استعادة هؤلاء الكفاءات، إلى جانب استقطاب خبراء أجانب.
ويقول ألفرد وو، أستاذ السياسات العامة في الجامعة الوطنية بسنغافورة: “العائلات الصينية ما زالت ترى في التعليم الغربي الطريق الأقصر للنجاح، لكن بكين تحاول الآن بناء نظام بحثي قادر على إعادة الثقة داخلياً”.
المخاوف المحلية.. هل تهدد التأشيرة فرص العمل للشباب؟
رغم الحماس الرسمي، أثار البرنامج الجديد تساؤلات داخل الصين نفسها حول أثره في سوق العمل المحلي الذي يعاني أصلاً من بطالة شبابية تجاوزت 18%، وتقول تشو شين ينغ، طالبة دراسات عليا في جامعة تشيجيانغ: “سوق العمل مزدحم بالفعل، وقد يشعر الباحثون الصينيون بالضغط مع دخول منافسين أجانب إلى مجالاتٍ محدودة”.
ويعبّر مهندس البرمجيات كايل هوانغ من قوانغتشو عن قلق مماثل، حيث يقول إنّ “السياسة إذا لم تدار بحذر، قد يُفضل توظيف الأجانب ذوي الخبرة على حساب المواهب المحلية”، لكن وسائل الإعلام الحكومية حاولت طمأنة الرأي العام، فقد نشر موقع شنغهاي أوبزرفر مقالاً يقول فيه: “استقدام الكفاءات الأجنبية لا يضعف فرص المواطنين، بل ينعش الاقتصاد عبر سد فجوة المهارات المتخصصة”.
بين الانفتاح الاقتصادي والحساسية السياسية
يرى محللون أن التحدي الأكبر أمام نجاح “K-Visa” ليس اقتصاديًا بقدر ما هو سياسي وثقافي، فالصين -رغم انفتاحها على الاستثمار- ما زالت تطبق قيوداً صارمة على الإنترنت والإعلام، فيما يعرف بـ”الجدار الناري العظيم” الذي يحد من تواصل الأجانب.
كما أن عدد الأجانب المقيمين في الصين لا يزال ضئيلاً جداً عند نحو 711 ألف شخص فقط من أصل 1.4 مليار نسمة، بحسب بيانات 2023، ويرى ديفيد ستيبات، مدير شركة “ديزان شيرا وشركاه” في سنغافورة، أن نجاح البرنامج “يتطلب بناء نظام إقامة أكثر وضوحاً واستدامة، يشمل مسارًا نحو الإقامة الدائمة والحقوق الاجتماعية”.
منافسة مفتوحة.. أمريكا لا تزال الوجهة الأولى
رغم التحركات الصينية، تشير أغلب التقديرات إلى أن الولايات المتحدة لا تزال الوجهة الأكثر جذبا للكفاءات بفضل تفوقها في البحث العلمي واللغة الإنجليزية والنظام الجامعي المتقدم، ويقول مايكل فيلر، كبير الاستراتيجيين في شركة “جيوبوليتكال ستراتيجي”: “الولايات المتحدة قد تُقوض نفسها بسياساتها الداخلية، لكنها لا تزال متقدمة بفارق كبير في جاذبيتها للمواهب العالمية”، ويضيف: “إذا أرادت الصين أن تصبح فعلاً مركز الابتكار العالمي، فعليها أن تُقدم ما هو أكثر من تسهيلات التأشيرات، مناخاً فكرياً حراً، وبيئة قانونية شفافة، ومجتمعاً يحتضن التنوع”.
ويرى خبراء العلاقات الدولية أن سباق التجنيد بين واشنطن وبكين يتجاوز الاقتصاد إلى معركة النفوذ الجيوسياسي، فمن يملك العلماء والمبرمجين ومراكز البحث يملك التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي والدفاع السيبراني والتقنيات الحيوية، وبالتالي فإن تأشيرة “K-Visa” ليست مجرد أداة للهجرة، بل سلاح دبلوماسي جديد في سباق القوى العظمى.
عودة العقول.. معركة الهوية والفرص
تشير الدراسات إلى أن عدد الصينيين الذين عادوا إلى وطنهم بعد الدراسة في الخارج تضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة، مدفوعاً بارتفاع الأجور في قطاع التكنولوجيا وتزايد الفرص البحثية، وتسعى الحكومة إلى توسيع هذا الاتجاه عبر حوافز ضريبية وسكنية، ومنح بحثية سخية، لجعل العودة خياراً مغرياً، لكن بعض العائدين يواجهون صداماً ثقافياً مع البيروقراطية المحلية، إذ ما زالت مؤسسات البحث تعتمد تسلسلاً هرمياً صارماً يقيد حرية الابتكار مقارنةً بالجامعات الأمريكية.
ومن ناحية أخرى، تعد اللغة أحد التحديات الجوهرية أمام نجاح الصين في استقطاب الكفاءات الأجنبية، فرغم تعهد الحكومة بتوسيع البرامج الجامعية باللغة الإنجليزية، إلا أن معظم المؤسسات والشركات الكبرى لا تزال تشترط إتقان اللغة الصينية، ما يجعل التأقلم أصعب على الباحثين الأجانب، كما أن قيود الإنترنت تمنع الوصول السلس إلى الأدوات البحثية العالمية مثل “جوجل” و”يوتيوب”، وهو ما يراه الخبراء “عائقاً غير مباشر أمام الابتكار”.
مستقبل “K-Visa”.. نجاح تكتيكي أم تحول إستراتيجي؟
حتى الآن، لم تعلن بكين أرقاماً رسمية حول عدد الطلبات أو الدول المشاركة في البرنامج، لكن المؤشرات الأولى تظهر اهتماماً متزايداً من مهندسين هنود وباحثين من أوروبا الشرقية، وهي مناطق تشهد بطالة مرتفعة بين خريجي التقنية، ويرى المحللون أن نجاح البرنامج يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، هي:
- وضوح مسار الإقامة الدائمة للمواهب الأجنبية.
- انفتاح بيئة العمل على حرية البحث والتجريب.
- القدرة على دمج الوافدين في الاقتصاد المحلي دون إثارة توترات اجتماعية.
من الصين إلى العالم.. منطق جديد للهجرة التقنية
تدرك بكين أن المنافسة على المواهب لم تعد محصورة بين الدول الغربية، بل أصبحت ساحة عالمية مفتوحة تمتد إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، فدول مثل الإمارات والسعودية وسنغافورة بدأت بدورها بإطلاق برامج تأشيرات مرنة لجذب المتخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يزيد حدة التنافس على رأس المال البشري. وفي هذا السياق، تقول كيلمن من دراكونفلاي: “كلما تصاعدت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، تحوّل سباق المواهب إلى أداة سياسية واقتصادية في آن واحد”.
في نهاية المطاف، تعكس تأشيرة “K-Visa” مرحلة جديدة في التنافس الأمريكي-الصيني، حيث لم يعد الصراع يدور حول الرسوم الجمركية أو التكنولوجيا فقط، بل حول من يجذب العقول التي ستقود الثورة الصناعية القادمة، ومهما بلغت جاذبية الصين الاقتصادية فإن نجاحها في هذا السباق سيتوقف على قدرتها على بناء بيئة بحثية مفتوحة وتنافسية، تُقنع المهندسين والعلماء بأن بكين ليست مجرد سوق كبيرة، بل موطن حقيقي للإبداع العالمي.