الصين تطلق خطة تحفيزية بقيمة 411 مليار دولار لإنقاذ اقتصادها
في خطوة غير مسبوقة، تخطط الصين لإطلاق أكبر خطة تحفيزية اقتصادية في تاريخها، تهدف إلى إنقاذ الاقتصاد الصيني من التحديات الكبيرة التي يواجهها، فمع تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد الأزمات المحلية والدولية، تسعى بكين إلى ضخ 411 مليار دولار عبر سندات خزانة في 2025.
هذه الخطة ليست مجرد استراتيجية مالية، بل هي محاولة جادَّة لإعادة تنشيط الاستهلاك المحلي ودعم القطاعات الحيوية، بالإضافة إلى استعادة الثقة في الاقتصاد الصيني، خاصةً مع تصاعد المخاوف من تباطؤ النمو في ظل الأزمات المتلاحقة. فهل ستتمكن الصين من استعادة توازنها الاقتصادي بهذه الخطوة الضخمة؟
تحفيز الاستهلاك المحلي في الصين
يعتبر تعزيز الاستهلاك المحلي من أبرز أهداف الخطة التحفيزية الصينية، حيث سيتم تخصيص جزء كبير من الأموال المحصلة من السندات لدعم الإنفاق الاستهلاكي.
تشمل الحوافز المقدمة للمواطنين تخفيضات عند استبدال السيارات القديمة والأجهزة المنزلية بأخرى جديدة، وهو ما يهدف إلى تحفيز الأسواق المحلية.
هذه الإجراءات تهدف أيضًا إلى زيادة الطلب المحلي ورفع ثقة المستهلكين في الاقتصاد الصيني، وهو ما يُعتبر خطوة مهمة في تحفيز النمو، مع تراجع نشاط المستهلكين بسبب انخفاض الثروات نتيجة للأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الصيني.. حزم التحفيز تعيد الاستقرار للمؤشرات
تعزيز التنمية المستدامة في الصين
جانب آخر من الخطة هو تخصيص جزء كبير من العائدات لدعم مشروعات البنية التحتية الكبرى، مثل بناء السكك الحديدية وتطوير المطارات وتحسين الأراضي الزراعية، وذلك ضمن استراتيجية وطنية لتعزيز الأمن القومي وتحقيق التنمية المستدامة؛ حيث ستُساعد هذه المبادرات على توفير فرص عمل جديدة، وتحفيز الاقتصاد المحلي من خلال توفير بيئة داعمة للنمو المستدام وتحسين جودة الحياة في الصين.
الاستثمار في القطاعات المتقدمة والابتكار
في خطوة نحو تعزيز الابتكار وزيادة الاعتماد على الصناعات المتقدمة، تخطط الصين لاستثمار أكثر من تريليون يوان في قطاعات مثل السيارات الكهربائية، والروبوتات، وأشباه الموصلات والطاقة المتجددة.
هذه الاستثمارات تهدف إلى دعم التطور التكنولوجي وتحسين كفاءة الصناعات الصينية في مواجهة التحديات العالمية، مع التركيز على القطاعات التي تعد محورية في الاقتصاد المستقبلي. كما تسعى الصين إلى تقليص الاعتماد على الصناعات التقليدية، وتعزيز قدرتها على المنافسة العالمية في المستقبل.
تعزيز الاستقرار المالي في الصين
جزء من خطة التحفيز يتضمن دعم القطاع المصرفي الصيني الذي يعاني من ارتفاع القروض المتعثرة وضعف الأرباح؛ حيث سيتم استخدام العائدات لتعزيز رؤوس أموال البنوك الكبرى لضمان استقرار النظام المالي في الصين.
هذا الأمر بالغ الأهمية في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية، علمًا أنّ هذا الدعم يهدف إلى منع المزيد من الانكماش في القطاع المصرفي وضمان استمرارية عمله بكفاءة في توفير القروض وتحفيز الاستثمار.
اطّلع على مستجدات التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
تحديات اقتصادية معقدة وفرص للنمو
رغم الجهود المبذولة لتحفيز الاقتصاد، تُواجه الصين تحديات كبيرة قد تؤثر في استقرار النمو الاقتصادي؛ منها انهيار سوق العقارات، وانخفاض نشاط أسواق الأوراق المالية، وتراجع الثروات الشخصية بسبب خسائر العقارات والأسهم.
كما أن تدابير السياسة النقدية التقليدية، مثل خفض أسعار الفائدة، أثبتت عدم فعاليتها في معالجة هذه المشاكل. ومع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي من 5.3% إلى 4.7% ثم إلى 4.6% في عام 2024، أصبحت الصين في وضع صعب يُهدد بتحقيق هدف النمو السنوي الذي يبلغ 5%.
تحول السياسة النقدية في الصين
في الوقت الذي كانت فيه الصين متحفظة في تبني سياسات تحفيزية واسعة بعد الأزمة المالية العالمية 2008، بدأت الحكومة الصينية منذ سبتمبر 2024 في تبني سياسة نقدية “متساهلة بشكل معتدل”، تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي المتباطئ.
شملت هذه السياسة خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وتخفيض أسعار الفائدة، إضافةً إلى ضخ السيولة في النظام المصرفي بقيمة 2.7 تريليون يوان.
كما تم الإعلان عن حزمة إنفاق جديدة على البنية التحتية ومساعدات لمطوري العقارات المثقلين بالديون، إلى جانب تغييرات في المعروض النقدي لدعم الاقتصاد.
الحرب التجارية مع الولايات المتحدة
من بين التحديات الكبيرة التي يُواجهها الاقتصاد الصيني، تبرز الأزمة في قطاع العقارات التي تسهم بنحو 20% من نمو الناتج المحلي الإجمالي، إضافةً إلى قضايا الديون المحلية المفرطة.
علاوةً على ذلك، يُشكل استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة أحد أكبر التحديات، حيث يهدد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 60% على جميع الواردات الصينية، الأمر الذي قد يؤثر على صادرات الصين ويُقلل من معدلات النمو في عام 2025.
بينما تعمل الحكومة الصينية على إعادة صياغة استراتيجياتها المالية والنقدية، من الضروري أن تتم معالجة بعض الملفات الرئيسة، مثل استقرار سوق العقارات، والتحديات المالية للسلطات المحلية، ومعالجة آثار الحرب التجارية المحتملة.
وفي ظل الضغوط التي تتعرّض لها الصين على مختلف الأصعدة، قد تُضطر إلى تبني المزيد من التدابير المالية والنقدية لدعم الاقتصاد في المستقبل القريب.
اطلّلع على مستجدات عام 2025: تسارع نمو الاقتصادي العالمي تحت ضغط الرسوم الجمركية