الصين.. من طموح الهيمنة إلى الانطواء الاقتصادي

يواجه الاقتصاد الصيني أزمة معقدة، تتجاوز مؤشرات النمو البطيء أو أزمة العقارات، لتلامس جوهر النموذج الصناعي الذي بنته بكين خلال العقود الماضية، فهذه الأزمة التي تعرف اصطلاحا باسم “الانطواء الاقتصادي” تحوَّلت إلى محور النقاش الاقتصادي والسياسي في الصين، بعدما أصبحت تهدد بتحويل طموح الهيمنة التكنولوجية إلى سباق داخلي مرهق نحو القاع.

تُختصر الظاهرة في مشهد تنافسي خانق، حيث تنتج لشركات أكثر مما يستطيع السوق استيعابه، والعمال يكدون لساعات أطول دون زيادة في الأجور، والحكومة تحاول منع النظام الصناعي من التهام ذاته، ومع أنّ الصين ما تزال قادرة على تسجيل نمو يفوق 4%، لكنّ الخطر يكمن في طبيعة هذا النمو، فالإنتاج بلا أرباح والمنافسة بلا توازن والمجتمع يكد دون مكافأة حقيقية.

من الهيمنة الصناعية إلى الانكماش السعري

تعاني الصين من رابع عام متتال من انخفاض أسعار المصانع، فيما تكاد أسعار المستهلكين لا تتحرك، ما يعكس ضعف الطلب الداخلي وتراجع الثقة الاستهلاكية، ولتفادي تراكم المخزون تلجأ الشركات إلى تصدير فائضها الإنتاجي إلى الخارج بأسعار منخفضة، ما أثار شكاوى من إغراق صناعي لدى شركائها التجاريين في أوروبا والولايات المتحدة.

الولايات المتحدة -تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب- ترى في هذه الأزمة نقطة ضعف يمكن استغلالها، إذ تخطط لفرض رسوم جمركية جديدة تستهدف المنتجات الصينية عالية التقنية، ويصف مراقبون المشهد بأنه تحول اقتصادي إلى عبء جيوسياسي، حيث أصبحت تخمة الإنتاج سلاحًا يمكن أن يرتد على الصين نفسها.

بكين تضع “الانطواء الاقتصادي” على طاولة القيادة

في اجتماعات الحزب الشيوعي الأخيرة، يُتوقّع أن يكون مصطلح “الانطواء الاقتصادي” أو “نيجوان” محور النقاش الأساسي في صياغة الخطة الخمسية الجديدة، حيث يحاول القادة الموازنة بين مواصلة الاستثمار الضخم في الابتكار التكنولوجي -من الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة إلى الروبوتات- وبين كبح المنافسة الداخلية المحمومة التي تهدد بإغراق السوق الصينية بفائض من المنتجات وانخفاض في الأسعار والأجور.

ورغم أن الابتكار لا يزال “حجر الزاوية” في سياسة بكين الصناعية، يحذر خبراء من أن التركيز المفرط على التصنيع دون تحفيز الطلب المحلي سيُبقي الاقتصاد في حلقة مفرغة من الإنتاج دون استهلاك.

وتتسرب آثار الانطواء الاقتصادي إلى الحياة اليومية للمواطنين، فبعد أن عُرف نظام العمل الصيني الشهير “996” (من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء، ستة أيام أسبوعيًا)، أصبح الموظفون اليوم يسخرون من تحوله إلى “007” (من منتصف الليل إلى منتصف الليل، سبعة أيام في الأسبوع)، وهذا يُلخص الإرهاق الجماعي الذي يشعر به ملايين العمال والموظفين في المدن الصناعية، حيث أصبح ضغط العمل وقلة العائد المالي من أبرز أسباب التذمر الاجتماعي والهجرة الداخلية.

ما هو “الانطواء الاقتصادي”؟

“الانطواء الاقتصادي” من المصطلحات المعروفة في الأدبيات الأكاديمية، فقد استخدمه علماء الأنثروبولوجيا لوصف مجتمعات تعمل بجد أكبر دون تحقيق تقدم ملموس، أي “تغير بلا تطور”، وفي الصين أصبح هذا المفهوم يستخدم لوصف الضغط الاجتماعي والاقتصادي المفرط منذ عام 2020، خاصة بين الشباب الذين يواجهون منافسةً شرسة في التعليم والعمل.

واليوم، اتسع المفهوم ليشمل القطاع الصناعي بالكامل، حيث تتنافس شركات على الأسعار في سوق مكتظة، وإنتاج يفوق الحاجة، ومستهلكون ينفقون أقل بسبب عدم اليقين، فكانت النتيجة دوامة من الانكماش السعري، حيث إنّ انخفاض الأسعار يؤدي إلى تراجع الأرباح، ومن ثم إلى خفض الأجور والتوظيف، وهو ما يفاقم تراجع الطلب الداخلي.

يقول شيانغ بياو، مدير معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية في ألمانيا: “اللعبة كلها بلا معنى، كما أنّها خانقة ومرهقة، والجميع يريد الخروج منها، لكن لا أحد يستطيع، لأن الكل يفعل الشيء نفسه”.

جذور الأزمة.. دعم حكومي ومستهلك متردد

مع تباطؤ سوق العقارات -التي كانت لعقود محرك الطلب الداخلي- قرَّرت بكين الاعتماد على التصنيع كقاطرة جديدة للنمو، وقدمت حزم دعم ضخمة للمصنعين، خاصة في قطاعات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والبطاريات، لكن هذه السياسة خلقت وفرة إنتاج تفوق قدرة السوق المحلية على الاستيعاب، وفي الوقت نفسه تراجعت ثقة الأسر الصينية فزادت معدلات الادخار وتراجعت الاستهلاكات، والنتيجة: أسواق مليئة بالبضائع، وجيوب فارغة من الإنفاق.

في قطاع السيارات وحده، يضم السوق أكثر من 100 شركة محلية لإنتاج السيارات الكهربائية، وفي العام الجاري وحده أطلقت الشركات موجة تخفيضات ضخمة جعلت بعض طرازات شركة BYD تباع بأقل من ثمانية آلاف دولار، وبحسب رابطة تجار السيارات الصينية لم تحقق الربحية سوى 30% من الوكلاء خلال النصف الأول من العام، فيما باع 75% من الوكلاء السيارات بأقل من كلفة الإنتاج.

القطاع التكنولوجي بدوره يعاني الضغط ذاته، إذ تحولت المنافسة بين الشركات إلى سباق محموم لتقليص الأسعار وزيادة الحصص السوقية على حساب الأرباح، وهو ما خلق نموذجًا من النمو غير المستدام.

أزمة فائض الإنتاج.. نسخة أخطر من الماضي

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها الصين مشكلة فائض الإنتاج، لكنها اليوم أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا، ففي عام 2015 تعاملت بكين مع الأزمة عبر ما عُرف بـ”الإصلاح من جانب العرض”، حيث تم تقليص الإنتاج في قطاعات الصلب والفحم وتشجيع دمج الشركات وإغلاق المصانع غير المنتجة، ولكن الأزمة الحالية تشمل القطاع الخاص بكامله، من الإلكترونيات إلى الطاقة المتجددة والسيارات والبتروكيماويات، ما يجعل إدارتها أصعب بكثير.

ويقول تشن بو من معهد شرق آسيا بجامعة سنغافورة الوطنية: “الاقتصاد الصيني اليوم يبحر في بحر مجهول المعالم، وما نواجهه ليس مجرد تباطؤ، بل إعادة تعريف للنمو نفسه”.

مقترحات الخبراء.. من الإنتاج إلى الاستهلاك

يرى اقتصاديون أن الحل لا يكمن في خفض الإنتاج فقط، بل في تحويل نموذج النمو بالكامل نحو تعزيز الإنفاق المحلي، فالصين -رغم ضخامة اقتصادها- ما تزال تعتمد على الاستثمار والتصدير أكثر من الطلب الداخلي. ويؤكد لاري هو، كبير الاقتصاديين في مجموعة “ماكواري”، أن الانطواء “ميزة وعيب في آن واحد”، إذ يعكس طاقة إنتاجية هائلة دون توازن في الاستهلاك.

ودعا صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير إلى إصلاحات شاملة تعيد التوازن بين الصناعة والاستهلاك؛ وتشمل دعم سوق العقارات المتعثرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والمعاشات، وإصلاح النظام الضريبي لتشجيع الإنفاق بدل الادخار، بالإضافة إلى تنمية قطاع الخدمات مثل الرعاية الصحية والسياحة والتعليم. ويرى الصندوق أن رفع حصة الاستهلاك في الناتج المحلي بنسبة 5 إلى 10 نقاط مئوية، قد يُعيد الصين إلى مسار نمو أكثر استدامة، ويحد من دوامة الانكماش.

رد بكين: سياسات تدريجية بدل الصدمات

تبدو القيادة الصينية واعية بخطورة الموقف، لكنها ترفض الحلول الصادمة، فقد بدأت مؤخرًا في إصدار توجيهات تمنع البيع بأسعار دون التكلفة، وتشجع عمليات الدمج في القطاعات المشبعة مثل البطاريات والسيارات الكهربائية والصلب، وتراقب سلوك التسعير في التجارة الإلكترونية.

والبيانات الأخيرة تظهر إشارات تحسن حذر، حيث ارتفعت أرباح الشركات الصناعية 20% في أغسطس، وتباطأت وتيرة الانكماش في أسعار المنتجين خلال سبتمبر، بينما حافظ الإنتاج الصناعي على نمو معتدل، لكن المحللين يرون أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تزال سطحية ومؤقتة، وأن الاقتصاد بحاجة إلى إصلاح هيكلي طويل الأمد يعالج ضعف الطلب المحلي قبل أي شيء.

بين الألم والتحول.. رؤية بكين الرسمية

في افتتاحية حديثة بصحيفة “الشعب اليومية” -لسان الحزب الشيوعي- اعترفت القيادة بأن الاقتصاد يمر بمرحلة “مؤلمة”، لكنها وصفتها بأنها “آلام نمو ضرورية” في مسار التحول الصناعي، وأكدت أنَّ الابتكار التكنولوجي سيبقى حجر الزاوية في نهضة الصين، وأن السياسات الصناعية الموجهة نحو التقنية لن تتراجع، بل ستعاد صياغتها لتكون أكثر كفاءة واستدامة. ووفق المراقبين، فإن الخطاب الرسمي يشير إلى قناعة بأن الصين لا تواجه أزمة طارئة بقدر ما تخوض عملية ولادة جديدة لنموذجها الاقتصادي، وإن كانت ولادة مليئة بالتحديات.

في جوهر الأزمة، تكمن مفارقة النمو الصيني، فالتصنيع المفرط الذي جعل من الصين “مصنع العالم” هو ذاته ما يهددها اليوم بالتحول إلى ضحية لنجاحها المفرط، وإذا لم تتمكن بكين من تحقيق توازن جديد بين الإنتاج والاستهلاك، فقد تجد نفسها في دوامة انكماش طويلة تشبه تلك التي عاشتها اليابان في التسعينيات، لكن بالمقابل فإن قدرة الصين على التكيّف المؤسسي وسرعة تنفيذ السياسات تمنحها فرصة نادرة لتصحيح المسار، فبلاد تمتلك سوقًا داخلية بحجم 1.4 مليار مستهلك، وقطاعًا تكنولوجيًا يقود الابتكار العالمي، لا تزال تملك أدوات النجاة.

اقرأ أيضًا: تصعيد ترامب ضد الصين يضرب سوق الكريبتو .. تبخر 18 مليار دولار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة