أثار ملف الضريبة العقارية على السكن الخاص موجة واسعة من الجدل القانوني والاقتصادي داخل الأوساط التشريعية، خاصةً بعد تصاعد ارتفاع أسعار العقارات بفعل التضخم، دون أن يقابله تحسن مماثل في دخول المواطنين.
وفقًا لما تناولته مناقشات مجلس الشيوخ، تستند التعديلات المقترحة على قانون الضريبة العقارية إلى توضيح فلسفة التطبيق وآلية الاحتساب، حيث إن الضريبة لا يتم فرضها على السكن في حد ذاته، وإنما على القيمة الإيجارية التقديرية للعقار، وفق نظام معمول به تاريخيًا، بينما يعود الإطار التشريعي الحالي إلى قانون صدر عام 2008 وتم تعديله لاحقًا، وتهدف التعديلات إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين في ظل التضخم وارتفاع أسعار العقارات.
حدود الإعفاء: كيف واجهت الدولة أثر التضخم على تقييم العقارات؟
بلغ حد الإعفاء في البداية 24 ألف جنيه قيمة إيجارية، قبل أن يُرفع لاحقًا إلى 50 ألف جنيه، وهو ما كان يعادل في حينه إعفاء وحدة سكنية بقيمة سوقية تقارب 4 ملايين جنيه. ومع اتساع الفجوة السعرية في سوق العقارات، جرى رفع حد الإعفاء مرة أخرى ليصل إلى 100 ألف جنيه قيمة إيجارية، بما يعادل إعفاء وحدات تصل قيمتها السوقية إلى نحو 8 ملايين جنيه بالكامل.
ويأتي ذلك باعتباره تصحيحًا لتأثير التضخم، إذ ارتفعت القيم السوقية دون زيادة مماثلة في دخول الملاك، وبالنسبة للعقارات الأعلى قيمة تظل الضريبة محدودة؛ فالوحدة بقيمة 20 مليون جنيه لا تتجاوز ضريبتها نحو 20 ألف جنيه سنويًا، بعد خصم 30% للصيانة وتطبيق نسبة لا تزيد على 10% من صافي القيمة الإيجارية، مع تقييد الزيادة الدورية في التقدير الخمسي بحد أقصى 30% كل خمس سنوات.
وتشير البيانات إلى أن من إجمالي نحو 45 مليون وحدة سكنية، هناك 43 مليون وحدة معفاة فعليًا، ولا تتحمل الضريبة سوى قرابة مليوني وحدة، أغلبها ذات طابع استثماري، مع وجود تسهيلات تشمل فترات سماح وحدًا أقصى للغرامات لا يتجاوز 100% من أصل الضريبة.
وتقوم فلسفة التعديل على تحقيق توازن بين موارد الدولة وحق المواطن في سكن آمن، مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا والطبقة المتوسطة دون الإخلال بالاستقرار المالي.
اقرأ أيضًا: التضخم في مصر يضغط على الاقتصاد وينذر بركود وشيك
مطالب بإعفاء السكن الخاص من ضريبة العقارات بالكامل
طالب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ المصري، بإعفاء السكن الخاص للمواطن، باعتباره “المسكن الرئيسي للأسرة” ، إعفاءً كاملًا من الضريبة على العقارات المبنية، مؤكدًا أن الضريبة يجب أن تقتصر على العقارات التي تدر دخلًا شهريًا أو سنويًا، لا على بيت السكن الذي لا يمثل مصدر ربح.
وأوضح الشهابي، خلال عرضه للتعديل التشريعي الذي تقدم به أمام مجلس الشيوخ وممثلي الحكومة، أن المواطن المصري تحمّل أعباءً اقتصادية جسيمة خلال السنوات الأخيرة في ظل برنامج الإصلاح الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الدولة تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة تتطلب اصطفافًا شعبيًا حقيقيًا، وهو ما لن يتحقق -بحسب قوله– إلا من خلال تخفيف الأعباء عن المواطنين، وعدم تحميلهم أعباءً ضريبية جديدة، خاصة في ظل تراجع القدرة المعيشية واتساع الضغوط الاقتصادية.
اقرأ أيضًا: ضريبة الدخل في مصر وشروط الإعفاء منها وفقًا للتعديلات المعتمدة
الطبقة المتوسطة الأكثر تأثرًا
وشدد رئيس حزب الجيل الديمقراطي على أن الطبقة المتوسطة تضررت بشدة نتيجة السياسات الاقتصادية المتبعة، وأن استعادتها تمثل أولوية وطنية للحفاظ على التوازن والاستقرار الاجتماعي، معتبرًا أن إعفاء السكن الخاص من الضريبة العقارية حق أصيل للمواطن وليس ترفًا أو منحة، لأن المسكن ضرورة حياتية وأحد أهم مقومات الاستقرار الأسري والمجتمعي، ولا يجوز مساواته بالعقارات الاستثمارية أو التجارية التي تحقق عائدًا وربحًا لصاحبها.
هل يهدد تفاوت أسعار المناطق مبدأ العدالة الضريبية؟
أشار الشهابي إلى أن استمرار فرض الضريبة على السكن الخاص، حتى في ظل وجود حد إعفاء، يخلق إشكاليات عملية وتقديرية، ويثير شعورًا واسعًا بالغبن لدى المواطنين، في ظل اختلاف أسس التقييم من منطقة لأخرى، وتباين القيمة السوقية للعقارات، بما يهدد مبدأ العدالة والمساواة، ويؤدي إلى إضعاف ثقة المواطنين في منظومة التطبيق الضريبي.
وأكد أن إعفاء المسكن الرئيسي للأسرة من الضريبة العقارية لا يتعارض مع مصلحة الدولة أو حصيلتها الضريبية، بل يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، ويعيد توجيه السياسة الضريبية نحو العقارات والأنشطة ذات الطابع الاستثماري والربحي، بما يحقق حصيلة عادلة دون المساس بحق المواطن في سكن آمن وحياة كريمة.
ودعا ناجي الشهابي في ختام تصريحاته إلى فتح حوار مجتمعي جاد وشامل حول منظومة الضرائب العقارية في مصر، يوازن بين حقوق الدولة وحقوق المواطنين، ويعزز الثقة بين الطرفين.
قد يهمّك أيضًا: التمويل العقاري في مصر.. الشروط وأبرز البرامج المصرفية
لماذا يرى الخبراء أن الضريبة العقارية تتعارض مع روح التشريع؟
أكد الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، أن الجدل الدائر حول فرض الضريبة العقارية على المسكن الخاص يثير إشكالية قانونية واقتصادية جوهرية تتعلق بما يعرف بـ”الواقعة المُنشئة للضريبة” ، متسائلًا عن الأساس الذي أنشأ التزامًا ضريبيًا في ذمة المواطن على مسكن لا يدر أي دخل.
وأوضح الجرم أن الأصل في التشريع الضريبي هو أن تقوم الضريبة على فعل أو تصرف ينتج دخلاً، بحيث تتحقق واقعة قانونية واضحة تؤدي إلى نشوء دين الضريبة، مشددًا على أن كل ضريبة يجب أن تستند إلى واقعة منشئة مستوفاة الشروط القانونية، وأضاف أن السكن الخاص، الذي يقيم فيه المواطن وأسرته دون تحقيق عائد مادي، لا تنطبق عليه هذه القاعدة من الأساس.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المادة 83 من القانون رقم 187 لسنة 1993 كانت واضحة في هذا الشأن، إذ نصّت على خصم القيمة الإيجارية للمسكن الخاص الذي يقيم فيه الممول من وعاء الضريبة، باعتباره غير منتج للدخل، معتبرًا أن هذا المبدأ يتعارض بصورة كاملة مع الاتجاه الحالي في قانون الضريبة العقارية، الذي يخضع المسكن الخاص للضريبة اعتمادًا على تقديرات القيمة السوقية.
مفارقة الدخل والقيمة السوقية للعقارات
شدد الجرم على أنه من غير المنطقي فرض ضريبة عقارية على السكن الخاص عند أي قيمة سوقية، حتى لو كان هذا التوجه مدعومًا بحكم دستوري أو معمولًا به في بعض الدول، موضحًا أن القيمة السوقية للعقار لا تعكس بالضرورة قدرة المالك على السداد، وأكد أن ارتفاع أسعار العقارات في مصر يعود في جانب كبير منه إلى معدلات التضخم المرتفعة أو إلى تغيّر طبيعة المناطق المحيطة بالعقار، وليس إلى تحسن فعلي في دخول المواطنين.
وأضاف أن المواطن قد يجد نفسه مالكًا لعقار ارتفعت قيمته السوقية بشكل كبير، في الوقت الذي تراجعت فيه قوته الشرائية، أو انخفض دخله الحقيقي، نتيجة الضغوط الاقتصادية، وهو ما يجعل فرض ضريبة على هذا الارتفاع غير المحقق للدخل عبئًا غير عادل، كما أشار إلى أن العقار يخضع بالفعل إلى ضريبة التصرفات العقارية عند البيع، بما يعني أن الدولة تحصل على نصيبها الضريبي عند تحقق الدخل الفعلي.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن العدالة الضريبية تقتضي إعادة النظر في فلسفة فرض الضريبة على المسكن الخاص، والتمييز بوضوح بين العقار المنتج للدخل والعقار المستخدم للسكن فقط، محذرًا من أن التوسع في فرض أعباء ضريبية غير مرتبطة بالدخل الحقيقي قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن والمنظومة الضريبية، ويقوّض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
اقرأ أيضًا: خفض الدين العام في مصر.. ما هي خطة الحكومة وما فرص نجاحها؟