تقرير: باسل محمود
الطاقة النووية أصبحت ضرورة تسعى حكومات القارة الأوروبية إليها لمواجهة التحديات التي تواجه إنتاج الكهرباء في ظل ارتفاع أسعار الطاقة التقليدية والبحث عن مصادر نظيفة للطاقة لمكافحة تغير المناخ.
وبدأت حكومات شرق أوروبا، من براغ إلى صوفيا، تبذل جهودا كبيرة لبناء المحطات النووية الجديدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة.
لكن السؤال هو: من سيمول هذه المحطات النووية؟
حادثة الانفجار في محطة تشيرنوبيل عام 1986، أبطأت من وتيرة مشاريع الطاقة النووية في أوروبا الشرقية خلال الحقبة السوفيتية، كما أن سقوط الأنظمة الشيوعية، قلل من مشاريع المحطات النووية بشكل كبير.
الآن، في الوقت الذي تركز فيه دول غرب القارة الأرووبية، على تحديث أو استبدال المحطات النووية القديمة، يتحد الشرق وراء أكبر دفعة لزيادة القدرات النووية منذ عقود.
السؤال مع ذلك، هو من سيتحمل تكلفة هذه المشاريع؟ وكم من هذه المشاريع سيصبح حقيقة؟
المحطات النووية مشروع القرن الأكبر
من جمهورية التشيك إلى رومانيا، تقوم الدول بإعداد خطط لما أطلق عليه البعض “مشروع القرن الأكبر”.
ترغب هذه الدول، في بناء ما لا يقل عن 12 وحدة نووية جديدة، بتكلفة تقارب 130 مليار يورو (139 مليار دولار).
يمكن أن تكون أولى هذه الوحدات جاهزة للعمل في غضون عقد من الزمن.
الشاحنات والحفارات تعمل في محطة باكس النووية في المجر منذ سبتمبر 2022.
هذه المنشأة هي واحدة من اثنتين تحت الإنشاء في المنطقة خلال الوقت الحالي.
اقرأ أيضا: الهيدروجين الأبيض مستقبل الطاقة
إرث نووي
ترث الدول الشيوعية السابقة في الغالب، محطات قائمة من السبعينيات والثمانينيات.
مع ذلك، هذه المحطات تعمل على وقت مستعار.
استفادت الحكومات من الدعم السياسي للمرافق الجديدة، في الوقت الذي تكافح فيه الدول مع دفع الاتحاد الأوروبي نحو الطاقة الخضراء، وبعد أن اضطرت الدول إلى التخلص من الغاز الروسي الأرخص.
التحدي هو، أن الدول لا تمتلك الخبرة الهندسية، وتكافح لتمويل نطاق طموحاتها، نظرًا لأن المستثمرين من قطاع الأعمال الخاص، لن يتحملوا مخاطر بناء محطة جديدة بمفردهم، ويجب على الحكومات التدخل.
سيكون الدعم المالي من الاتحاد الأوروبي هو المفتاح، ومع ذلك سيكون هناك تنافس على هذه الأموال أيضًا.
“التمويل هو القضية الأكثر أهمية بلا شك”، بحسب الاقتصادي في وكالة الطاقة النووية يان هورست كيبلر.
مشاكل اقتصادية وديون مرتفعة
يقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، الدكتور عبد الرحمن المشهداني، إن الدول الاشتراكية، تعاني ليس فقط من مشكلة الكهرباء، بل من مشاكل اقتصادية كبيرة.
أضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”، أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، والتحول نحو اقتصاد السوق، عانت هذه الدول من ارتفاع معدلات الديون، حيث أن جميع هذه الدول ترتبت عليها ديون كبيرة، وأصبحت اقتصاداتها ضعيفة.
أوضح أنه حتى بعد انضمام هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي، لم يحقق التحسن المنشود في مستويات المعيشة، بل العكس، حيث ظل الاقتصاد ضعيفًا رغم التحاقه بالتحالف.
تفاوت في مستويات المعيشة
“زرت ألمانيا وشاهدت هذا التفاوت بنفسي، حيث أن المدن الشرقية، لا تزال فقيرة مقارنة بالمدن الغربية المتطورة، رغم مرور أكثر من 30 عامًا على وحدة الألمانيتين”.. قال المشهداني.
أضاف: “بناء محطات نووية جديدة يتطلب مبالغ ضخمة، والتقديرات تشير إلى أن التكلفة، قد تصل إلى 130 مليار يورو خلال 10 سنوات، وهو مبلغ صعب توفيره، سواء من الاتحاد الأوروبي أو من الدول نفسها”.
“هذه الفجوة الكبيرة والتفاوت بين دول أوروبا الغربية والشرقية، يجعل من الصعب على الأخيرة، بناء محطات نووية جديدة بتمويل ذاتي، أو حتى بدعم من الاتحاد الأوروبي”.. بحسب المشهداني.
أشار أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، إلى أن مسألة توفير 130 مليار يورو هي غاية في الصعوبة، حتى وإن كانت المدة المحددة هي 10 سنوات، بالإضافة إلى ذلك، فإن مخاطر هذه المحطات عالية جدًا.
اقرأ أيضا: الصدام بين واشنطن وبكين يصل النووي
“لذلك أعتقد أنه سيكون من الصعب جدًا الحصول على مستثمرين يساهمون في بنائها، لكن إذا كانت هذه المحطات تعمل بالغاز أو حتى بالوقود الأحفوري، لكان من الممكن جذب عدد كبير من المستثمرين من دول مختلفة لبنائها”.. بحسب المشهداني.
محاولة تحويل الطاقة النووية
الصورة في غرب أوروبا مختلطة، على سبيل المثال، تخطط بلجيكا وإسبانيا للتخلص التدريجي من الطاقة النووية، رغم أن الجدول الزمني، تم تمديده بسبب القلق بشأن إمدادات الطاقة منذ غزو روسيا لأوكرانيا.
بينما هناك دول أخرى ثابتة في موقفها، حيث رفضت النمسا الطاقة النووية في استفتاء عام 1978، وألمانيا مضت قدمًا في التخلي عنها منذ أن اتخذت الحكومة القرار بعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.
وتواصل بلجيكا، وفرنسا، وفنلندا، بالإضافة إلى السويد، توليد ما لا يقل عن ثلث احتياجاتها من الطاقة من المفاعلات، لخدمة أكثر من 100 مليون مواطن مجتمعين.
أحدث مفاعل في الاتحاد الأوروبي هو (Olkiluoto 3) في فنلندا، وبدأ في توليد الطاقة العام الماضي 2023.
ستبدأ أحدث إضافة لفرنسا في إنتاج الكهرباء هذا الصيف في مفاعل (Flamanville-3 EPR) الذي تأخر كثيرًا.
تحديات توليد الطاقة النووية من اليورانيوم
يرى المختص في شؤون الاقتصاد والطاقة، ضرغام محمد علي، أن الطاقة النووية، تعد من أكثر مصادر الطاقة كفاءة في التوليد، وأطولها عمرًا وأقلها كلفة على المدى الكلي للمشروع، لكنها تواجه العديد من العوائق، منها: ارتفاع التكلفة، وصعوبة الحصول على الموافقات الدولية، وندرة واحتكار الوقود النووي، وارتفاع مستوى الخطورة مقارنة بالطاقة التقليدية.
أضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”، أن بعض الدول تحرص على الهيمنة على هذا القطاع، للحصول على حصة سوقية عالمية لهذه التقنية، بهدف توسيع نفوذها الاقتصادي وإعادة ترميم سمعة هذا القطاع، بعد حادثة تشيرنوبيل وحوادث المفاعلات اليابانية بعد الزلزال”.. بحسب ما قاله
محاولة أوروبا الشرقية اللحاق بإنتاج الطاقة النووية
بينما ستحصل إعانات الحكومة لبدء المفاعلات الجديدة على موافقة الاتحاد الأوروبي بلا شك، فإن نطاقها يبعث على الخوف.
خذ بولندا على سبيل المثال، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الفحم في إنتاج الطاقة والنباتات النووية الجديدة ستكون الأولى في البلاد.
تظل الحكومة عالقة في مفاوضات حول كيفية تمويل مفاعلات شركة “Westinghouse Electric Co” لمحطتها الأولى، والتي قد تتجاوز تكلفتها 30 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل ميزانية الدفاع الكاملة للبلاد لعام 2023، أو 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
تقول محللة الأسواق في الشرق الأوسط لدى “XS.com” رانيا جول: “برأيي هذه الطريق مليئة بالتحديات والعقبات، وتدور بشكل أساسي حول التمويل والواقع المالي، فعلى عكس الدول الغربية مثل فرنسا وفنلندا، التي تستمر في استغلال الطاقة النووية لتلبية احتياجاتها الطاقوية الكبيرة، تفتقر دول شرق أوروبا إلى القدرة المالية والخبرة التقنية لتمويل وتنفيذ هذه المشاريع الضخمة بشكل مستقل، وسط تشديد على دور الحكومات والدعم من الاتحاد الأوروبي في تحقيق هذه الطموحات.
اقرأ أيضا: الحرب الكبرى تضع أسعار النفط أمام رالي ارتفاعات جديد
التكلفة عقبة أمام الطاقة النووية
أضافت في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”، أن دولا مثل فرنسا وفنلندا تستمر في استخدام أجزاء كبيرة لاستهلاكها من الطاقة النووية، وهنا يعكس إعادة نشاط شرق أوروبا في الطاقة النووية تحولا استراتيجيًا، فبينما تعبر أوروبا الغربية عن تخلي متدرج عن الطاقة النووية بسبب الاهتمامات البيئية بعد كارثة فوكوشيما، واستراتيجيات الطاقة المتنوعة، تعتبر شرق أوروبا، الطاقة النووية أساسية للاستقلال والأمن الطاقوي على المدى الطويل، مما قد يشكل فجوة كبيرة من جميع النواحي، خاصة تمويل وتنفيذ مثل هذه المشروعات.
أوضحت أنه غير ذلك، تواجه دول شرق أوروبا نقصًا في الخبرة التقنية والمقاولين المؤهلين لتنفيذ مثل هذه المشروعات، مما يمكن أن يؤدي إلى تأخير المشاريع وزيادة التكاليف، كما حدث في موقع موتشوفس في سلوفاكيا، حيث اضطرت التكاليف إلى أن تتضاعف وتأخر الانتهاء لمدة عقد من الزمن”.
“من الناحية التاريخية، تبددت دوماً طموحات شرق أوروبا النووية بفعل كارثة تشيرنوبيل والاضطرابات السياسية التالية لها، ولكن الآن، ووسط دفع أوروبي نحو الطاقة الخضراء، وتحولات جيوسياسية خطيرة، تحتشد دول من التشيك إلى رومانيا، خلف ما يصفه البعض بأنه أكبر مشروع للقرن، وهدفهم استبدال مفاعلات العصر السوفيتي المتقادمة، والحد من الاعتماد على واردات الطاقة الروسية”.. بحسب رانيا.
الطاقة النووية تقتضي إحياء مدينة أشباح شيوعية
لا تتوقع دول شرق أوروبا اتخاذ قرارات استثمارية في أي وقت قريب، فهم ينتظرون موافقة الاتحاد الأوروبي على المساعدات ضمن دورة ميزانية 2034-2028 والتي من المرجح أن يتم الموافقة عليها في يونيو المقبل.
تتضمن خطط الطاقة الخضراء في الاتحاد الأوروبي الطاقة النووية.
مشاكل أخرى
بحسب أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، الدكتور عبد الرحمن المشهداني، فإنه من المشاكل الأخرى، التي تواجه الطاقة النووية في شرق أوروبا، هي أن الخبرات التي كانت تمتلكها هذه الدول قد هاجرت إلى دول أوروبا الغربية، وإلى الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا، بحثًا عن فرص عمل أفضل، ومستويات معيشة أعلى.
“بقاء الأجور ومستويات المعيشة في هذه الدول ضعيفة أدى إلى هجرة الكفاءات”.. قال المشهداني.
أوضح أن هناك تحدٍ كبير آخر تواجهه المحطات النووية، وهو توفير المياه اللازمة لتبريد المفاعلات، حيث أن هذه المفاعلات، تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه للتبريد، والعالم كله مقبل على شح كبير في المياه، ليس فقط في الدول مثل العراق ومصر، بل في جميع أنحاء العالم.
“هذا ناجم عن زيادة السكان، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وثقب الأوزون، وكلها تترك آثارًا سلبية كبيرة”.. وفق تحليل المشهداني.
وفيما يتعلق بالتمويل، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة العراقية، أن دول أوروبا الغربية تعاني من تورطها في تمويل أوكرانيا في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث قدمت الدعم لأوكرانيا على مدار 3 سنوات، مما أدى إلى دخول معظم هذه الدول في نفق المديونية، مشيرا إلى أن هذه الحرب لا تزال مستمرة، ولا توجد بوادر لنهايتها، مما يلزم هذه الدول بمواصلة التمويل لدعم أوكرانيا في مواجهتها للغزو الروسي.
يتساءل المشهداني، كيف ستوفر هذه الدول التمويل لمحطات نووية جديدة، وهي متاخمة للحدود الروسية؟
“أعتقد أن هذه مشكلة كبيرة جدًا، وسيكون من الصعب جدًا على هذه الدول توفير التمويل من مصادرها الخاصة، ومن الصعب جدًا على الاتحاد الأوروبي تقديم هذا الرقم الكبير 130 مليار يورو، كما سيكون من الصعب الاعتماد على الولايات المتحدة أو دول أخرى لتوفير هذا الدعم، وإضافة إلى ذلك، أعتقد أن هناك رفضًا شعبيًا سيواجه الطاقة النووية في أوروبا عاجلاً أم آجلاً”.. قال المشهداني.
ضرورات جيوسياسية
“هنا أقول أن السياق الجيوسياسي العالمي بشكل عام، والأوروبي بشكل خاص، يؤثر بقوة في أهمية هذه المبادرات النووية بشكل استراتيجي، فقد شددت التوترات الجيوسياسية الأخيرة، على ضرورة تنويع مصادر الطاقة بعيداً عن السيطرة الروسية، مما يجعل هذه المشاريع ليست فقط عن الأمن الطاقوي، ولكن أيضًا عن المرونة الجيوسياسية لأوروبا بشكل عام”.. وفق قول رانيا جول.
أضافت: “من وجهة نظري، يعتمد نجاح طموحات الطاقة النووية في شرق أوروبا على تلافي هذه التحديات المتعددة الأوجه بفعالية، كما أنه يتطلب التخطيط المالي القوي، واستخدام فعال للدعم من الاتحاد الأوروبي، وتعزيز القوى العاملة الماهرة لتلبية الاحتياجات البنائية، وستعيد النتائج تشكيل الاقتصادات الأوروبية، وتؤثر على تطورات مصادر الطاقة الأوروبية الأوسع، بما يتماشى مع التوجهات الجيوسياسية المتغيرة باستمرار”.
من سيدفع ثمن هذه المحطات النووية الجديدة وكم سيكون هذا الثمن؟
تقول رانيا جول: “للأسف، لا توجد معلومات واضحة حول من سيتحمل تكاليف هذه المشاريع الضخمة، لكن برأيي ربما يكون هناك تمويل من الحكومات المحلية في أوروبا أو شركات الطاقة، أو حتى تمويل دولي من البنوك أو المؤسسات الدولية”.
اختتمت حديثها بضرورة تقييم الفوائد والمخاطر المحتملة للطاقة النووية بعناية، وأن يشارك المواطنون في عملية صنع القرار حول بناء المحطات النووية الجديدة.