ما هي السندات ذات العائد السلبي؟ رغبة في خسارة أم ملاذ آمن؟

يسعى المستثمرون دائماً للحصول على أفضل عائد على استثماراتهم، سواء كانت في الأسهم أو السندات أو غيرها من الأدوات المالية، ووفقاً للقاعدة الذهبية في عالم الاستثمار، فإن العائد المرتفع غالباً ما يقترن بمخاطر أكبر، في حين تنخفض المخاطر كلما انخفض العائد، غير أن ظهور أدوات مالية بعائد سلبي على الاستثمار منذ عام 2009، مثل “السندات سالبة العائد”، شكّل تحولاً مثيراً في مفهوم الاستثمار التقليدي.

ما هو العائد السلبي على السندات؟

يشير العائد المالي السلبي إلى شراء أصل يُفترض أن يدرّ عوائد مالية، إلا أن هذه العوائد لا تكفي لتغطية التكاليف المرتبطة بامتلاكه أو تشغيله، وتُعد هذه الحالة شائعة في بعض الاستثمارات العقارية، وكذلك في بعض أنواع السندات الحكومية والخاصة.

وفي ظل السياسات التحفيزية التي تتبناها الحكومات، خاصة في فترات انخفاض التضخم عن المستويات المستهدفة، قد تلجأ الدول إلى إصدار سندات بعائد سلبي؛ أي أن المستثمر يقوم بضخ أمواله لشراء هذه السندات وهو مدرك تمامًا أنه سيسترد مبلغًا أقل من الذي دفعه عند حلول موعد الاستحقاق. ورغم هذا التنازل عن جزء من العائد، إلا أن هذه السندات تُعتبر في بعض السياقات خيارًا استثماريًا مقبولًا، كما سنرى في الفقرات القادمة.

متى تتحول السندات سالبة العائد إلى ملاذ آمن؟

في عالم الاستثمار، لا يكون تحقيق الأرباح هو الدافع الوحيد دائمًا، ففي كثير من الأحيان يتقدم مفهوم “التوازن” على الربحية، خاصة عندما يسعى المستثمر إلى تقليل المخاطر أو التكيف مع ظروف اقتصادية معقدة ومتقلبة، آخذًا في الاعتبار البدائل المتاحة والبيئة المحيطة.

وفي هذا السياق، تلعب السندات دورًا مهمًا كأصول يمكن استخدامها كضمان للحصول على تمويل، ما يجعل الإقبال عليها ممكنًا حتى في حال انخفاض عوائدها؛ فعند اشتداد الأزمات وارتفاع معدلات عدم اليقين، كما حدث خلال فترات الأوبئة أو الأزمات المالية العالمية، يُقبل المستثمرون على ما يُعرف بـ”الملاذات الآمنة”، ويصبح الهدف الأساسي حينها هو حماية رأس المال، لا تعظيم العائد.

تعرّف أيضًا إلى سندات الخردة ذات المخاطر العالية

أسباب توجه المستثمرين نحو السندات ذات العائد السلبي

التوجه نحو السندات ذات العائد السلبي لا ينبع من الرغبة في الخسارة، بل من اعتبارات اقتصادية واستراتيجية دقيقة، تتعلق بالسياسات النقدية، وإدارة المخاطر، والبحث عن الأمان المالي. وفيما يلي أبرز الأسباب التي تدفع المستثمرين نحو هذا النوع من السندات:

  • سياسة البنك المركزي

تُعد السندات ذات العائد السلبي انعكاساً مباشراً لسياسات البنوك المركزية؛ فعندما تسعى هذه المؤسسات لتحفيز النمو الاقتصادي، تقوم بخفض أسعار الفائدة إلى مستويات تاريخية متدنية. هذا الانخفاض الحاد يدفع بعوائد السندات إلى المنطقة السلبية، الأمر الذي يجعل السندات ذات العائد السلبي أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن أدوات آمنة في بيئة منخفضة الفائدة.

  • الاستقرار المالي

غالباً ما يتم إصدار السندات ذات العائد السلبي من قبل الحكومات والشركات الكبيرة ذات التصنيف الائتماني القوي، وهذا يعني أنه يمكن للمستثمرين أن يثقوا في استقرار الجهة المصدرة واحتمالية سداد السندات.

  • التنويع في المحافظ الاستثمارية

توفر السندات ذات العائد السلبي تنويعاً لمحفظة المستثمر، ومن خلالها يمكن للمستثمر توزيع مخاطره عبر فئات الأصول والمناطق الجغرافية المختلفة، وهذا يقلل من المخاطر الإجمالية للمحفظة.

  • الارتباط المنخفض

تمتاز السندات ذات العائد السلبي بضعف ارتباطها مع فئات الأصول الأخرى، مثل الأسهم. وبالتالي فإنها قد تؤدي دوراً وقائياً في أوقات تقلب السوق، وتساهم في الحد من الخسائر عندما تتراجع أسعار الأسهم.

  • تحوط العملة

يمكن استخدام السندات ذات العائد السلبي كتحوط للعملة، فعندما يشتري المستثمر سندات ذات عائد سلبي مقومة بعملة أجنبية، فإنه يشتري فعليًا تحوطًا للعملة، وإذا توقع المستثمر أن ترتفع قيمة العملة، فيمكنه الاستفادة من ارتفاع قيمة العملة مع الحصول على عائد سلبي على السندات.

  • استغلالها كرهن للتمويل

تُستخدم السندات، وخاصة الحكومية منها أو تلك ذات التصنيف الائتماني المرتفع، كضمانات للحصول على تمويل، خاصة وأنّها جذابة للبنوك والمؤسسات المالية، ما يمنحها قيمة استراتيجية طويلة الأجل داخل الأسواق المالية.

كيف يحصل المستثمرون على أرباح منها؟

عادةً ما يُقبل المستثمرون على شراء السندات ذات العائد السلبي بدافع التداول وليس بهدف الاحتفاظ بها حتى تاريخ الاستحقاق، أي أنّ هذه السندات تُشترى غالباً بغرض بيعها لاحقاً بسعر أعلى في السوق الثانوية، وليس كمصدر لتحقيق دخل طويل الأجل، وبالتالي إذا لم يتمكن حاملو هذه السندات من بيعها في الوقت المناسب قبل أن تفقد جزءاً من قيمتها، فمن المحتمل أن يتبين لهم أنها لم تكن خياراً استثمارياً ناجحاً على المدى البعيد.

إلى جانب ذلك، تلعب فروق أسعار الصرف دوراً محورياً في تحقيق عوائد ملموسة عند التعامل مع السندات ذات العائد السلبي، لا سيما تلك المقومة بعملات أجنبية؛ فعندما يشتري المستثمر سنداً ذا عائد سلبي مقوّماً باليورو مثلاً، فإنه غالباً ما يُقدم في الوقت نفسه على تنفيذ صفقة بيع آجل لليورو مقابل الدولار، في خطوة تُعد بمثابة تحوط من مخاطر العملة. وفي هذه الحالة، يصبح الفرق بين سعر الصرف الآجل وسعر الصرف الفوري بمثابة “عائد غير مباشر” يمكن أن يحقق أرباحاً مجزية على المدى الطويل، خصوصاً أن بعض هذه السندات يمتد أجلها إلى أكثر من 20 عاماً.

اقرأ أيضًا: دليل شامل لفهم سعر الصرف وحساب الأرباح في الفوركس

من يشتري هذه السندات؟

عندما تعتزم الحكومات إصدار سندات بعائد سلبي، فإنها عادةً ما تلجأ إلى آلية المزاد لطرح تلك السندات في الأسواق المالية، حيث تقوم البنوك الكبرى والمؤسسات المالية بشراء السندات مباشرة من الحكومة، لتقوم لاحقًا بإعادة بيعها إلى كيانات استثمارية مختلفة، مثل صناديق المعاشات التقاعدية، والبنوك الأخرى، والمستثمرين الأفراد.

تجربة السعودية في إصدار سندات ذات عائد سالب

في خطوة تاريخية، أصدرت المملكة العربية السعودية لأول مرة في عام 2021 سندات سيادية مقوّمة باليورو بعائد سلبي، لتصبح بذلك أول دولة من خارج منطقة اليورو تطرح شريحة بهذا الشكل، وأكبر جهة غير أوروبية تقدم على هذه الخطوة. وقد جرى الإصدار على شريحتين، حيث جمعت المملكة ما يُقدر بمليار ونصف المليار يورو من عمليات الاكتتاب.

شملت الشريحة الأولى سندات لأجل ثلاث سنوات بقيمة مليار يورو، وبعائد سلبي بلغ نحو -0.06%، أما الشريحة الثانية فكانت بقيمة نصف مليار يورو لأجل تسع سنوات، وبعائد أقل من 1%، وقد بلغ حجم الطلبات على الاكتتاب نحو 5 مليارات يورو.

وبهذه الخطوة، انضمت المملكة إلى قائمة الدول المصدّرة للسندات ذات العائد السلبي، في وقت وصلت فيه القيمة الإجمالية للسندات ذات العوائد السالبة حول العالم إلى ما يقارب 13 تريليون دولار بحلول عام 2019.

في النهاية، المستثمرون الكبار والمؤسسات المالية يدركون أن الخسارة الجزئية أحيانًا أفضل من المخاطرة بفقدان رأس المال بالكامل، لهذا تبقى السندات سالبة العائد جزءًا من مشهد الاستثمار العالمي، تستدعي الفهم العميق لاختيارها بذكاء ضمن استراتيجية مالية شاملة.

قد يهمّك أيضًا: من الأفضل الأسهم أم السندات؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة