في خطوة تعد من أكثر التحولات جرأة في ملف الطاقة العراقي منذ عام 2003، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن خطة وطنية شاملة لإنهاء اعتماد بلاده على الغاز الإيراني -الذي تصل قيمته السنوية إلى نحو 4 مليارات دولار- بحلول عام 2028، في إطار رؤية اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص التبعية النفطية، بحسب CNBC.
قال السوداني، في مقابلةٍ مع الشبكة الأمريكية من بغداد، إن الحكومة أطلقت مجموعة من المشاريع بالشراكة مع شركات عالمية، من بينها توتال إنرجيز الفرنسية، وشركات صينية وإماراتية، لاستثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق في الحقول النفطية، مؤكداً أن هذا الغاز المهدر تُقدر قيمته بما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً.
وأوضح رئيس الوزراء العراقي: “للمرة الأولى في تاريخ العراق لدينا خطة واضحة ومتابعة يومية لإنهاء هذه المشكلة، مع تحديد موعد نهائي مطلع 2028 لتحقيق صفر حرقٍ للغاز”.
تلك التصريحات تمثل إعلانًا رسميًا لاستراتيجية “الاستقلال الطاقي” التي يطمح إليها العراق منذ سنوات، بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على واردات الغاز والكهرباء من إيران لتشغيل محطات الطاقة المحلية.
من “الغاز المحروق” إلى “الغاز المنتج”
يعتمد الاقتصاد العراقي بنسبة تتجاوز 90% على النفط الخام، فيما ظلّت معضلة الغاز المصاحب تمثّل ثغرة مزمنة تُهدِر مليارات الدولارات سنويا، وتزيد من العجز في إنتاج الكهرباء، فالغاز الذي يتصاعد أثناء استخراج النفط كان يُحرق في الهواء لسنوات طويلة، في عملية تُعرف بـ”الحرق المصاحب” رغم أن كمياته تكفي لتوليد الطاقة لكل العراق تقريباً.
بموجب العقود الجديدة، سيتم التقاط الغاز المصاحب ومعالجته لإعادة استخدامه في إنتاج الطاقة، ما سيساعد على خفض انبعاثات الكربون وتحسين إمدادات الكهرباء، وتُقدر الحكومة أن هذه المشروعات -عند اكتمالها- ستسمح بإنتاج ما يغطي كامل احتياجات العراق من الغاز خلال ثلاث سنوات.
موازنة دقيقة بين واشنطن وبكين والرياض
في خلفية هذا التحرك الاقتصادي، يسعى العراق إلى موازنة دقيقة بين القوى الدولية المتنافسة على أرضه، فبغداد -ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك” بعد السعودية- تحاول الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تشرف على عقود الطاقة والتكنولوجيا، في الوقت نفسه الذي تُعمّق فيه شراكاتها مع الصين ودول الخليج.
وقد قال السوداني في المقابلة إن بلاده “تتبنى نهجاً متعدد المسارات لجذب الاستثمارات”، مضيفاً أن “اقتصاد العراق لم يكن يوما أحادي الاتجاه”، كما كشف عن اتفاقات مبدئية مع شركات أمريكية مثل شيفرون وإكسون موبيل و”Halliburton وSLB”، مشيراً إلى أن الاستثمارات القطرية تجاوزت 5 مليارات دولار، إضافةً إلى مشاريع سعودية وإماراتية متنامية، ولفت إلى اتفاق مع شركة مصدر الإماراتية لإنتاج 1000 ميغاواط من الطاقة المتجددة، في إطار رؤية أوسع لتحويل العراق إلى مركزٍ إقليمي للطاقة النظيفة.
اقرأ أيضًا: منصة عائمة للغاز الطبيعي المسال لوقف أزمة الكهرباء في العراق
النفوذ الإيراني لا يزال في الصورة
رغم التوجه نحو تنويع الشركاء، لا يمكن للعراق تجاهل الجار الإيراني الذي يوفّر له اليوم نحو 40% من احتياجاته من الكهرباء والغاز، غير أن هذا الاعتماد يضع بغداد في موقف معقد أمام العقوبات الدولية المفروضة على طهران؛ ففي أغسطس الماضي فعّلت القوى الأوروبية آلية “سناب باك” لإعادة فرض العقوبات التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية في السابق قد منحت استثناءات مؤقتة للعراق للسماح باستيراد الغاز الإيراني لتجنّب انهيار منظومته الكهربائية، لكنّ تلك الاستثناءات جعلت بغداد هدفًا للتجاذبات بين واشنطن وطهران، فالإيرانيون يرون في السوق العراقية منفذًا اقتصاديًا حيويًا لتجاوز العقوبات، بينما تحاول واشنطن تشديد الرقابة على النظام المالي العراقي لمنع استخدامه في التحايل على القيود.
وفي وقت سابق من العام، حظرت وزارة الخزانة الأمريكية التعامل بالدولار على عدد من المصارف العراقية، بعد رصد عمليات تهريب وغسيل أموال مرتبطة بكيانات إيرانية.
اقرأ المزيد: أمريكا تُشدد الخناق على إيران بسبب شبكة تهريب النفط
إصلاحات لمكافحة الفساد واستعادة الثقة
منذ احتجاجات “ثورة تشرين” عام 2019 التي طالبت بإنهاء الفساد والنفوذ الخارجي، يسعى السوداني إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال إصلاحات مالية ومؤسسية، وقال في حديثه: “بدأنا بإصلاح المؤسسات الرقابية المسؤولة عن مكافحة الفساد، وإنشاء آليات تعزز الشفافية والنزاهة”. ويُنظر إلى هذه الإصلاحات باعتبارها شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات الأجنبية، إذ تواجه الشركات الدولية عقبات قانونية وبيروقراطية طويلة الأمد في السوق العراقية.
وأشار السوداني إلى أن الإصلاحات الأخيرة أسهمت في تعزيز حضور الشركات الدوائية الأجنبية، لافتًا إلى افتتاح مدينة صناعية جديدة تضم شركات أمريكية وبريطانية “جاءت لنقل خبراتها إلى العراق بعد أن لمست بيئةً أكثر استقرارا وثقة”. مع ذلك، لا يزال صندوق النقد الدولي يحذر من أن الفساد المستشري يشكل أكبر عقبة أمام النمو الاقتصادي، داعيًا الحكومة إلى تسريع خطوات الحوكمة وتعزيز الشفافية في عقود النفط والطاقة.
انتخابات نوفمبر.. اختبار الاستقرار السياسي
على الصعيد الداخلي، يواجه السوداني استحقاقًا انتخابيًا حاسمًا في 11 نوفمبر المقبل، حيث يتوجه العراقيون لاختيار أعضاء البرلمان البالغ عددهم 329 نائبًا، في الانتخابات السابعة منذ الغزو الأمريكي عام 2003. ووصف رئيس الوزراء هذه الانتخابات بأنها “محطة تاريخية في مسار الديمقراطية العراقية”، مؤكدًا أن حكومته وفّرت الضمانات اللوجستية والقانونية لإجرائها في أجواء شفافة وآمنة.
لكن التحدي الأكبر -بحسب المراقبين- هو البطالة بين الشباب، فالعراقيون دون الثلاثين يشكلون نحو 60% من السكان البالغ عددهم 46 مليون نسمة، فيما لا يزال القطاع العام المشغل الأكبر رغم تضخمه. وفي هذا الصدد، قال السوداني إن حكومته نجحت في خفض معدل البطالة بأكثر من 2% خلال العام الماضي، مشيرًا إلى أنَّ الحل الجذري يكمن في تحفيز القطاع الخاص وتمكين الاقتصاد الرقمي.
التحول الرقمي والطاقة المتجددة
ضمن استراتيجية تنويع الاقتصاد، يركز العراق على التحول الرقمي كأداة لخلق فرص عملٍ جديدة وتقليل الاعتماد على النفط، فقد أطلقت الحكومة المركز الوطني للتحول الرقمي ومركزًا للأمن السيبراني، إلى جانب لجنة عليا للذكاء الاصطناعي تعمل على إعداد استراتيجية وطنية لتوظيف التكنولوجيا في التعليم والخدمات والإدارة العامة.
ويؤكد السوداني أن هذه المبادرات ستُحدث “قفزة نوعية في بنية الاقتصاد العراقي”، مشيرًا إلى أن الخطط المستقبلية تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية، وتحويل الغاز المصاحب إلى مصدر تمويل جديد للموازنة بدلاً من إهداره، كما يجري العمل على مشروعات طاقة شمسية ورياح بالشراكة مع الإمارات والسعودية، ضمن خطة لإنتاج 3 غيغاواط من الطاقة النظيفة بحلول 2030.
اقرأ أيضًا: العراق يراهن على النفط لتحقيق إيرادات قياسية في خطته الخمسية
دبلوماسية الطاقة.. من التبعية إلى التوازن
لا تقتصر أهمية الخطوة العراقية على بعدها الاقتصادي، بل تتجاوزها إلى إعادة تعريف الدور الجيوسياسي للعراق في خريطة الطاقة الإقليمية، فمن خلال التحرُّر التدريجي من الغاز الإيراني تسعى بغداد إلى استعادة استقلال قرارها الطاقي وبناء شبكة شراكات متوازنة مع الشرق والغرب والخليج.
ويرى مراقبون أن نجاح الخطة، سيعيد للعراق مكانته كأحد أهم محاور الطاقة في الشرق الأوسط، إذ يمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، وموقعًا جغرافيًا يؤهله لأن يكون جسرًا للطاقة بين الخليج وأوروبا، لكن تحقيق هذا الطموح، يتطلب -وفق خبراء الطاقة- التزامًا سياسيًا صارمًا ومتابعة تنفيذية دقيقة لمشروعات الغاز المصاحب، إلى جانب تطوير البنية التحتية لنقله وتخزينه.
طريق طويل نحو 2028
رغم التفاؤل الرسمي، يدرك صانع القرار العراقي أن الوصول إلى “صفر واردات من الغاز الإيراني” خلال أربع سنوات فقط ليس مهمة سهلة، فالقطاع يعاني من قصور في البنية التحتية وضعف في كفاءة الشبكات الكهربائية، إضافة إلى استمرار البيروقراطية والتداخل بين الصلاحيات الإدارية، رغم أنّ الخطوات الأخيرة -سواء على مستوى توقيع العقود أو إطلاق المشروعات- تُشير إلى تغير نوعي في عقل الدولة العراقية، التي انتقلت من مرحلة “إدارة الأزمات” إلى “تخطيط الاستقلال”.
وفي ختام حديثه، قال السوداني إنَّ حكومته “حقَّقت قدرًا ملموسًا من الإصلاحات الاقتصادية والخدمية”، وإنَّ “هناك شعورًا متزايدًا بالتفاؤل بين المواطنين”، فالعراق اليوم يبدو أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، بعد أن ظلَّ رهينة للتقلبات السياسية والعقوبات الدولية لعقود طويلة.
في حال نجحت بغداد في تنفيذ خطتها بحلول عام 2028، فسيكون ذلك تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم موازين الطاقة في المنطقة، ويمنح العراق مكانة جديدة كقوة إنتاجية لا كمستورد للطاقة، وهي خطوة قد تُغير معادلة النفوذ من “من يعتمد على من” إلى “من يملك قراره بيده”.
قد يهمّك أيضًا: ملتقى العراق للاستثمار يطلق فرصًا بقيمة 450 مليار دولار