العراق يراهن على النفط لتحقيق إيرادات قياسية في خطته الخمسية

تستعد بغداد لدخول مرحلة جديدة من التخطيط الاقتصادي، واضعة نصب أعينها تحقيق إيرادات نفطية ضخمة تُقدر بنحو 631 تريليون دينار (482 مليار دولار) خلال خمس سنوات، ضمن إطار خطة التنمية الخمسية للفترة 2024–2028.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية عن وزارة التخطيط، فإن إجمالي الإيرادات المستهدفة في هذه الفترة سيصل إلى نحو 710 تريليونات دينار (542 مليار دولار)، يشكل النفط منها النسبة الأكبر، فيما تسهم الإيرادات غير النفطية بنحو 79 تريليون دينار فقط (60.3 مليار دولار).

هذا الاعتماد الكبير على النفط يعكس استمرار هيمنة القطاع على الموازنة العامة، حيث يتوقع أن يظل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، ممولًا النسبة العظمى من النفقات الحكومية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تنويع القاعدة الاقتصادية.

تقديرات صندوق النقد.. إشارات إنذار مبكر

رغم ضخامة الأرقام، يضع صندوق النقد الدولي علامات استفهام حول قدرة العراق على الحفاظ على هذه العوائد، محذرًا من تراجعها بشكل ملموس خلال الأعوام المقبلة، فوفق تقريره الصادر في يونيو الماضي يُرجح أن تنخفض إيرادات النفط من 99.2 مليار دولار في عام 2024، إلى 84.2 مليار دولار في 2025، ثم إلى 79.2 مليار دولار في 2026، نتيجة انخفاض أسعار الخام عالميًا.

الأرقام تكشف أيضا عن ارتفاع ملحوظ في سعر التعادل اللازم لموازنة العراق -أي السعر الذي يحقق التوازن بين الإيرادات والنفقات- حيث زاد بأكثر من 55% مقارنة بالسنوات السابقة، وذلك يعني أن أي انخفاض إضافي في الأسعار سيؤدي إلى فجوة تمويلية أوسع، ما يفرض تحديات على السياسة المالية للحكومة.

سوق النفط العالمي.. رياح معاكسة

تأتي هذه التوقعات في ظل تراجع متوسط أسعار النفط من 80.6 دولار للبرميل العام الماضي، إلى نحو 65.9 دولار للبرميل في 2024، مع ترجيحات بمزيد من الانخفاض إلى 62 دولارًا في 2025، وهذه المستويات تضع ضغطًا على ميزانية دولة تعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيراداتها، رغم عضويتها في تحالف “أوبك بلس” الذي يحاول موازنة الأسواق عبر سياسات الإنتاج.

ورغم ذلك، تشير بيانات وكالة بلومبرغ، إلى أن العراق يستعد لزيادة شحنات إحدى درجات نفطه الرئيسية في الأسواق العالمية خلال الشهر الجاري، في إطار برنامج تصديري موسع، ما يدل على رغبة بغداد في تعويض أي خسائر سعرية بزيادة الكميات المصدّرة.

استثمارات ضخمة لتحقيق النمو المستهدف

حددت وزارة التخطيط العراقية حجم الاستثمارات المطلوب لضمان تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي مستهدف يبلغ 4.24% بأكثر من 241 تريليون دينار (184 مليار دولار) خلال فترة الخطة الخمسية، واللافت أن القطاع الحكومي سيتحمل العبء الأكبر من هذه الاستثمارات، بواقع 157 تريليون دينار(119.8 مليار دولار)، مقابل 84 تريليون دينار (64.1 مليار دولار) من مساهمة القطاع الخاص.

أما على صعيد توزيع التكوين الرأسمالي، فيستحوذ قطاع النفط على 27.4% من الإجمالي، يليه قطاع ملكية دور السكن بنسبة 22.5%، ثم خدمات التنمية الاجتماعية بنسبة 20.8%، في حين يحصل قطاع الماء والكهرباء على 8.6%، والصناعة التحويلية على 7.8%.

التحدي الأكبر.. تنويع الاقتصاد

يعترف المسؤولون العراقيون بأن الاعتماد المفرط على النفط ليس مسارًا مستدامًا، خاصة مع تقلبات الأسعار العالمية، لذلك تعمل الحكومة على تعزيز القطاعات غير النفطية مثل الزراعة، والصناعة، والسياحة، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

وتشمل هذه الجهود تقديم ضمانات وتسهيلات للمستثمرين، وتطوير البنية التحتية، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، فضلا عن تنفيذ مشاريع استراتيجية لتحفيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، خاصة في السلع الأساسية.

مؤشرات نمو وتحسن نسبي في الأداء الاقتصادي

بحسب صندوق النقد، يُتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي للعراق نموا نسبته 3.1% في 2024، قبل أن يتراجع إلى 1.4% في 2026، ورغم هذا التباطؤ، فإن الأرقام تمثل تحسنا بالمقارنة مع الانكماش البالغ 2.3% الذي سجله الاقتصاد في 2023.

ويرى محللون أن استمرار الحكومة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وإدارة الإنفاق بكفاءة، يمكن أن يحافظ على هذا التحسن، خاصة إذا تم استغلال الطفرة الاستثمارية المرتقبة في القطاعات غير النفطية.

التحديات المالية.. بين العجز والتمويل

لا يعد النفط مصدر الإيرادات الأول في العراق فحسب، وإنّما المحدد الرئيسي للسياسة المالية، إذ تتحكم أسعار الخام في حجم العجز أو الفائض في الموازنة، وفي قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها، وهذه الحقيقة تجعل أي خطة تنموية عرضة للتأثر المباشر بالتقلبات في الأسواق العالمية، وتفرض ضرورة بناء احتياطيات مالية كافية لمواجهة الصدمات.

وبالتالي فإنّ انخفاض الإيرادات النفطية، إلى جانب ارتفاع الإنفاق الجاري، يضع العراق أمام تحدي إيجاد مصادر تمويل بديلة، سواء عبر الدين الداخلي والخارجي أو عبر زيادة الإيرادات غير النفطية، كما أن تزايد الاحتياجات الاستثمارية في البنية التحتية والخدمات العامة يزيد من الضغط على الموازنة.

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن تحسين إدارة الإنفاق العام، وتقليل الهدر، وزيادة كفاءة تحصيل الضرائب، يمكن أن يسهم في تقليص العجز دون الحاجة إلى إجراءات تقشفية حادة قد تؤثر على النمو.

اقرأ أيضًا: إصلاحات جذرية في العراق.. البنك المركزي يعلن عن خطة طموحة

مستقبل الخطة الخمسية.. بين الطموح والواقعية

على الورق، تبدو أهداف الخطة الخمسية طموحة، إذ تجمع بين استثمارات ضخمة ومعدل نمو اقتصادي مستهدف يتجاوز المتوسط العالمي، ولكن نجاحها يتوقف على عدة عوامل؛ أبرزها استقرار أسعار النفط، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية فعالة، وتحقيق بيئة سياسية وأمنية مستقرة تجذب المستثمرين.

ويرى محللون أن العراق يقف أمام فرصة تاريخية لتحويل الفوائض النفطية -إن تحققت- إلى مشاريع إنتاجية وبنية تحتية تدعم التنويع الاقتصادي، بدلًا من توجيهها فقط إلى الإنفاق الجاري.

الاعتماد على النفط.. مسار تاريخي قديم

لم يكن الاعتماد على النفط في العراق وليد اللحظة، بل هو نتاج مسار تاريخي طويل بدأ في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما قررت الحكومة العراقية آنذاك تأميم صناعة النفط بالكامل في عام 1972، مستفيدة من تصاعد أسعار الخام في الأسواق العالمية عقب أزمة النفط عام 1973، وهذه الخطوة وفّرت موارد مالية هائلة للدولة، وأتاحت تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة في مجالات التعليم، والصحة، والإسكان، والنقل.

وخلال عقد السبعينيات، كان العراق من أسرع الاقتصادات نموا في المنطقة، مع توسع في الخدمات العامة وارتفاع مستويات المعيشة، لكن هذه الطفرة كانت مرتبطة بشكل وثيق بأسعار النفط، ما جعل الاقتصاد عرضة للصدمات عندما انخفضت الأسعار في أوائل الثمانينيات، بالتزامن مع اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) التي استنزفت جزءًا كبيرًا من العائدات النفطية في المجهود الحربي.

وفي التسعينيات، جاءت حرب الخليج الأولى عام 1991 وما تبعها من عقوبات اقتصادية شديدة لتضرب الاقتصاد العراقي في مقتل، إذ تراجعت صادرات النفط إلى أدنى مستوياتها، واضطرت بغداد للقبول ببرنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي حدّ من قدرتها على استخدام إيراداتها بحرّية، وخلال تلك الفترة انهارت البنية التحتية، وتدهورت الخدمات الأساسية، واتسعت دائرة الفقر.

ومع سقوط النظام عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بإعادة فتح قطاع النفط أمام الاستثمارات الأجنبية، وتزايد الإنتاج تدريجيًا، ليصل إلى مستويات قياسية قاربت 4.6 مليون برميل يوميًا بحلول 2019، ولكن التحديات لم تختفِ، إذ ظل الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط في أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية، فيما بقيت القطاعات غير النفطية ضعيفة نسبيًا.

الأحداث الأخيرة، مثل انهيار أسعار النفط في 2014 بسبب طفرة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وأزمة 2020 الناتجة عن جائحة كورونا، أعادت التأكيد على هشاشة الاقتصاد العراقي أمام تقلبات السوق العالمية، ففي كل مرة تنخفض فيها الأسعار، تجد الحكومة نفسها أمام عجز مالي كبير، ما يضطرها إلى خفض النفقات أو الاقتراض أو تأجيل المشاريع.

نافذة فرص محدودة

يمتلك العراق مقومات اقتصادية ضخمة بفضل احتياطياته الهائلة من النفط والغاز، وموقعه الجغرافي، وقاعدته السكانية الشابة، ولكن هذه المقومات تحتاج إلى إدارة رشيدة، واستراتيجيات استثمارية طويلة الأمد، حتى تتحول إلى نمو مستدام.

الخطة الخمسية 2024 – 2028 قد تمثل بداية مسار جديد، لكن رياح سوق النفط وتقلبات الاقتصاد العالمي تعني أن نافذة الفرص لتحقيق أهدافها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، وإذا لم تُستثمر هذه السنوات في بناء اقتصاد متنوع ومرن، فقد يجد العراق نفسه بعد 2028 أمام تحديات أكبر مما يواجهه اليوم.

قد يهمّك أيضًا: صناعة الدواء في العراق تنهض من جديد

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة