تسبب العطل التقني لشركة مايكروسوفت، في خسائر فادحة تُقدر بمليارات الدولارات لعدد كبير من القطاعات المختلفة في كافة أنحاء العالم، حيث توقفت العديد من المطارات وشركات القطارات والطائرات والبورصات العالمية، بسبب الخلل الذي ضرب أنظمة الشركة.
وعلى الرغم من إعلان “مايكروسوفت” إصلاح السبب الأساسي لانقطاع تكنولوجيا المعلومات الشامل لتطبيقاتها، لكن التأثير المتبقي لا يزال يؤثر على بعض الخدمات.
العطل التقني لشركة مايكروسوفت
ويرى الدكتور رمزي الجرم الخبير المصرفي، إنه الخلل التقني الذي حدث صباح يوم 19 يوليو؛ الناتج عن عطل في أنظمة مايكروسوفت، والذي ضرب خطوط الطيران، والنظم الطبية، والسكك الحديدية، ووسائل الإعلام، يُنذر بكارثة حقيقية على كافة المستويات، حتى لو تم حل المشكلة في الوقت الراهن، نظرًا لأن هذا تطور نوعي يؤثر بشكل كبير للغاية على كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية وغيرها.
وأضاف الخبير، في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pediaمن جانب آخر، تم رصد تعطل نظام الحجز الطبي الذي يستخدمه الأطباء العاملون في بريطانيا، حيث أصبح غير متصل بالإنترنت، مما يلقي بظلاله على تهديد في مجال الصحة العامة، وهذا أمر في منتهى الخطورة، فضلاً عن أن هذا الخلل التقني أدى إلى تراجع في قيمة أسهم شركات التكنولوجيا في كافة البورصات العالمية، وبالأخص أسهم شركة مايكروسوفت التي تعتبر أكبر الشركات التكنولوجية في العالم، بالإضافة إلى إلغاء نحو أكثر من 2100 رحلة جوية.
جرس إنذار
تابع الجرم: والحقيقة أن العطل التقني الذي ضرب شركة مايكروسوفت، والذي يتبدى في مشكلة الوصول إلى تطبيقات وخدمات Microsoft 365، سوف يكون جرس إنذار في آذان صانعي القرار على مستوى العالم، وينذر بتوقع المزيد من تلك الأعطال أو الهجمات السيبرانية التي قد تحول العالم للعيش في ظلام دامس والرجوع للعصور الوسطى بين عشية وضحاها. فضلاً عن أن التكلفة الاقتصادية التي قد تترتب على ذلك لا يمكن لأحد أن يحصيها، نظرًا لكبر حجمها أو لأنها تندرج تحت طائفة الخسائر غير المحسوبة، على خلفية أنها ستبعد العالم عن استخدام التكنولوجيا الحديثة بشكل كامل، بعدما بات العالم يعتمد اعتمادًا كاملاً عليها.
وهذا التطور لا ينصرف على البعض دون الآخر، بل يمتد إلى الحياة اليومية بشكل كامل، نجد أن هذا الخلل من المتوقع أن يؤثر في التعامل مع ماكينات الصراف الآلي (ATM)، مثلاً، وعلى عمليات حجز القطارات والطيران والهواتف المحمولة، وانقطاع البث في وسائل الإعلام، كما حدث بالنسبة لقناة سكاي نيوز على خلفية ذلك.
وسائل بديلة
واختتم الخبير، هذا الأمر ربما سيدعو المتخصصين في مجال التكنولوجيا إلى استخدام وسائل بديلة، مع إجراء تجارب دورية مفاجئة، لكي يتم الاستعداد لأي تطورات قد تحدث في أي وقت. وبما يعني أن هذا العطل التقني ربما يؤكد فرضية “رب ضارة نافعة”، ويدعم ويعزز توقع مثل هذا الخلل في أي وقت، مع وضع الحلول البديلة والسريعة لتدارك ذلك.
وتوقع الدكتور عبدالرحمن طه، خبير الاقتصاد الرقمي أن يصل حجم خسائر الاقتصاد العالمي جراء ذلك الخلل إلى 300 مليار دولار، ويقول في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إن أسباب أزمات الإنترنت تندرج تحت الحرب العالمية الاقتصادية، التي بدأت منذ عام 2019 بالحرب البيولوجية (كورونا)، وتبعتها حرب سلاسل الإمداد وارتفاع سعر الفائدة على الدولار، ثم الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية، ليدخل المسرح السيبراني كأحد الجبهات الجديدة في الحرب العالمية الاقتصادية.
خسائر الجرائم السيبرانية
وأوضح طه إن خسائر الجرائم السيبرانية تجاوزت نصف تريليون دولار خلال الخمس سنوات الأخيرة، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، مشيراً إلى أن الجرائم السيبرانية تنقسم إلى ثلاثة أنواع: جرائم الهواة، وجرائم إرهابية، وحروب دولية، ومسرحها جميعًا هو المجال السيبراني، وخسائرها غالبًا ما تكون اقتصادية.
أما عن الشركات الأكثر تضررًا، فهي الشركات التي وجهت لها الضربات السيبرانية، وتتعاظم خسائرها الاقتصادية عندما يكون المستهدف بيانات العملاء وارتفاع حجم الفدية، أو عندما تكون مدرجة في سوق الأوراق المالية العالمية، إلا أن تلك الأخيرة تتعافى بمرور الوقت.
ويشير طه إلى أن الوصول لجبهة الحرب السيبرانية يدعو للتساؤل حول الجبهة التالية وشدتها وقوتها، خاصة وأن الجبهة التي يتم إدارة الصراع فيها لا تتوقف.
وعلق الدكتور أحمد شوقي الخبير المصرفي قائلًا : شهد الاقتصاد العالمي مؤخرًا تأثيرات كبيرة نتيجة تعطل خدمات شركة مايكروسوفت، والتي تعتبر من أهم الشركات التكنولوجية في العالم. هذا التعطل أثر بشكل مباشر على العديد من القطاعات الاقتصادية الهامة، مما أدى إلى خسائر مالية وتشغيلية كبيرة.
قطاع الطيران
وأضاف شوقي،في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia تعطل خدمات مايكروسوفت أدى إلى توقف رحلات شركات الطيران الكبرى مثل دلتا، يونايتد، وأمريكان إيرلاينز. هذا التوقف أضر بشدة بحركة السفر العالمية، حيث واجه المسافرون تأخيرات كبيرة وألغيت العديد من الرحلات. في مطار جاتويك بلندن، واجه الركاب تأخيرات في تسجيل الوصول والمرور عبر الأمن، مما أثر على سمعة المطارات وكفاءة عملياتها.
القطاع المالي
المؤسسات المصرفية كانت من بين القطاعات الأكثر تضررًا، العديد من البنوك، مثل ANZ وWestpac في أستراليا، واجهت صعوبات في تقديم خدماتها للعملاء. تأثرت أيضًا بورصة لندن للأوراق المالية، حيث عانت من مشاكل تقنية منعت نشر الأخبار المالية الهامة، مما أثر على قرارات المستثمرين وأسعار الأسهم.
قطاع الاتصالات والإعلام
القنوات الإخبارية مثل سكاي نيوز لم تتمكن من البث المباشر، مما أثر على تدفق المعلومات للمشاهدين. كذلك، تأثرت شركات الاتصالات مثل Visa وOptus في أستراليا، مما أدى إلى تعطيل خدمات الدفع الإلكتروني والاتصالات، وزاد من حالة الفوضى بين المستخدمين.
وبحسب الدكتور أحمد شوقي الخبير المصرفي، أثر تعطل خدمات مايكروسوفت أيضًا على قطاع التجارة، حيث واجهت سلاسل المتاجر الأسترالية صعوبات في عملياتها اليومية، وتأثرت أيضًا عمليات الشحن والنقل الجوي، كما هو الحال في مطارات مثل برلين وبراغ وإدنبرة، مما أدى إلى تأخيرات في تسليم البضائع وزيادة تكاليف التشغيل.
تقدير الخسائر الاقتصادية:
ويقول شوقي، لا يمكن تقدير الخسائر بدقة، ولكن يمكن القول إنها بمليارات الدولارات، نظرًا لتعدد القطاعات المتضررة واتساع نطاق التأثيرات، فتعطيل الخدمات أدى إلى فقدان الإنتاجية وتأجيل الصفقات التجارية وتعطيل الخدمات المالية، مما أثر سلبًا على الاقتصاد العالمي بشكل عام.
ولفت الخبير إلى أن تعطل خدمات مايكروسوفت، أبرز مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على التكنولوجيا، وهذه الحادثة تدفع نحو التفكير في أهمية بناء أنظمة تكنولوجية مرنة وقادرة على التعامل مع الأزمات، لتجنب الخسائر الاقتصادية الكبيرة في المستقبل.
خسائر شركة مايكروسوفت
وتعرضت شركة مايكروسوفت لخسائر مالية كبيرة بعد تعرض أنظمة الحوسبة التابعة لها لخلل تقني، وذكرت وسائل إعلامية أن مايكروسوفت خسرت ما يقرب من 60 مليار دولار بعد ساعات قليلة من حدوث العطل.
وأكد شوقي أن تكرار العطل قد يؤدي إلى خسائر أكبر للشركة، فضلاً عن تأثيره على المطارات والأنظمة العالمية التي تأثرت بسبب هذا الخلل.
ووفقًا للخبير يصنف تعطل نظام Microsoft العالمي ضمن مخاطر التشغيل operational risks في علم إدارة المخاطر؛ ومع دراسة الأسباب الرئيسية للعطل ما بين تحديث نظم و هجمات وخلافه؛ و أصبح أمام المؤسسات عالميا العديد من الخيارات:
- توقف الأعمال لحين رجوع النظام مرة أخرى. (البديل الأكثر تطبيقا؛ مع قياس حجم الخسائر غير المتوقعة)
- الرجوع لنظم العمل اليدوية لحين استعادة عمل النظام الآلي ( للتقليل من خسائر إخفاق النظم وتعطل الأعمال)
- البحث عن نظم عمل بديلة والتأمين من مخاطر تعطل النظم الآلية.
هياكل الشركات التمويلية
وأردف الخبير، كما تزداد حاليًا مخاطر الخسائر الناتجة عن حوادث الأمن السيبراني، والتي من المحتمل أن تتسبب في إشكاليات في هياكل الشركات التمويلية، وقد تهدد ملاءتها المالية. وقد ارتفع حجم الخسائر منذ عام 2017 بأكثر من أربعة أضعاف ليصل إلى 2.5 مليار دولار، مع تجاوز الخسائر غير المباشرة لهذه القيمة بكثير، بالإضافة إلى مخاطر أو خسائر السمعة والتحديثات الأمنية.
كما أوضح استبيان صندوق النقد الدولي على البنوك المركزية والسلطات الرقابية أن أطر سياسات الأمن السيبراني لا تزال غير كافية، ولا سيما في اقتصادات الدول والأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. حيث يطبق حوالي نصف البلدان فقط التي شملها الاستبيان استراتيجيات وطنية أو أطر تنظيمية مخصصة للأمن السيبراني في القطاع المالي.
حماية الأمن السيبراني
ولتعزيز صلابة القطاع المالي، شدد الخبير على ضرورة تبني السلطات الرقابية استراتيجيات وطنية شاملة لحماية الأمن السيبراني، مع أهمية التقييم الدوري لبيئة وآليات عمل الأمن السيبراني، وتحديد المخاطر النظامية المحتملة الناجمة عن الروابط والتركزات، والتي تشمل مقدمي الخدمات
في وقت سابق، علقت شركة مايكروسوفت على الخلل التقني في أنظمة الحوسبة، والذي أثر على العديد من دول العالم.
وأوضحت الشركة في بيان لها أن “العطل نجم عن خلل جعل الأجهزة التي تعمل بنظام ويندوز وكراودسترايك فالكون في وضع إعادة التشغيل المستمر”.
ومن جهته أكد جورج كورتز، الرئيس التنفيذي لشركة “كراودسترايك”، أن العطل الفني الذي حدث ليس نتيجة اختراق أمني أو هجوم سيبراني، وتم تحديد المشكلة ونشر آلية إصلاحها.
وأضاف كورتز أن الشركة تعمل جاهدة مع العملاء المتضررين من خلل وُجد في تحديث محتوى واحد يستهدف مضيفي نظام ويندوز، مؤكدًا أن مضيفي نظامي ماك ولينكس لم يتأثروا.
إقرأ أيضاً : حلم نووي بقيمة 130 مليار يورو شرق أوروبا.. هل يتحقق