ترامب ومودي: خلافات تجارية وتعاون استراتيجي بين أمريكا والهند
شهد اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نقاشات مكثفة حول العلاقات الاقتصادية بين أمريكا والهند، في ظل الخلافات التي نشأت بسبب الرسوم الجمركية الهندية على المنتجات الأمريكية. ورغم أنَّ مودي قدَّم وعودًا بشراء المزيد من النفط والغاز والطائرات المقاتلة الأمريكية، إلا أنَّ هذه التنازلات لم تكن كافية لإنهاء التوترات التجارية بين الجانبين.
العلاقات الاقتصادية بين أمريكا والهند
أكد مودي خلال المحادثات أن الهند تهدف إلى مضاعفة حجم التجارة مع الولايات المتحدة بحلول عام 2030، وهو هدف طموح يعكس رغبة نيودلهي في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن رغم التوترات التجارية الحالية.
إلا أن هناك بعض العقبات التي قد تؤخر هذا التعاون، مثل التحديات المتعلقة بالطاقة النووية، حيث لا تزال هناك عقبات قانونية تواجه مشاريع التعاون النووي بين البلدين، والتي كان من المفترض أن تتوسع منذ فترة طويلة.
لكن رغم العلاقة الجيدة التي جمعت ترامب ومودي خلال ولايته الأولى، إلّا أنَّ الرئيس الأمريكي لم يتردد في انتقاد السياسات التجارية الهندية، واصفًا الرسوم الجمركية الهندية بأنها “مرتفعة للغاية”. كما أكَّد أنَّ الولايات المتحدة ستتبع سياسة المعاملة بالمثل، قائلًا: “أيًّا كانت الرسوم التي تفرضها الهند، فإنّنا سنفرض مثلها”.
من جانبه، أكَّد مودي أنَّ الهند ستواصل حماية مصالحها الاقتصادية، مما يعكس تصاعد التوترات بين البلدين في هذا الملف.
معركة الرسوم الجمركية
خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب المحادثات، أعرب ترامب عن استيائه من الرسوم الجمركية التي تفرضها الهند على المنتجات الأمريكية، مشيرًا إلى أنَّها “غير عادلة وقوية للغاية”، وتؤثر بشكل مباشر في قدرة الشركات الأمريكية على الوصول إلى السوق الهندية. كما أوضح أنَّ مودي وافق مؤخرًا على تخفيض بعض الرسوم، لكنَّه شدَّد على أنَّ هذه الخطوة ليست كافية لحل جميع الخلافات التجارية.
وفي محاولة لحل هذه المشكلات، اتفق الزعيمان على العمل نحو اتفاق تجاري شامل، وأكَّد وزير الخارجية الهندي فيكرام ميسري أنَّ مثل هذا الاتفاق قد يتم التوصل إليه خلال الأشهر السبعة المقبلة، فيما أشار مسؤول أمريكي إلى أنَّه قد يتم الإعلان عنه خلال هذا العام.
اقرأ أيضًا: ترامب يشعل حربًا تجارية بفرض رسوم جمركية جديدة
صفقات دفاعية وأولوية للطاقة الأمريكية
أبدت الهند اهتمامًا متزايدًا بشراء المعدات الدفاعية الأمريكية، بما في ذلك طائرات مقاتلة بمليارات الدولارات. وخلال المؤتمر الصحفي، أشار ترامب إلى أنَّ واشنطن قد تصبح “المورد الأول” للنفط والغاز إلى الهند، مما يعزز التعاون الاستراتيجي بين البلدين في مجال الطاقة.
وكشف ترامب أيضًا أنَّ الولايات المتحدة تُمَهِّد الطريق لتزويد الهند بمقاتلات إف-35، إلا أنَّ وزير الخارجية الهندي أوضح لاحقًا أنَّ هذه الصفقة لا تزال في مرحلة الاقتراح، ولم يتم اتّخاذ أي خطوات رسمية بعد.
ومن ناحية أخرى، أشار أحد مستشاري ترامب إلى أنَّ زيادة مبيعات الأسلحة والطاقة للهند من شأنها أن تُساعد في تقليل العجز التجاري الأمريكي، والذي يبلغ حاليًا 45.6 مليار دولار مع الهند. وتعتبر هذه الصفقات جزءًا من استراتيجية واشنطن لزيادة الصادرات إلى الأسواق الآسيوية، خاصةً مع تصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين.
قضايا سياسية وأمنية على هامش المباحثات
إلى جانب القضايا التجارية، ناقش الزعيمان عدة ملفات أمنية وسياسية، أبرزها التعاون في مكافحة الإرهاب، وقد أعلن ترامب أنَّ الولايات المتحدة وافقت على تسليم أحد المشتبه بهم في هجمات مومباي 2008، والتي أودت بحياة أكثر من 160 شخصًا.
ومن جانبه، يقول الدكتور محمد كيلاني الخبير الاقتصادي: “رغم التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والهند، لا تزال هناك رغبة قوية من الجانبين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية؛ فبينما تخطط الهند إلى مضاعفة تجارتها مع أمريكا، تعمل إدارة ترامب على زيادة صادراتها من النفط والغاز والمعدات الدفاعية لتعزيز ميزانها التجاري”.
وأضاف في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنّه في ظل استمرار الخلافات حول الرسوم الجمركية وسياسات الحماية التجارية، يظل من غير الواضح ما إذا كان الطرفان قادرين على التوصل إلى اتفاق تجاري شامل في المستقبل القريب، أم أنَّ العلاقات ستظل محكومة بتوازن دقيق بين المصالح الاقتصادية والسياسية.
ومع تصاعد المنافسة الأمريكية مع الصين، قد ترى واشنطن في الهند شريكًا استراتيجيًا لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية، مما يعزز احتمالات إعادة النظر في سياسات ترامب التجارية السابقة تجاه الهند. ويرى كيلاني أنَّه رغم هذه الفرص، لا تزال هناك تحديات رئيسية قد تُعيق تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، أبرزها:
- السياسات الحمائية: من المحتمل أن يستمر ترامب في نهجه الحمائي، وهو ما قد يؤدي إلى فرض مزيد من الرسوم الجمركية على الصادرات الهندية.
- ملف التأشيرات والعمالة الهندية: أحد أهم الملفات التي قد تؤثر على العلاقات الاقتصادية هو سياسات الهجرة، فقد تتأثر تأشيرات العمل (H-1B) التي يعتمد عليها قطاع التكنولوجيا الهندي بشكل كبير.
- الطاقة والتكنولوجيا: يعد التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا من الملفات الحساسة التي قد تتأثر بسياسات ترامب تجاه الشراكات العالمية.
آفاق العلاقات بين البلدين
يقول الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إنّ “الهند قد تستفيد من عودة ترامب إذا استطاعت التفاوض على اتفاقيات تجارية تضمن لها امتيازات أفضل، خاصة في ظل توجه واشنطن نحو تقليل الاعتماد على الصين، لكنّ العقبات التي واجهتها العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال فترة ترامب الأولى لا تزال قائمة، وبالتالي فإنّ أيّ تحسن في العلاقات سيكون مشروطًا بتقديم تنازلات متبادلة”.
وأضاف أنَّ ملف العلاقات الاقتصادية بين أمريكا والهند سيظل رهينة التوازنات الجيوسياسية، حيث ستحاول الهند الاستفادة من التوتر الأمريكي الصيني لتعزيز علاقاتها التجارية مع واشنطن، لكن يبقى السؤال: إلى أيّ مدى سيكون ترامب مستعدًا لمنح الهند مزايا اقتصادية دون مقابل سياسي؟”.
واختتم الخبير تصريحاته مؤكدًا أنَّ احتمالات عودة العلاقات الاقتصادية بين أمريكا والهند بعد عودة ترامب تعتمد على عدة عوامل؛ من بينها السياسات الحمائية التي قد ينتهجها، وقدرة الهند على التفاوض لتحقيق مكاسب اقتصادية.
علاقات تجارية متوترة
شهدت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والهند تقلبات كبيرة خلال عهد دونالد ترامب الأول؛ حيث تميزت بالتوترات والمفاوضات المستمرة، لكنَّها لم تصل إلى حد القطيعة التامة، بل كانت هناك محاولات لتحقيق توازن جديد في الشراكة الاقتصادية بين البلدين. ومن أبرز ملامحها:
- إلغاء الامتيازات التجارية للهند
في عام 2019، قرّرت إدارة ترامب إنهاء الامتيازات التجارية للهند ضمن برنامج النظام المعمم للأفضليات (GSP)، مما أدى إلى فقدان الهند إعفاءات جمركية على صادراتها إلى السوق الأمريكية، ما أثر على أكثر من 5.6 مليار دولار من الصادرات الهندية.
- فرض رسوم جمركية
فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية على المنتجات الهندية، لا سيَّما الصلب والألمنيوم، وردت الهند بفرض تعريفات جمركية على المنتجات الأمريكية، مما أدى إلى توتر في العلاقات التجارية بين البلدين.
- الخلافات حول السياسات التجارية
شملت الخلافات أيضًا سياسات حماية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، وتنظيم شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل أمازون وجوجل في الهند؛ حيث حاولت نيودلهي فرض قيود على الشركات الأجنبية لحماية الشركات الهندية المحلية.
ورغم هذه التوترات، لم تصل العلاقات التجارية بين البلدين إلى مرحلة الانهيار، بل استمرت المفاوضات لتخفيف حدة النزاع، وقد تم التوصل إلى تفاهمات جزئية بشأن بعض القضايا، لكن لم يتم توقيع اتفاقية تجارية شاملة كما كان متوقعًا. وبعد انتهاء ولاية ترامب، عملت إدارة جو بايدن على إعادة تحسين العلاقات مع الهند، حيث تُعتبر نيودلهي شريكًا استراتيجيًا مهمًا لواشنطن، خاصةً في مواجهة النفوذ الصيني في آسيا.
توقّعات عام 2025.. تسارع نمو الاقتصادي العالمي تحت ضغط الرسوم الجمركية