تقرير: باسل محمود
في إحدى ليالي الشتاء، وقف هارولد داغيت، زعيم الاتحاد الدولي لعمال الموانئ، أمام آلاف العمال الذين تجمعوا في ميناء نيويورك ونيوجيرسي، وهو يصيح بحدة: “الأتمتة؟ على جثتي”، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال. كانت الأجواء متوترة، حيث كانت تقنيات الأتمتة الحديثة تقتحم الموانئ، مهددة بتغيير جذري في بيئة العمل.
بضع ساعات قبل منتصف الليل، انطلقت شرارة الإضراب الذي هز الموانئ على الساحل الشرقي للولايات المتحدة لمدة ثلاثة أيام، معيدة إلى الأذهان الصراع المستمر بين العمال والآلات.
لم يكن الإضراب مجرد رد فعل على الأجور، بل كان احتجاجًا ضد تغييرات عميقة تهدد مستقبل العمل في الموانئ، فقد عادت الآلات لتكون موضوعًا شائكًا يُشعر العمال بأنهم يقفون على حافة مستقبل مليء بالضبابية، وبينما حصل العمال على زيادة بنسبة 62% في الأجور، يبقى السؤال الأكبر قائماً: إلى متى يمكنهم الصمود أمام طوفان الأتمتة الذي لا يمكن إيقافه؟
نضال العمال ضد الآلات
منذ عقود، كانت الموانئ الأمريكية تتغير بوتيرة بطيئة، إلا أن الضغط المتزايد من الشركات العالمية على استخدام الأتمتة في كل زاوية من العمل دفع بعجلة التغيير، ففي مؤتمر الاتحاد الدولي العام الماضي عُرض مقطع فيديو لرجل يعمل مشغل رافعة في ميناء لوس أنجلوس، كان يُشير إلى الحاويات المكدسة، ويقول: “كل هذا مؤتمت، لا يوجد سائقون في تلك المركبات، إنها ليست مزحة”.
لكن داغيت لم يكن يرى الأمر على هذا النحو، فقد رد بقوة: “يقولون إن هذا هو المستقبل… لن يحدث هذا إلا على جثتي”، يُعتبر الصراع بين العمال والأتمتة تجسيدًا للصراع الأوسع الذي تشهده مختلف الصناعات في ظل التكنولوجيا المتطورة، حيث تحاول النقابات أن تحمي العمال من فقدان وظائفهم، بينما تتجه الشركات نحو تقنيات جديدة لتحسين الكفاءة والإنتاجية.
اقرأ أيضًا: شركة “IBM” تستبدل الآلات مكان البشر في 8 آلاف وظيفة
الإضراب والمفاوضات.. حدود الصمود
بعد إضراب دام ثلاثة أيام، عاد العمال إلى وظائفهم، ولكن ليس دون تكلفة، فعلى الرغم من أنّهم حصلوا على زيادة كبيرة في الأجور، إلا أنّ الاتفاق يمتد فقط حتى منتصف يناير المقبل، وفي ظل إصرار داغيت على رفض الأتمتة، يبقى مصير المفاوضات مهدداً، في حين تُصر العديد من الشركات البحرية على أن الأتمتة هي السبيل الوحيد لاستيعاب حجم البضائع المتزايد في الموانئ الضيقة الواقعة بالقرب من المدن الكبرى.
تتأخر الموانئ الأميركية بالفعل عن نظيراتها في أوروبا وآسيا من حيث الأتمتة، وتظهر هذه الفجوة بوضوح في التصنيف السنوي للبنك الدولي الذي يقيس إنتاجية الموانئ ومدة بقاء السفن في الموانئ، بينما تصر الشركات على أن الأتمتة تُعزز الإنتاجية وتخلق فرص عمل جديدة تتطلب مهارات عالية، فإن النقابات تشير إلى أن تلك الفرص لا تعوض الوظائف التي قد تُفقد.
الخوف من فقدان الوظائف
دراسة حديثة للأستاذ دارون عجم أوغلو، الاقتصادي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، تشير إلى أن ست وظائف تُفقد مقابل كل روبوت يتم إدخاله إلى الصناعة، وعلى مدار الثلاثين عاماً الماضية فُقد ما يقارب 700 ألف وظيفة في الولايات المتحدة بسبب الأتمتة.
واليوم مع ظهور الذكاء الاصطناعي، يخشى العديد من العمال أن المستقبل قد يحمل المزيد من الفقدان، ما يدفع العديد منهم إلى التساؤل: “كيف سيبدو هذا المشهد بعد خمس أو عشر سنوات؟”.
أما في في الموانئ، فإنّ هذا الخوف يمثل هاجساً مستمراً! تذكر مارك سانتورو، أحد مشغلي الرافعات في ميناء بايون، عندما تم إدخال رافعات مؤتمتة قبل 10 سنوات. في ذلك الوقت، اعتقد العمال أن الأتمتة ستزيد من حجم العمل، وبالتالي تخلق فرص عمل جديدة، ولكن ما حدث هو أن عدد المشغلين الذين كانوا يديرون 20 رافعة تقلص من 30 شخصاً إلى أربعة فقط.
“ربما لم نفقد وظائفنا بشكل مباشر، ولكن شعورنا بالتأثير كان فورياً”.. يقول سانتورو، الذي اضطر إلى البحث عن نوبات عمل في موانئ أخرى لتعويض الخسارة، ثُمّ يُضيف: “الأتمتة تؤثر على الجميع، وإذا كان لديك أطفال، فعليك أن تقلق”.
الآلات.. طوق النجاة أم نهاية العمال؟
على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل النقابات، يُصر التنفيذيون في صناعة الشحن على أن الأتمتة هي الحل لمواجهة تحديات المستقبل؛ حيث تحتاج الموانئ الأميركية إلى استيعاب كميات متزايدة من البضائع في مساحات محدودة.
في ميناء لونغ بيتش، الذي يُعتبر من بين أكثر الموانئ تطوراً في الولايات المتحدة، تم تثبيت رافعات مؤتمتة ومركبات ذاتية القيادة تقوم بنقل الحاويات، بالإضافة إلى أنظمة كاميرات وأجهزة كمبيوتر تقرأ الأكواد على الحاويات بشكل تلقائي.
يؤكد مسؤولو الموانئ أن هذه التقنيات ليست مجرد وسيلة لزيادة الكفاءة فحسب، فهي توفر أيضاً مستوى من التنبؤ والاستمرارية لا يمكن للبشر توفيره، ويقول أحد المسؤولين: “الآلات لا تأخذ إجازات ولا تتوقف للدردشة مع الزملاء في مواقف السيارات”. في ظل هذا الواقع، يبدو أن الأتمتة تقدم الحل الوحيد للحفاظ على تدفق البضائع بسلاسة!
النقابات في مواجهة التغيير
قاد الاتحاد الدولي لعمال الموانئ (ILA) ونظيره في الساحل الغربي، اتحاد عمال المستودعات والموانئ الدولية (ILWU)، حملة شرسة ضد الأتمتة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الشركات إلى إدخال تقنيات جديدة، تطالب النقابات بمزيد من الضمانات الوظيفية.
وعلى سبيل المثال، نجحت مفاوضات النقابات في إجبار بعض الموانئ على تقديم تنازلات مكلفة تتعلق بعدد العمال الواجب تعيينهم للعمل إلى جانب الآلات، وفي الموانئ الساحلية على الساحل الغربي، تم التوصل إلى اتفاق لتنفيذ الأتمتة في محطات محددة؛ بما في ذلك رافعات أطول يتم تشغيلها عن بُعد، ورافعات مؤتمتة لتنظيم أكوام الحاويات.
مع ذلك، يبقى العمال قلقين، فبينما يؤكد بعض المسؤولين أن الأتمتة لن تقلص عدد الوظائف، بل ستغير فقط طبيعة العمل، فإن العمال يرون أن هذه التغييرات تعني نهاية مهنتهم كما يعرفونها.
مواجهة بين العمال والآلات
معركة النقابات ضد الأتمتة ليست جديدة، فمنذ ظهور الروبوتات في صناعة السيارات في الستينيات، كانت النقابات تحاول مواجهة هذا المد، لكن في نهاية المطاف، كانت الآلات تفوز دائماً.
في ألمانيا، نجحت النقابات في التفاوض حول كيفية تنفيذ الأتمتة، مع التركيز على إعادة تدريب العمال وتأهيلهم لشغل وظائف جديدة، وهذه التجربة قد تكون درساً للولايات المتحدة حول كيفية التكيف مع الثورة التكنولوجية دون ترك العمال خلف الركب. يقول عجم أوغلو: “مقاومة الروبوتات ليست الحل، التحدي الحقيقي هو كيفية التكيف معها”!
يواجه العمال اليوم تحدياً جديداً: كيف يمكنهم العمل جنباً إلى جنب مع الآلات بدلاً من الخوف منها؟ ومع ذلك، ظلّ هارولد داغيت ثابتاً في موقفه، فهو لا يرى في الأتمتة سوى تهديد مباشر لرفاهية العمال ومستقبلهم.
وبينما يستعد العمال للعودة إلى طاولات المفاوضات في يناير المقبل يبقى السؤال: هل ستتمكن النقابات من تأخير تقدم الآلات، أم أن الأتمتة ستتغلب في النهاية؟
في نهاية المطاف، يُعتبر صراع العمال ضد الأتمتة تجسيداً لمعادلة معقدة تجمع بين التكنولوجيا والعمالة، وبينما تسعى الشركات نحو الكفاءة يبقى مستقبل آلاف العمال في خطر. ومع استمرار النقاشات حول الأتمتة ومكانة الإنسان في المستقبل، يُصبح التفكير في التوازن بين الابتكار وحماية حقوق العمال أمرًا حتميًا.