الطلب على الغاز الطبيعي.. زيادة وسط التوترات

تقرير: باسل محمود

يشهد سوق الغاز العالمي انتعاشًا قويًا في الطلب خلال هذا العام، حيث تعكس زيادة الطلب التعافي التدريجي من أزمة الطاقة العالمية التي أثرت بشدة على الأسواق خلال العامين الماضيين.

ويأتي هذا الانتعاش مصحوبًا بتحديات كبيرة على مستوى الإمدادات؛ إذ يستمر إنتاج الغاز الطبيعي المسال “LNG” في النمو بوتيرة بطيئة، مما يزيد من احتمالية حدوث تقلبات في الأسعار في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.

يقدم التقرير الأخير لوكالة الطاقة الدولية “IEA” نظرة شاملة حول وضع أسواق الغاز العالمية، ويوضح المخاطر التي قد تواجهها في المستقبل القريب.

انتعاش الطلب على الغاز الطبيعي في 2024

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يشهد عام 2024 زيادة في الطلب العالمي على الغاز بنسبة تفوق 2.5%، وهو معدل أعلى مما كان عليه خلال العامين الماضيين؛ حيث تأتي هذه الزيادة مدفوعة بتنامي الطلب في الأسواق الآسيوية سريعة النمو مثل الصين والهند، فطالما أنّ الاقتصاد مستمر بالتوسع، فإنّ الحاجة إلى الطاقة آخذة بالازدياد.

كما تشهد أوروبا، التي تأثرت بشكل كبير بأزمة الطاقة الأخيرة، انتعاشًا تدريجيًا في الطلب على الغاز الصناعي، خاصة في القطاعات الصناعية التي تعتمد كثيرًا على الغاز مثل البتروكيماويات، إلا أنّ الطلب الأوروبي ما يزال بعيدًا عن مستوياته التي كان عليها قبل الأزمة، ما يعني أن التعافي الكامل قد يتطلب بعض الوقت.

ومع ذلك، فإن عودة الطلب على الغاز الصناعي في أوروبا يظل عاملًا مهمًا في دعم السوق العالمي، خاصة في ظل استمرار تراجع الإمدادات الروسية من الغاز بسبب التوترات السياسية والجيوسياسية.

دور الغاز الطبيعي المسال في السوق العالمية

رغم الانتعاش في الطلب، فإن الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي ما تزال عرضة للكثير من التحديات؛ حيث يشير تقرير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نمو إنتاج الغاز الطبيعي المسال سيظل محدودًا في عام 2024، مع توقع حدوث زيادة كبيرة في الإنتاج بحلول عام 2025.

هذا التباطؤ في النمو يعكس التأخر في تشغيل بعض المشاريع الكبرى لإنتاج الغاز المسال، خاصة في أمريكا الشمالية وأفريقيا وآسيا؛ إذ تعتبر الولايات المتحدة أحد أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهي تستعد لزيادة إنتاجه بشكل كبير في السنوات المقبلة. مع ذلك، فإن هذه الزيادة لن تبدأ في التأثير على السوق حتى النصف الثاني من عام 2025، مما يعني أن الأسواق ستظل تحت ضغط حتى ذلك الوقت.

يُعتبر الغاز الطبيعي المسال عاملًا حاسمًا في الحفاظ على توازن العرض والطلب في السوق العالمي، خاصة في ظل تراجع الإمدادات من روسيا. ومع تزايد الطلب في آسيا وأوروبا، أصبح الغاز الطبيعي المسال مصدرًا رئيسيًا للطاقة في العديد من الدول. وعلى الرغم من التحديات اللوجستية التي تواجه هذا القطاع، مثل القيود المفروضة على الشحن عبر قناة بنما والبحر الأحمر، إلا أن إمدادات الغاز المسال لم تتأثر بشكل كبير حتى الآن.

اقرأ أيضا: أزمة الغاز لم تنته وتطرق أبواب أوروبا من جديد

تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الغاز

تعد التوترات الجيوسياسية أحد أكبر المخاطر التي تواجه السوق العالمي للغاز، إذ يُتوقع أن تكون الأشهر المقبلة حرجة بالنسبة لإمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، خاصةً وأنّ العقود الحالية المتعلقة بنقل الغاز عبر أوكرانيا ستنتهي مع نهاية عام 2024.

وفي حال توقفت هذه الإمدادات بالفعل، فإن أوروبا ستكون مضطرة لزيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال لتعويض هذا النقص، مما سيزيد من الضغط على السوق العالمي ويقوي المنافسة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وعلى ذلك، فإنّ التوترات القائمة بين روسيا وأوكرانيا، والتي أثرت على إمدادات الغاز منذ عام 2014، ما تزال تشكل تهديدًا كبيرًا للاستقرار في السوق الأوروبية.

مرونة سلاسل التوريد العالمية

للتعامل مع التحديات المتعلقة بالغاز الطبيعي، تشير وكالة الطاقة الدولية إلى ضرورة تعزيز مرونة سلاسل توريد الغاز الطبيعي المسال، كما أنّها توصي بتحسين سيولة السوق العالمي للغاز المسال، وتوسيع البنية التحتية للتخزين والاحتياطات الطوعية، فضلًا عن تعزيز التعاون الدولي بين الدول المنتجة والمستهلكة للغاز.

أحد الحلول المقترحة هو دمج نظام تخزين الغاز الأوكراني في السوق العالمية، الأمر الذي قد يوفر طوق نجاة لأوروبا في حال توقف الإمدادات الروسية. وقد بدأت بعض الدول بالفعل في اتخاذ خطوات لتعزيز أمن إمداداتها من الغاز، بما في ذلك زيادة الاستثمار في البنية التحتية للغاز المسال وتوسيع قدرتها التخزينية.

التحول نحو الطاقة النظيفة

على الرغم من التركيز الكبير على الغاز الطبيعي كوقود أساسي لتلبية احتياجات الطاقة العالمية، إلا أن التحول نحو الطاقة النظيفة يمثل جزءًا أساسيًا من الحلول المستقبلية. ولتحقيق ذلك، تعمل العديد من الحكومات والشركات على تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي، والانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

كما تشدد وكالة الطاقة الدولية على أهمية دمج الغازات منخفضة الانبعاثات في قطاعات مثل النقل والصناعة لتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي؛ حيث لا يعدّ هذا التحول ضروريًا لتحقيق أهداف المناخ العالمية فحسب، وإنما يلعب دورًا حيويًا لضمان استدامة أسواق الطاقة في المستقبل أيضًا.

اقرأ أيضا: الأوروبيون يرفعون الكرت الأحمر أمام سقف أسعار الغاز

التحديات المستقبلية للغاز في 2025

مع اقتراب عام 2025، فإنّ من المرجح أن يشهد السوق العالمي للغاز تغيرات كبيرة؛ حيث تشير التوقعات إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي المسال سينمو بنحو 6%، الأمر الذي سيُسهم في التخفيف من الضغوطات التي تعاني منها الأسواق حاليًا.

معظم هذه الزيادة ستأتي من أميركا الشمالية التي تستعد لإطلاق عدة مشاريع كبرى لإنتاج الغاز المسال، كما ستُسهم إفريقيا وآسيا في تعزيز الإمدادات العالمية، وهذا سيساعد بدوره في تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

حلول طويلة الأجل

في ظل التحديات التي تواجه السوق العالمية للغاز، يصبح من الواضح أن الحلول طويلة الأجل تتطلب تعاونًا دوليًا واسع النطاق، فمع تزايد الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، وخاصة في آسيا وأوروبا، يحتاج العالم إلى إيجاد حلول مبتكرة لضمان استقرار الإمدادات وتجنب التقلبات الحادة التي قد تؤثر على الاقتصاد العالمي.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أهمية التحول نحو الطاقة النظيفة كجزء من الحلول المستدامة، خاصة في ظل تزايد المخاوف البيئية والضغوط الدولية للحد من انبعاثات الكربون؛ إذ يتعين على الدول الاستثمار في تقنيات الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة لضمان مستقبل آمن ومستدام.

يمثل الغاز الطبيعي عاملًا حاسمًا في تلبية احتياجات الطاقة العالمية الحالية، إلا أنّه قد يواجه تحديات كبيرة في السنوات المقبلة، ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وتباطؤ نمو الإمدادات سيكون من الضروري تعزيز مرونة الأسواق، وتبني سياسات تدعم استدامة الإمدادات على المدى الطويل.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة