الفائض الأولي في الموازنة المصرية يقفز إلى 178 مليار جنيه

أعلنت وزارة المالية المصرية عن تسجيل ارتفاع كبير في الفائض الأولي بالموازنة العامة للدولة خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026 (يوليو-سبتمبر)، حيث بلغ الفائض نحو 178.7 مليار جنيه، مقابل 90 مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام المالي الماضي، أي بزيادة قدرها 88.7 مليار جنيه.

وأوضحت الوزارة، أن عجز الموازنة الكلي وصل إلى 516.5 مليار جنيه، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المالي الحالي، مقارنةً بـ 361.8 مليار جنيه تعادل 2.1% من الناتج المحلي خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مؤكدة أن تلك الأرقام تعبر عن نجاح الحكومة في الموازنة بين الإنفاق الضروري وتحقيق الانضباط المالي رغم الأوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية المعقدة.

الموازنة المصرية وتحسن المؤشرات المالية

أشار التقرير إلى أن التحسن في المؤشرات المالية جاء نتيجة نمو الإيرادات الضريبية بنسبة 37% مقارنة بالعام الماضي، لتسجل 566.2 مليار جنيه، مدعومًا بتعافي النشاط الاقتصادي المحلي، واستقرار سوق الصرف الأجنبي، وتحسن العلاقة بين الدولة ومجتمع الأعمال من خلال شراكات فعالة وتسهيلات تشريعية وضريبية. كما ساهمت ميكنة الإدارة الضريبية وتطبيق منظومة الفاتورة والإيصال الإلكترونيين في زيادة كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية، مما أدى إلى نمو متكامل في جميع أنواع الضرائب.

وأضاف التقرير أن إجمالي الإيرادات العامة ارتفع بمقدار 174.8 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، ليصل إلى 644.9 مليار جنيه، مقارنةً بـ 470 مليار جنيه في الفترة ذاتها من العام الماضي.

وأوضحت الوزارة أن الإيرادات الضريبية تمثل نحو 87.8% من إجمالي الإيرادات العامة، في حين تشكل الإيرادات غير الضريبية 12.2%، وهو ما يعكس اعتماد الدولة المتزايد على مواردها المحلية الذاتية بدلاً من الاعتماد على القروض والمنح كمصدر أساسي للتمويل.

وفي المقابل، سجلت المصروفات العامة ارتفاعًا بنسبة 39% أي بنحو 323.4 مليار جنيه، لتصل إلى 1.15 تريليون جنيه خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام المالي الجاري، مقابل 827.7 مليار جنيه خلال الفترة المقابلة من العام الماضي. وأرجعت الوزارة هذا الارتفاع إلى استمرار الحكومة في تنفيذ إجراءات الضبط المالي، مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتوجيه الموارد نحو تحسين الخدمات العامة والاستثمار في التنمية البشرية، مع الحفاظ على الإنفاق الموجه للقطاعات الاجتماعية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.

تحسين إدارة الدين العام

أكد التقرير أن وزارة المالية تعمل على تحسين إدارة الدين العام عبر توزيع أعباء مدفوعات الفوائد على مدار العام لتجنب الضغط على فترات معينة من الإنفاق، إلى جانب تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على حساب الخزانة الموحد، والالتزام بالحدود القانونية للاقتراض الداخلي والخارجي، كما تسعى الوزارة إلى خفض الاستثمارات العامة الممولة من الخزانة لتتوافق مع سقف الإنفاق الاستثماري المحدد عند 1.2 تريليون جنيه خلال العام المالي 2025/2026، في إطار سياسة تهدف إلى ترشيد النفقات وتحسين كفاءة الإنفاق العام دون التأثير على المشروعات ذات الأولوية التنموية.

وأوضح التقرير أن تحقيق هذا الفائض الأولي الكبير يعكس نجاح الدولة في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار المالي، مشيرًا إلى أن السياسات المالية الحالية تهدف إلى خفض نسبة العجز الكلي تدريجيًا وتحقيق استدامة مالية طويلة الأجل رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، كما أكد أن برنامج الإصلاح الاقتصادي مستمر بوتيرة ثابتة، مع التركيز على تعزيز الشفافية والانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي.

نتائج الربع الأول من الموازنة المصرية

قال الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد، إن نتائج الربع الأول من الموازنة العامة للدولة تظهر مؤشرات تفاؤلية مشجعة رغم التحديات، مشيرًا إلى أن تحقيق فائض أولي بنسبة 0.99% من الناتج المحلي الإجمالي يُعد إنجازًا مهمًا في ظل الظروف المالية العالمية وارتفاع أعباء خدمة الدين العام.

وأضاف جاب الله، في تصريحات إعلامية، أن تحسن الإيرادات الضريبية جاء نتيجة مباشرة لجهود الدولة في توسيع القاعدة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل من خلال التحول الرقمي الشامل في النظام الضريبي، لافتًا إلى أن 88% من الإيرادات العامة جاءت من الضرائب، في حين شكّلت القروض والمنح النسبة المتبقية، وهو ما يعكس –بحسب تعبيره– توجّه الحكومة نحو الاعتماد على مواردها الذاتية وتقليل الاعتماد على التمويلات الخارجية.

وأوضح أن التحدي الأكبر أمام الموازنة يتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام التي تستحوذ على أكثر من 60% من الإنفاق الحكومي، معتبرًا أنها المشكلة الرئيسية في هيكل المصروفات العامة، لكنه أكد أن هذا الوضع قابل للإدارة، موضحًا أن الحكومة بدأت بالفعل تنفيذ خطة لإعادة هيكلة الدين العام عبر إطالة آجال السداد، والتوسع في أدوات الدين طويلة الأجل، وجذب المؤسسات الاستثمارية المحلية والدولية للمشاركة في السوق المحلية، وهو ما من شأنه أن يخفف عبء خدمة الدين تدريجيًا خلال الفترات المقبلة.

اقرأ أيضًا: هل تنجح حزمة الإجراءات الضريبية الجديدة في إنقاذ الاقتصاد المصري؟

خفض أسعار الفائدة وضبط الإنفاق

أشار الدكتور وليد جاب الله إلى أن اتجاه أسعار الفائدة نحو الانخفاض بعد سلسلة من قرارات خفض الفائدة من قبل البنك المركزي -بلغت أكثر من ثلاث مرات خلال 2025- سيؤدي إلى تراجع تكلفة التمويل الداخلي، ما سينعكس إيجابيًا على الموازنة العامة ويحسن مؤشرات الدين والعجز، خاصة مع توقعات بمزيد من التيسير النقدي قبل نهاية العام.

ولفت جاب الله إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على ضبط الإنفاق وترشيد المصروفات من خلال إعادة هيكلة الدعم، وتوجيه الموارد إلى القطاعات الإنتاجية والمشروعات القومية التي تحقق عائدًا اقتصاديًا ملموسًا، مؤكدًا أن نتائج هذه الخطوات ستظهر بوضوح في الربعين الثاني والثالث من العام المالي الجاري.

توسيع القاعدة الضريبية وتأثيرها على المواطنين

في ما يتعلق بتوسيع القاعدة الضريبية دون المساس بالمواطنين، أوضح جاب الله أن الهدف ليس فرض ضرائب جديدة بل دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية عبر التحول الرقمي الكامل للضرائب وتوسيع رقعة التحصيل الإلكتروني، مؤكدًا أن ذلك سيحدّ من التهرب الضريبي ويرسخ العدالة في توزيع الأعباء المالية.

وأضاف أن مقارنة مصر بدول أخرى أظهرت أن أولوية خدمة الدين في الإنفاق العام هي استثناء مؤقت فرضته الظروف المالية والفوائد المرتفعة، وليس خللًا هيكليًا في الموازنة، متوقعًا أن ينخفض هذا العبء مع تحسن مؤشرات الاقتصاد واستقرار السوق النقدي.

تحسن قيمة الجنيه

أشار جاب الله إلى أن من بين المؤشرات الإيجابية البارزة أيضًا تحسن قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، إذ جرى تحديد سعر الدولار في الموازنة عند 77 جنيهًا، بينما يُتداول فعليًا عند 47 – 48 جنيهًا، وهو ما يعد عاملاً داعمًا للموازنة العامة في تقليل أعباء الاستيراد وخدمة الدين الخارجي، كما أن استقرار أسعار النفط عالميًا أسهم في تخفيف الضغوط على فاتورة الطاقة وتحسين ميزان المدفوعات.

برنامج الطروحات والإصلاحات الحكومية

أكد جاب الله أنَّ برنامج الطروحات الحكومية يمثل أداة محورية لزيادة الإيرادات غير الضريبية، لكنه أوضح أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعداد الحكومة للبيع، بل في استعداد المستثمرين للشراء، مشيرًا إلى أن الحكومة مطالبة بإدارة الملف بذكاء لضمان تحقيق عائد عادل يتناسب مع قيمة الأصول، خاصة في ظل ارتباط تنفيذ البرنامج بالمراجعتين الخامسة والسادسة مع صندوق النقد الدولي.

وأضاف أن نجاح الحكومة في تنفيذ التزاماتها الإصلاحية سيعزز من ثقة الصندوق والمستثمرين الدوليين، ويتيح لمصر الحصول على دفعات تمويل إضافية، داعمًا بذلك استقرار الاقتصاد الكلي، كما أكد أن التعاون المستمر بين الحكومة والصندوق يهدف إلى توسيع قاعدة الملكية العامة بشكل منظم وشفاف يحقق القيمة العادلة للأصول ويجذب استثمارات طويلة الأجل.

واختتم الدكتور وليد جاب الله تصريحاته بالتأكيد على أن نتائج الربع الأول من الموازنة العامة تعكس بداية مسار مالي إيجابي، مشيرًا إلى أن العام المالي الحالي قد يشهد تحسنًا تدريجيًا في مؤشرات الدين والعجز بفضل استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وانخفاض تكاليف التمويل، ونجاح الدولة في تعظيم مواردها الذاتية دون فرض أعباء إضافية على المواطنين.

اقرأ أيضًا: القطاع المصرفي المصري يتجه نحو التمويل غير المصرفي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة