الفلوس تحت المخدة أو الزليجة .. ظاهرة الاقتصاد الموازي في المغرب
في إطار جهود المغرب لمعالجة ظاهرة تداول الأموال خارج النظام المصرفي، أعلنت الحكومة المغربية عن اتخاذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى تنظيم هذه الظاهرة وتعزيز الشفافية المالية. وتأتي هذه الخطوات في وقت يبلغ فيه الناتج الداخلي الخام للبلاد حوالي 1700 مليار درهم، بينما يتم تداول ما يقرب من نصف هذا الرقم نقدًا من خلال استثمارات ومعاملات تجارية متنوعة.
الإجراءات الحكومية للحد من تداول النقد خارج البنوك
قدمت الحكومة فرصة لأصحاب الأموال الكبيرة لتسوية وضعيتهم عبر أداء نسبة 5% فقط من إجمالي المبلغ، بشرط التصريح به وإيداعه في البنوك لتجنب العقوبات الصارمة. وأعلنت الدولة عن خطط لتطبيق ضرائب تتراوح بين 30% و37% على الأموال النقدية غير المصرح بها إذا استُخدمت في معاملات تجارية مستقبلية، وذلك بهدف تعزيز النظام المالي وتشجيع المواطنين على الاعتماد على البنوك كوسيلة لإجراء معاملاتهم، بما يضمن تحقيق الشفافية والحد من الاقتصاد الموازي.
وأبدت حكومة المغرب هذه المرة عزيمة واضحة لتفعيل آليات المراقبة بدءًا من عام 2025، وترتبط هذه الخطوات بالالتزامات الاقتصادية الثقيلة للدولة، مثل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، وتقديم الدعم الاجتماعي المباشر، فضلاً عن الاستعدادات لاستضافة كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، ما يجعل من الضروري توسيع القاعدة الضريبية وضمان مشاركة الجميع في تمويل الجهود التنموية.
في ضوء هذه الإجراءات، تسعى الحكومة لتوجيه رسالة واضحة للمواطنين مفادها أن التعاون مع هذه المبادرة سيجنبهم المخاطر المالية المستقبلية، وسيسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الضريبية.
تنظيم الأصول المشفرة: كيف يدعم الاقتصاد ويُعزز الاستقرار المالي في المغرب؟
تحديات التهميش المالي في المغرب
من جانبه، صرح الدكتور محمد بنموسى، الخبير الاقتصادي، بأن تداول النقد خارج النظام المصرفي في المغرب أصبح يشكل تحديًا كبيرًا للنظام المالي والاقتصادي في البلاد، موضحًا أن هذه الظاهرة تتزايد بسبب مجموعة من الأسباب التي تتعلق بعدم قدرة العديد من المواطنين على الوصول إلى الخدمات المصرفية، خصوصًا في المناطق الريفية والنائية.
وقال بنموسى في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا إنَّ التهميش المالي هو أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع المواطنين إلى التعامل بالنقد، حيث يعاني الكثير منهم من نقص في الخدمات البنكية والفرص الرقمية التي تمكنهم من إجراء المعاملات المالية عبر البنوك، وأضاف أنه في ظل هذا الوضع يفضل الكثيرون التعامل النقدي المباشر لسهولة الوصول إليه وتفادي التعقيدات التي قد تنشأ من استخدام القنوات المصرفية.
وأشار إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يعد من العوامل المحورية التي تساهم في تفشي هذه الظاهرة، وقال: “الكثير من الأنشطة التجارية الصغيرة والحرفية في المغرب لا تتمتع بتوثيق رسمي، وهذا يعزز من الاعتماد على النقد كوسيلة أساسية للتداول، الأمر الذي يعمق من انتشار الاقتصاد غير الرسمي”. وأكد على أن هذا النوع من الاقتصاد لا يساهم بشكل كافٍ في الإيرادات العامة للدولة، ويصعب من إمكانية تطبيق السياسات الاقتصادية بشكل فعال.
جمع الضرائب ومخاطر الاقتصاد غير الرسمي
تحدَّث بنموسى عن المخاطر التي قد تترتب على تداول الأموال خارج البنوك في المغرب، موضحًا أن هذه الظاهرة تساهم في تقليص قدرة الدولة على جمع الضرائب بشكل صحيح، وأضاف: “عندما يتم تداول الأموال بشكل غير رسمي، يصبح من الصعب مراقبة تدفقات المال، ما يتيح الفرصة لانتشار الأنشطة غير المشروعة مثل غسيل الأموال”. وأشار أيضًا إلى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى التقلبات في الأسعار والتضخم، مما يضر بالاقتصاد الوطني بشكل عام.
وفيما يخص دور الدولة في مواجهة هذه الظاهرة، أكد الدكتور بنموسى على أهمية تعزيز الشمول المالي، وقال: “يجب على الدولة العمل على تحسين الوصول إلى الخدمات المصرفية، وتوسيع نطاق البنوك في المناطق التي تفتقر إليها، بالإضافة إلى تطوير الوسائل الرقمية التي تتيح للأفراد إجراء المعاملات المالية بسهولة وأمان”.
كما أشار إلى ضرورة نشر التوعية المالية بين المواطنين، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الوعي الكافي بأهمية النظام المصرفي وضرورته في الحياة اليومية، وأضاف أن على الدولة أن تضع استراتيجيات فعّالة تشجع الناس على استخدام القنوات المصرفية الرسمية، بدلًا من تداول النقد بشكل غير قانوني.
وأكد أيضًا على ضرورة تشديد الرقابة على الأنشطة الاقتصادية ومكافحة التهرب الضريبي، مشيرًا إلى أن تطبيق القوانين بشكل صارم ومراقبة العمليات المالية غير المشروعة يمكن أن يساعد في تقليص حجم تداول النقد خارج البنوك. وأوضح أنَّه من خلال إصلاح النظام الضريبي، وتحسين آليات تحصيل الضرائب، يمكن أن تتمكن الدولة من تقليص الحوافز التي تدفع الأفراد إلى التعامل بالنقد بعيدًا عن النظام المصرفي.
وفي ختام تصريحاته، أشار بنموسى إلى أن مواجهة هذه الظاهرة يتطلب تضافر جهود الدولة والمؤسسات المالية والمجتمع المدني لتحقيق الاستقرار المالي وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، مع ضمان أن يكون جميع المواطنين قادرين على الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية التي تقدمها البنوك والمؤسسات المصرفية.
اقرأ أيضًا: هل يساهم سوق القروض المتعثرة في استقرار القطاع المصرفي المغربي؟
تأثير نمو الاقتصاد الموازي على الدولة والأفراد
من جهته، يقول الدكتور محمد جدري، الخبير الاقتصادي، إنّه في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، يبرز تداول الأموال النقدية خارج النظام المصرفي كإحدى الظواهر التي تهدد استقرار الاقتصاد الوطني، ويُشير إلى أنَّ تداول النقد خارج الأطر الرسمية قد يبدو خيارًا سهلًا وسريعًا للتعاملات المالية، إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته العديد من المخاطر الجسيمة على مستوى الأفراد والدولة على حد سواء، ويؤكد أن هذه الظاهرة تتطلب اهتمامًا جادًا لما لها من آثار سلبية قد تهدد استقرار الاقتصاد الوطني بشكل عام.
وأوضح جدري أن تداول الأموال خارج النظام المصرفي يعني غياب أي سجل واضح لهذه المعاملات، مما يجعل من الصعب تتبع الأموال أو الكشف عن مصادرها، وهذه المعضلة تفتح الباب أمام جرائم اقتصادية خطيرة مثل غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
وعندما يتم تداول النقد بعيدًا عن القنوات المصرفية الرسمية، تضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب والرسوم المستحقة، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان إيرادات ضخمة كان من الممكن استخدامها في تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة مثل التعليم والصحة، ما ينعكس سلبًا على التنمية الوطنية.
وقد اتفق جدري مع رأي بنموسى مؤكدًا أن تداول الأموال خارج النظام المصرفي يعزز من نمو الاقتصاد الموازي أو “غير الرسمي”، الذي لا يخضع لرقابة الحكومة أو التخطيط الاقتصادي، ما يعيق قدرة الدولة على وضع سياسات اقتصادية فعّالة تلبي احتياجات المجتمع وتحقق التنمية المستدامة.
ولفت إلى أن الاحتفاظ بالأموال نقدًا يعرض الأفراد لمخاطر متعددة، مثل السرقة والضياع، وحتى الكوارث الطبيعية كالحرائق، وعلى النقيض فإنّ الأنظمة المصرفية توفر حماية متقدمة للأموال من خلال التأمين على الودائع والخدمات المصرفية الرقمية.
وأشار إلى أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على تداول النقد خارج النظام المصرفي تعاني من تذبذب في السيولة وعدم استقرار الأسعار، مما يؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد، ويؤدي إلى صعوبة الوصول إلى التمويل والخدمات المالية.
كما أنّ الأموال المتداولة خارج المصارف تفقد صلتها بالنظام المالي الرسمي، مما يعيق استفادة الأفراد والشركات من خدمات أساسية مثل القروض البنكية والتأمين والاستثمارات. وأضاف أن هذه العزلة المالية تحد من فرص النمو الاقتصادي وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تُعد العمود الفقري للاقتصادات الناشئة.
من ناحية أخرى، أشار جدري إلى أن تزايد المعاملات النقدية خارج النظام المصرفي يضطر البنوك إلى تخصيص موارد إضافية لمحاولة جذب هذه الأموال، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وهذا ينعكس في النهاية على العملاء من خلال زيادة الرسوم البنكية، ويشكل عبئًا إضافيًا على المواطنين.
موضوع ذو صلة: المغرب.. قوة صاعدة في صناعة الطيران
حلول جذب النقد إلى البنوك
أشار الخبير إلى ضرورة تطبيق سياسات متكاملة تسهم في جذب الأموال النقدية إلى النظام المصرفي في المغرب، ومن بين أبرز هذه الحلول المقترحة تعزيز الشمول المالي عبر توفير خدمات مصرفية مرنة تلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع، لا سيما الفئات الأقل دخلًا أو التي تعيش في المناطق الريفية.
كما شدد على أهمية التوعية الاقتصادية، بحيث يتم نشر الوعي حول فوائد التعامل مع البنوك والمخاطر المرتبطة بتداول الأموال خارج النظام المصرفي، وأضاف أنه يجب تقديم حوافز مالية وتشجيعية، مثل تخفيض الرسوم البنكية أو تقديم مزايا إضافية للمدخرين، فضلًا عن تطبيق قوانين صارمة ضد الأنشطة المالية غير المشروعة، مع تشجيع الإبلاغ عن أي معاملات مشبوهة.
واختتم الخبير تصريحاته بالتأكيد على أنّ وجود نظام مصرفي قوي وشامل هو أساس استقرار أي اقتصاد، وأنه من خلال الحد من تداول الأموال خارج النظام المصرفي يمكن تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، وحماية الموارد الوطنية، وضمان استفادة جميع المواطنين من الخدمات المالية الحديثة.
السياسات النقدية العالمية ترسم ملامح أسعار الذهب في 2025.. هل يبقى الخيار الآمن؟!
