الليلة.. الفيدرالي الأمريكي يحسم مصير الفائدة

تشهد الولايات المتحدة حالة من الترقب الحذر لقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في وقت تتقاطع فيه المتغيرات الاقتصادية مع الضغوط السياسية بصورة غير مسبوقة، وبينما ينتظر المستثمرون إعلان الفيدرالي الأمريكي عن أول خفض لأسعار الفائدة خلال عام 2025، تتزايد المخاوف من أن تكون استقلالية البنك المركزي مهددة بفعل التدخلات السياسية المباشرة للرئيس دونالد ترامب، والانقسامات العميقة داخل مجلس الحكام.

الفيدرالي الأمريكي يقف عند مفترق طرق تاريخي

وأكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي والاقتصادي، أن الفيدرالي الأمريكي يواجه “اختباراً حقيقياً لمصداقيته واستقلاليته”، مشدداً على أن قرار اليوم لن يكون مجرد تحريك لمعدل الفائدة، بل “إشارة اقتصادية وسياسية قد تحدد المسار الكامل للاقتصاد الأمريكي في المرحلة المقبلة”.

وأوضح شوقي أن التوقعات تميل إلى خفض بمقدار 25 نقطة أساس نتيجة تباطؤ سوق العمل، لكنه حذر من أن حجم التخفيضات المستقبلية وتوقيتها لا يزالان غير محسومين، وقال: “الغموض المسيطر على قرارات الفيدرالي في هذا التوقيت يزيد من حالة القلق في الأسواق ويؤثر مباشرة على ثقة المستثمرين العالمية”.

وأشار الخبير المصرفي إلى أن التدخلات السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاوزت كل الخطوط التقليدية، موضحاً أن الرئيس لم يكتف بالضغط العلني على الفيدرالي لخفض الفائدة، بل أقدم في أغسطس الماضي على إقالة الحاكمة ليزا كوك، ما فجّر نزاعاً قانونياً واسعاً.

وأضاف شوقي: “الأزمة لم تتوقف هنا، إذ بادر ترامب أيضاً بتعيين مستشاره الاقتصادي ستيفن ميران عضواً في مجلس الحكام، بعد استقالة مفاجئة لأحد الأعضاء، وقد أدى ميران اليمين الدستورية عقب تصويت مثير للجدل في مجلس الشيوخ، لينضم إلى اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الجهة المخولة بتحديد أسعار الفائدة”.

ولفت شوقي إلى أن هذا التعيين أثار موجة من الجدل، لأن ميران لم يستقل من منصبه في البيت الأبيض بل اكتفى بتقديم “إجازة”، وهو ما يعكس حجم التشابك بين السياسة وصناعة القرار النقدي، مؤكداً أن هذه الممارسات “تضعف من استقلالية الفيدرالي وتزيد مخاطر خضوعه للتوجهات السياسية قصيرة الأمد”.

اقرأ المزيد: مورغان ستانلي يتوقع دورة خفض جديدة للفائدة الأمريكية حتى 2026

الفيدرالي يحدد اتجاه الأسواق العالمية

من جانبه، اعتبر الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن قرار الفيدرالي الأمريكي اليوم يمثل “علامة فارقة” في مسار الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الأسواق المالية تترقب بقلق لمعرفة ما إذا كان البنك سيكتفي بخفض الفائدة 25 نقطة أساس أو سيُقدِم على خطوة أكبر بخفض 50 نقطة أساس.

وقال عبد الهادي: “الأنظار لا تتركز فقط على القرار ذاته، بل على التصريحات التي سيدلي بها جيروم باول رئيس الفيدرالي بعد الاجتماع، لأنها ستشكل خريطة طريق للمستثمرين في المرحلة المقبلة”.

وأضاف أن الأسواق الأمريكية عكست حالة الحذر، إذ انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.13% لكنه ظل فوق مستوى 6600 نقطة، بل ولامس رقماً قياسياً جديداً خلال الجلسة، وتابع: “هذا يعكس أن المستثمرين اختاروا الانتظار وعدم اتخاذ مراكز كبيرة حتى تتضح الصورة الكاملة”.

انقسامات داخلية ومعضلة “الركود التضخمي”

توافق الخبيران شوقي وعبد الهادي على أن الانقسامات داخل اللجنة الفيدرالية أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فبينما يرى فريق ضرورة الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة للسيطرة على التضخم، يدفع فريق آخر باتجاه التيسير النقدي لدعم سوق العمل المتدهور.

وقال شوقي: “السيناريو الأكثر ترجيحاً هو خفض الفائدة بـ25 نقطة أساس، وهو إجراء لم يحدث منذ عام 2019، لكن القضية أعمق من مجرد خفض أو تثبيت، لأن الاقتصاد الأمريكي يواجه معضلة الركود التضخمي، أي تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في وقت واحد”.

وأضاف عبد الهادي: “الأسواق ستتأثر بشكل ملموس فقط في حال جاء القرار مفاجئاً بخفض 50 نقطة أساس، أو إذا اتخذ باول خطاباً متشدداً أو متساهلاً بشكل حاد، اما خفض 25 نقطة أساس فسيبقى في إطار المتوقع، لكنه سيمهد الطريق لتوجه أكثر وضوحاً في الاجتماعات المقبلة”، مشيراً إلى أن السوق تترقب ما إذا كانت التوقعات الرسمية ستشير إلى خفضين أو ثلاثة إضافية خلال الفترة المقبلة.

انعكاسات على العملات والنشاط الاقتصادي

يرى عبد الهادي أن قرار خفض الفائدة سيمنح الاقتصاد الأمريكي دفعة قصيرة الأجل، خاصة مع صدور بيانات ضعيفة عن سوق العمل وابتعاد التضخم عن مستهدف الفيدرالي البالغ 2%، لكنه حذّر من أن أي خضوع للضغوط السياسية قد يقود إلى نتائج “أقل من المستوى الأمثل”، مع احتمالات أكبر لارتفاع التضخم وتباطؤ النمو.

الوأضاف أن الدولار الأمريكي يواصل التراجع أمام سلة من العملات، حيث هبط إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات مقابل اليورو، وهو ما يعكس “حالة عدم اليقين التي تخيم على المستثمرين في جميع أنحاء العالم”.

وأشار شوقي إلى أن التاريخ يعيد نفسه، قائلاً: “في السبعينيات واجه الاقتصاد الأمريكي أزمة شبيهة من الركود التضخمي، وعندما تدخلت السياسة بشكل مباشر في قرارات الفيدرالي، استمرت الأزمات لفترة أطول مما كان متوقعاً، واليوم هناك خشية من تكرار السيناريو نفسه إذا لم يتم تحييد الاعتبارات السياسية”، مضيفاً أن الأسواق الناشئة ستكون الأكثر عرضة للتقلبات نتيجة أي هزة في السياسة النقدية الأمريكية.

أما عبد الهادي، فشدد على أن قرار الليلة “لا يُقاس فقط بتأثيره على أسعار الفائدة، بل بقدرته على رسم خريطة جديدة للتوازن بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية”، مؤكداً أن “كل كلمة سيتفوه بها جيروم باول ستكون تحت مجهر المستثمرين، لأنها قد تحدد كفة التيسير أو التشدد النقدي في أكبر اقتصاد في العالم”.

وفي النهاية، يتعيّن على الفيدرالي الأمريكي الموازنة بين ضغوط السياسة الداخلية وتحديات الاقتصاد الكلي العالمي، وفقًا للخبيرين.

اقرأ أيضًا: اليورو على مشارف 1.2 دولار.. ما دلالات الصعود الحالي؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة