الفيدرالي الأمريكي يثبت أسعار الفائدة.. اقتصاد الحرب يفرض كلمته

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال اجتماعه المنعقد في 18 مارس 2026 على أسعار الفائدة دون تغيير، لتظل في نطاق بين 3.5% و3.75%، ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه البيانات الاقتصادية حالة من التباطؤ، إلى جانب تصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي ألقت بظلالها على الأسواق العالمية، خاصة من خلال ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد.

وجدت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نفسها أمام معادلة صعبة، تتمثل في تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم المرتفع، والتعامل في الوقت نفسه مع مؤشرات ضعف سوق العمل، وازدادت التحديات مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 27% منذ اندلاع الحرب، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يتحملها المستهلك الأمريكي.

هل ينجح الفيدرالي في عزل صدمات الطاقة؟

رغم أن الاحتياطي الفيدرالي يميل عادة إلى تجاهل التأثيرات التضخمية الناتجة عن صدمات الأسعار قصيرة الأجل، فإن حالة عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب تثير تساؤلات حول مدى استمرارية هذا النهج، خاصة إذا تحولت الضغوط الحالية إلى موجة تضخم ممتدة.

وتشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى تباطؤ في النمو وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما دفع الأسواق إلى تقليص توقعاتها بشأن خفض أسعار الفائدة، لتصبح مرة واحدة فقط خلال العام الجاري، بعد أن كانت تشير إلى أكثر من ذلك.

وفي هذا الشأن، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب تعقّد المشهد الاقتصادي العالمي، يجعل من غير المرجح استمرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نهجه التيسيري خلال الفترة الحالية.

الأسباب الهيكلية خلف التثبيت

أوضح شوقي أن هذا التوجه الحذر يعود إلى عدة عوامل رئيسة، في مقدمتها استمرار معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2%، حيث يسجل نحو 2.4%، مع بقاء التضخم الأساسي عند مستويات أظهرت قدرًا من الصلابة، ما يحدّ من قدرة الفيدرالي على بدء دورة تيسير نقدي سريعة.

وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يزيد من الضغوط التضخمية ويجعل أي قرار بخفض أسعار الفائدة محفوفًا بالمخاطر في الوقت الراهن.

وفيما يتعلق بسوق العمل، لفت شوقي إلى أن نتائج تقرير الوظائف لشهر فبراير جاءت ضعيفة نسبيًا، بما يعكس هشاشة في استقرار سوق العمل، لكن ذلك لم يدفع الفيدرالي نحو خفض الفائدة في الوقت الحالي، خاصة في ظل المخاطر التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الإقليمية.

وأكد أن مستويات النمو الاقتصادي ما تزال مقبولة نسبيًا، وهو ما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة للإبقاء على سياسته النقدية المقيدة لفترة أطول دون مخاوف كبيرة من الدخول في ركود حاد.

واختتم شوقي تصريحاته بالإشارة إلى أن الأسواق تواصل متابعة أي مؤشرات على تباطؤ اقتصادي محتمل، قد تدفع الفيدرالي إلى تغيير سياسته والتوجه نحو خفض أسعار الفائدة في مراحل لاحقة.

اقرأ أيضًا: نفط إيران يعبر مضيق هرمز تحت عين واشنطن

كيف تستنزف العمليات العسكرية الموازنة الأمريكية؟

من جانبها، صرّحت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، بأنّ أن ضعف الدولار الأمريكي أمام سلة العملات دفع الفيدرالي إلى تجنب خفض أسعار الفائدة في الوقت الراهن، خاصة في ظل ظروف استثنائية، حيث يمثل تثبيت الفائدة أداة مهمة لدعم العملة الأمريكية ومنع مزيد من التراجع.

وأضافت أن الاقتصاد الأمريكي يمر حاليًا بمرحلة يمكن وصفها بـ“اقتصاد الحرب”، نتيجة العمليات العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة على إيران، والتي تفرض أعباء مالية كبيرة على الموازنة العامة، مع استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري.

وأشارت إلى أن الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط عالميًا خلال الفترة الأخيرة انعكس بشكل مباشر على المواطن الأمريكي، حيث ارتفعت تكلفة المعيشة، وهو ما يضيف ضغوطا تضخمية على الاقتصاد، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا واسعًا في أسواق الطاقة، سواء من خلال إنتاجها المحلي أو تأثيرها في أسواق النفط العالمية، بما في ذلك النفط الروسي والفنزويلي.

كما أكدت رمسيس أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يخدم في جانب منه المصالح الأمريكية، إذ يحقق عوائد للخزانة العامة، ويدعم كذلك مصالح حلفاء واشنطن، خاصة في منطقة الخليج، وأوضحت أنه رغم إمكانية بقاء الأسعار عند مستويات أقل من 80 دولارًا للبرميل، فإن تجاوزها حاجز 100 دولار قد يكون أكثر فائدة من الناحية المالية والاستراتيجية.

وفي هذا السياق، حذّرت الخبيرة من أنّ استمرار الحرب وما يصاحبها من استنزاف مالي قد يؤدي إلى بعض التشوهات في مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بمعدلات التوظيف وبيانات سوق العمل، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية.

واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن قرارات السياسة النقدية الأمريكية في هذه المرحلة أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل توجهات الفيدرالي مرهونة بتطورات الصراع الدائر وتأثيراته على الاقتصاد العالمي.

قد يهمّك أيضًا: الفاتورة غير المعلنة.. هل يتحمل الاقتصاد الأمريكي الحرب على إيران؟

قراءة في توقعات مورغان ستانلي لمسار الفائدة

كان بنك مورغان ستانلي قد توقّع أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورة خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، على أن يكون أول خفض في شهر يونيو، يليه خفض آخر محتمل في سبتمبر، وذلك رغم استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.

وأشار البنك إلى أن توجه الفيدرالي نحو التيسير النقدي قد يبدأ حتى في ظل بيئة اقتصادية لا تزال تواجه تحديات تضخمية، وهو ما يعكس حالة من التوازن الدقيق التي يحاول صانعو السياسة النقدية تحقيقها بين دعم النمو الاقتصادي من جهة، والسيطرة على معدلات التضخم من جهة أخرى.

وحذر مورغان ستانلي، من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 125 و150 دولارًا للبرميل قد يؤدي إلى تغيير جذري في التوقعات الاقتصادية للولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن مثل هذا الارتفاع الحاد قد يرفع من احتمالات دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة بهذا الشكل ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي، من خلال زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع أعباء المعيشة، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، ويضع الاحتياطي الفيدرالي أمام تحديات معقدة في إدارة السياسة النقدية.

وأوضح مورغان ستانلي أن احتمالية حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة قد ترتفع إلى نحو 20% في حال استمرت أسعار النفط ضمن هذا النطاق المرتفع، وهو ما يزيد من صعوبة الموازنة بين خفض أسعار الفائدة وتحفيز النمو من ناحية، والسيطرة على التضخم من ناحية أخرى.

كما أكد البنك أن الصدمات التضخمية المرتبطة بقطاع الطاقة قد تؤدي إلى مزيج معقد من تباطؤ النمو واستمرار الضغوط السعرية، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.

قد يهمّك أيضًا: المؤسسات غير المصرفية تسحب عملاء البنوك

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة