في عام 1916، وبينما كانت أوروبا تستنزف شبابها ومواردها، طرح الاقتصادي الأمريكي جي إم كلارك سؤالا بدا وقتها مزعجا للسلطة، وهو: ما التكلفة الحقيقية للحرب؟ إجابة السؤال لم تركز على ما تدفعه الحكومات فقط، بل على ما لا يظهر مباشرة في دفاترها، مثل الإنتاج الضائع والتجارة المعطلة ورأس المال الذي يتآكل بصمت.
ولعلّ هذا المنظور هو المفتاح الأدق لقراءة الحرب على إيران، فحين تكون التكاليف المباشرة ليست سوى البداية، والضرر الحقيقي يكمن في التكاليف غير المباشرة، فهذا يضع الحرب في تعريف اقتصادي صارم باعتبارها آلية هائلة لتدمير الثروة وإطفاء فرص النمو التي كان يمكن أن تتشكل لولاها.
12 مليار دولار في أسبوعين
منذ 28 فبراير 2026، ومع بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أنفقت وزارة الدفاع الأمريكية 11.3 مليار دولار خلال ستة أيام فقط، قبل أن يرتفع الرقم إلى 12 مليار دولار في الأسبوع الثاني، وبمتوسط يقارب 900 مليون دولار يوميًا، ما جعل الحرب تبدو وكأنها مشروع تشغيلي ضخم له ميزانية يومية وحرق نقدي سريع، لكن هذا الرقم -رغم ضخامته- هو الأصغر في سجل التكاليف.
لماذا؟ لأنه لا يشمل استهلاك الأصول العسكرية، ولا الرعاية اللاحقة للمحاربين القدامى، ولا ما يحدث في مضيق هرمز، حيث يبدأ الأثر الحقيقي على الاقتصاد العالمي، وهذه النقطة جوهرية من الناحية الاقتصادية، فالإنفاق العسكري المباشر -مهما بدا هائلًا- يبقى قابلًا للرصد والمحاسبة، أما الخسائر غير المباشرة فهي التي تتسلل إلى بقية الاقتصاد.
ورغم أنّ إنفاق 900 مليون دولار يوميًا يمكن إدراجه في بند مالي، لكن تعطل حركة الطاقة والمواد الخام والغاز والمنتجات المرتبطة بها هو الذي يحول الحرب من نزاع مكلف إلى صدمة اقتصادية كاملة، وهنا لا تدفع الدولة فقط، بل يدفع العالم كله.
هرمز شريان اقتصاد متعدد الطبقات
تكمن خطورة هذه الحرب في أن أكثر نقاطها حساسية تكمن في ذلك الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إضافة إلى نسب كبيرة من اليوريا والألمنيوم والهيليوم والكبريت، وهذه القائمة وحدها كافية لفهم أن اختناق هرمز لا يهدد البنزين والديزل فقط، بل يضغط على الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والنقل الجوي وسلاسل التوريد الكيميائية في آن واحد.
وحين يصبح الممر الواحد حاملًا لهذه المجموعة من المدخلات الأساسية، فإن تعطله لا يخلق أزمة في سلعة واحدة، بل ينشر العدوى في منظومة إنتاج عالمية مترابطة، فاليوريا ترتبط بالأسمدة، والكبريت بالصناعات الكيميائية، والألمنيوم بسلاسل التصنيع، والهيليوم بأشباه الموصلات، أي أن الحرب تدفع تكاليف الزراعة والتصنيع والتكنولوجيا إلى الأعلى في الوقت نفسه، وهذا هو النوع من الصدمات الذي يفسر لماذا لا يقتصر الاضطراب على النفط.
اقرأ أيضًا: أسبوع مضطرب للذهب والفضة.. النفط والدولار يقودان المشهد
رأس لفان.. حين تصبح البنية التحتية هدفًا اقتصاديًا
ضربة رأس لفان تمثل نقطة تحول حاسمة، وهذا توصيف دقيق للغاية، فالمجمع يمتد على مساحة 295 كيلومترًا مربعًا، ويضم منشآت عملاقة مثل مشروع بيرل بقيمة 18 مليار دولار، ويمثل نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، وحين يتعرض مركز بهذا الحجم والوزن إلى التهديد أو التعطل، فهذا يبين أن السوق تواجه صدمة هيكلية حقيقية في العرض.
ولأن الغاز الطبيعي المسال بات مكونًا مركزيًا في أمن الطاقة العالمي، فإن تعطل خُمس الإمدادات العالمية منه يعني أنّ أسواقًا كاملة ستضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فأوروبا التي ارتفعت فيها أسعار الغاز إلى 54 يورو لكل ميغاواط/ساعة تمثل أول واجهة لهذا الضغط، لكن الأهم أن رأس لفان يمثل عقدة إنتاجية تربط بين الاحتياطيات والبنية التحتية والسوق العالمية، لذلك فإن إصابته تضرب الإنتاج الفعلي والإمدادات المتوقعة والثقة في استقرار السوق في وقت واحد.
40% من الاحتياطيات في منطقة صار الوصول إليها أصعب
يقع رأس لفان فوق حقل الشمال المرتبط بحقل جنوب بارس الإيراني، والحقلان معًا يمثلان نحو 40% من احتياطيات الغاز القابلة للاستخراج ضمن أكبر الحقول العالمية، وجزء من هذه الموارد أصبح غير قابل للوصول نتيجة تدمير البنية التحتية، وهنا تحديدًا يتجسد مفهوم “الثروة التي لن تخلق” الذي تحدث عنه كلارك؛ فالمشكلة لم تعد فقط في شحنة مؤجلة أو مصنع متوقف، بل في موارد طبيعية هائلة باتت موجودة نظريًا، لكنها عاجزة عمليًا عن التحول إلى إنتاج وثروة.
هذه الفكرة شديدة الأهمية اقتصاديًا، لأنها تنقلنا من حساب الخسائر الجارية إلى حسابات المستقبل المفقود، وحين تصبح الاحتياطيات غير قابلة للوصول فإن الخسارة تساوي استثمارات لم تعد مجدية، وتوسعات تم تجميدها، وعقود توريد لم تعد قابلة للبناء عليها. وهذه هي المنطقة التي لا تظهر عادة في الموازنات الرسمية، لكنها تفسر لاحقًا لماذا يتباطأ النمو، ولماذا ترتفع كلفة التمويل، ولماذا تعيد الشركات حساباتها على المدى الطويل.
اقرأ أيضًا: من رأس لفان إلى هرمز.. هل يدخل الغاز العالمي منطقة الخطر؟
أزمة صامتة في أسواق الهيليوم واليوريا والكبريت
من أبرز ما تكشفه تداعيات الحرب على المشهد الاقتصادي، الانتقالُ من ثنائية النفط والسعر إلى ما هو أعمق وأشد تعقيداً، وهو اقتصاد المدخلات الصناعية؛ فقد ارتفعت أسعار الغاز المسال بنسبة 60%، وتوقف إنتاج الهيليوم في قطر، وبدأت شركات في كوريا الجنوبية تلمس شُحّاً فعلياً في الإمدادات. وفي السياق ذاته، قفزت أسعار اليوريا 70% والكبريت 40%، بل بلغ الأمر حدّاً صارت فيه بعض المواد الخام أغلى من المنتجات النهائية المشتقة منها.
الهيليوم وإن لم يكن سلعةً استهلاكية شائعة، فإنه عنصر لا غنى عنه في صناعة الرقائق الإلكترونية، وأي اضطراب في إمداداته يُلقي بظلاله مباشرةً على الصناعات التكنولوجية الدقيقة، واليوريا بدورها ليست مجرد مادة كيميائية، بل ركيزة أساسية في صناعة الأسمدة، مما يجعل تأثيرها يتخطى حدود الصناعة إلى الزراعة والأمن الغذائي، أما الكبريت فيتشعب دوره عبر سلاسل إنتاجية صناعية واسعة.
العد التنازلي لنفاد إمدادات النفط
تُشير نماذج السوق إلى صورة مقلقة للغاية، فإذا استمر إغلاق المضيق ستفقد أوقيانوسيا 80% من وقود الطائرات خلال 36 يومًا، وأفريقيا خلال 23 يومًا، بينما ستواجه دول آسيوية نقصًا حادًا في البنزين خلال 12 يومًا فقط، كما تُحتجز حاليًا نحو 125 ناقلة منتجات نفطية داخل الخليج، وهذه الأرقام تجعل الأزمة ملموسة زمنيًا فلم تعد مسألة احتمالات مفتوحة، بل جدول زمني لنفاد الإمدادات.
وحين تبدأ السوق في العد بالأيام يتغير السلوك فورًا؛ فالمشترون يسارعون إلى التخزين، والموردون يعيدون التسعير، وشركات النقل ترفع العلاوات، والدول تبدأ في التدخل المباشر، وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن تقفز الأسعار بعنف حتى قبل الوصول إلى النقص الفعلي الكامل، فالخوف من نقص البنزين خلال 12 يومًا كاف وحده لإشعال السوق، لأن الأطراف كلها تبدأ بالتصرف وفق أسوأ الاحتمالات.
آسيا في قلب العاصفة
اليابان تعتمد على الشرق الأوسط في 95% من وارداتها النفطية، وكوريا الجنوبية بنسبة 70%، وهذا يعني أن أي اضطراب في هرمز يترجم مباشرة إلى صدمة في أمن الطاقة الآسيوي، لذلك ليس مستغربًا أن تنخفض العملات الآسيوية، وأن تطلق الحكومات برامج دعم ضخمة مثل حزمة الاستقرار البالغة 100 تريليون وون في كوريا الجنوبية.
هذه الحزمة تكشف بوضوح أن الحرب لا تُدار فقط في البحر والمنشآت، بل داخل السياسات المالية للدول المستوردة أيضًا، وأن الدول التي لم تطلق صاروخًا واحدًا باتت مضطرة إلى تمويل أثر الصواريخ على اقتصاداتها، وهذا بحد ذاته تعريف مكتمل للعدوى الجيوسياسية.
اقرأ أيضًا: صدمة البنزين في آسيا.. قفزة الهوامش وإعادة رسم خارطة التجارة
البنزين الأمريكي يرتفع 30%
ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة 30% خلال شهر، وهذا يعتبر ضريبة غير مباشرة تقع بصورة أكبر على الفئات منخفضة الدخل، وهذه من أكثر الزوايا أهمية، لأن الحرب حين تصل إلى محطة الوقود تتحول من ملف استراتيجي إلى عبء اجتماعي، فالفئات الأكثر هشاشة لا تملك وسيلة للتحوط ولا تستطيع تحويل الزيادة إلى غيرها، لذا تتحمل الأثر مباشرة في نفقاتها اليومية.
في المقابل، تستفيد شركات النفط والدفاع، وهو ما يعمق الفجوة الاقتصادية ويعيد إنتاج ما يسمى بالاقتصاد على شكل حرف “K”، فئة تصعد أرباحها مع الأزمة، وفئة تهبط قدرتها الشرائية بسبب الأزمة نفسها.
صدمة أكبر من السبعينيات
ترى وكالة الطاقة الدولية أن حجم الاضطراب الحالي يعادل ضعف صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، غير أن الاختلاف يكمن في اتساع التأثير اليوم عبر سلاسل الإمداد العالمية، وهذا فارق جوهري، ففي السبعينيات كانت صدمة النفط تتركز إلى حد كبير في الطاقة وأسعارها، أما اليوم فالعالم أكثر ترابطًا، وأكثر اعتمادًا على سلاسل إنتاج عابرة للحدود، وأكثر حساسية لأي تعطيل في المدخلات الصناعية واللوجستية.
هذا يعني أن الحرب لا تضرب السوق من قناة واحدة، بل من قنوات متعددة في وقت واحد، وهي الطاقة والشحن والمواد الخام والعملات والسياسات المالية والتكنولوجيا، وهنا تزداد خطورة الصدمة لأن معالجتها لم تعد ممكنة بأداة واحدة، ولا حتى بسياسة نقدية منفردة.
اقرأ أيضًا: نفط بـ 150 دولاراً؟ تحذيرات “بلاك روك” من ركود عالمي وشيك
من خفض الفائدة إلى الركود التضخمي
إذا استمرت الأزمة فقد يتغير اتجاه السياسة النقدية من خفض الفائدة إلى رفعها، مع تصاعد خطر الركود التضخمي، وهذا أحد أكثر ما يجعل الحرب الاقتصادية الحالية خطرًا استثنائيًا، فالبنوك المركزية تجد نفسها أمام معضلة كلاسيكية بسبب ارتفاع الأسعار الناتج عن صدمة العرض، بينما يتعرض النمو للضغط بسبب ارتفاع الكلفة وتعطل الإمدادات.
وفي مثل هذا الوضع، لا يكون رفع الفائدة حلًا كاملًا، لأنه لا يعالج نقص الطاقة أو تعطل الإمدادات، لكنه قد يصبح ضروريًا لمنع انفلات التضخم، وهنا بالضبط يتسع أثر الحرب ليصل إلى الاستثمار والتوظيف والتمويل العقاري والائتمان، فإذا ارتفعت الفائدة في بيئة نمو أضعف، فإن كلفة رأس المال ترتفع في الوقت الذي يتراجع فيه النشاط، وهذه هي البنية المثالية للركود التضخمي.
تكاليف باهظة تتحملها الأسر حول العالم
تُشير التقديرات إلى أن استمرار الحرب لمدة ستة أشهر قد يرفع التكلفة الأمريكية إلى أكثر من 500 مليار دولار، بينما قد تصل الخسائر العالمية إلى تريليونات الدولارات، وهذا الرقم هو الحد الفاصل بين حرب كثيرة التكلفة وحرب تعيد تشكيل البيئة الاقتصادية العالمية، وإذا كانت حربي العراق وأفغانستان قد تجاوزتا 8 تريليونات دولار عند احتساب التكاليف الكاملة فإن الفاتورة الحقيقية دائمًا تتأخر عن لحظة الحرب نفسها.
المثير هنا أن كثيرًا من هذه الكلفة لن يظهر مباشرة في الموازنات الرسمية، ولن يظهر بالكامل في بند إعادة بناء منشآت الغاز، ولا في خسائر الإنتاج المستقبلي، ولا في فرص الاستثمار التي ضاعت، ولا في الطاقة الإنتاجية التي لم تعد قابلة للاسترداد بسرعة، لكنه سيظهر في فواتير الطاقة للأسر حول العالم، أي أن الحرب في لحظتها النهائية تعود لتصبح بندًا في الحياة اليومية، لا في الجداول العسكرية فقط.
اقرأ أيضًا: أزمة الغاز في أوروبا.. السباق مع آسيا وارتفاع الأسعار يهددان أمن الطاقة