الكونغرس ينهي أطول إغلاق حكومي في التاريخ

بعد أربعين يومًا من الشلل الذي أصاب مؤسسات الدولة الفيدرالية بالجمود وأدخل الاقتصاد الأمريكي في حالة من الارتباك غير المسبوق، أقرّ الكونغرس الأمريكي، بمجلسيه الشيوخ والنواب، قانون تمويل الحكومة لإنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد. وقد جاءت هذه الخطوة بعد أسابيع من مفاوضات مضنية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وانتهت باتفاق مؤقت يمهّد لعودة المؤسسات الفيدرالية إلى العمل واستئناف صرف رواتب الموظفين وفتح المرافق العامة التي أغلقت بسبب نقص التمويل.

الاتفاق الذي تم التوصُّل إليه بين الحزبين ينص على تمويل مؤقت للحكومة حتى يناير 2026، وهو ما يعني أن الأزمة لم تُحل جذريًا بعد، لكنها على الأقل أنهت حالة الجمود الإداري التي عطلت قطاعات كاملة من الاقتصاد الأمريكي.

وأفادت شبكة “سي إن إن” بأن هذا الاتفاق جاء بعد نقاشات مطولة حول أولويات الإنفاق، خصوصًا في ملفات الرعاية الصحية والإعانات الغذائية وتمويل برامج الإسكان والسياسات الخاصة بالموظفين الفيدراليين التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب.

ومن المتوقع أن يمر القانون في مرحلته النهائية بعد موافقة مجلس النواب عليه وإحالته إلى البيت الأبيض لتوقيعه من قِبل الرئيس ترامب، وهي خطوة يُنتظر أن تتم خلال أيام قليلة، ما يفتح الباب أمام استئناف العمل تدريجيًا في القطاعات المتضررة.

تسوية شاملة تمنع تكرار الأزمة

صرح زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، بأن المجلس يمضي قدمًا نحو “تسوية شاملة ودائمة” تضمن استقرار الإنفاق الفيدرالي خلال العام المقبل، مشيرًا إلى أن دمج التمويل المؤقت مع حزمة الاعتمادات المالية الدائمة خطوة ضرورية لتحقيق توازن بين الاستقرار المالي وتجنّب العودة إلى الإغلاق مجددًا.

وأوضح ثون أن المفاوضات بين الحزبين كانت صعبة بسبب الخلاف حول ملف الرعاية الصحية، حيث يطالب الديمقراطيون بتمديد الإعانات ضمن برنامج “أوباما كير”، بينما يرى الجمهوريون أن تقليص هذه الإعانات سيقلل العبء عن الميزانية العامة، وأضاف: “التوصل إلى اتفاق مؤقت لا يعني انتهاء الخلافات، لكنه يضمن على الأقل استمرار الدولة في العمل وعدم ترك المواطنين دون خدمات أساسية”.

معركة سياسية حول مستقبل أوباما كير

رغم التوافق المؤقت، يبقى ملف الرعاية الصحية عقبة كبرى أمام أي اتفاق طويل الأجل. السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال أكد أنه سيصوّت ضد مشروع التمويل في صورته الحالية لعدم تضمّنه إصلاحات جوهرية للرعاية الصحية، لكنه أقرّ بأن دعم حزبه كافٍ لتمرير القانون، موضحًا أن الصفقة تضمنت وعدًا بإجراء تصويت مستقل على الإعانات الصحية لاحقًا.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فأكد في تصريحات للصحفيين أنه “ماضٍ في خططه لإلغاء الدعم عن أوباما كير”، معتبرًا أن النظام الصحي الحالي “يكلّف الدولة مليارات دون تحقيق نتائج ملموسة”، فيما شدّد الديمقراطيون على أن الحفاظ على تلك الإعانات مسألة “حياة أو موت” لملايين الأمريكيين.

40 يومًا من الشلل.. خسائر فادحة في الاقتصاد الأمريكي

الإغلاق الذي بدأ مطلع أكتوبر شلّ الحياة العامة في الولايات المتحدة، وتوقفت رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين، وتجمّدت برامج المساعدات الغذائية، كما أُغلقت المتاحف الوطنية والحدائق العامة، ما انعكس على السياحة الداخلية والخارجية. وذكرت وسائل إعلام أمريكية أن خسائر الاقتصاد بلغت مليارات الدولارات نتيجة توقف الإنفاق الفيدرالي وتعطل سلاسل الإمداد.

ووفق تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ”، فإن قطاع الطيران كان الأكثر تضررًا، حيث تم إلغاء أكثر من 2300 رحلة وتأخير نحو 8000 رحلة أخرى بسبب نقص عدد المراقبين الجويين الذين اضطروا للعمل دون أجر. كما خفّضت إدارة الطيران المدني عدد الرحلات في 40 مطارًا لتقليل الضغط، الأمر الذي أثر بشدة على حركة النقل الداخلي خلال عطلات نهاية الأسبوع.

وزير النقل الأمريكي شون دافي حذَّر من أن الإغلاق خلّف آثارًا هيكلية على منظومة النقل الجوي، مؤكدًا أن العودة إلى العمل “لن تكون فورية” وأن النظام يحتاج إلى أيام لإعادة التشغيل الكامل، وأضاف “: “الإغلاق تسبب في نقص حاد في الكوادر العاملة بالمطارات، ومع اقتراب موسم عطلة عيد الشكر قد نشهد تأخيرات وفوضى غير مسبوقة ما لم يتم ضخ التمويل بشكل عاجل”.

اقرأ المزيد: الإغلاق الحكومي الأمريكي يدخل يومه الأربعين ويهدد الاقتصاد بالركود

خسائر مالية وتراجع ثقة المستهلكين

تقديرات المؤسسات الاقتصادية تشير إلى أن الإغلاق أضر بثقة المستهلكين والمستثمرين على حد سواء، كما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام. وفي هذا السياق، أكَّد المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض كيفن هاسيت أن استمرار الإغلاق “كان سيقود الاقتصاد الأمريكي إلى منطقة الركود التقني” لولا التوصل إلى اتفاق عاجل.

وتشير بيانات الأسواق إلى أن الأزمة خفّضت الإنفاق الاستهلاكي بنسبة تقارب 1.2% خلال أكتوبر وحده، فيما تراجع مؤشر ثقة المستهلك إلى أدنى مستوى له منذ عام 2022، كما تأثرت أسواق العمل بتجميد التعيينات الجديدة وتعليق صرف الحوافز في العديد من القطاعات الحكومية.

انعكاس مباشر على الأسواق المالية

أدت الأخبار الإيجابية عن قرب إنهاء الإغلاق إلى موجة تفاؤل في الأسواق الأمريكية والعالمية؛ حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر “داو جونز” الصناعي بـ204 نقاط بنسبة 0.43%، وقفز مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 0.98%، بينما سجل مؤشر “ناسداك 100” ارتفاعًا كبيرًا بلغ 1.52% خلال تعاملات ما قبل الافتتاح في نيويورك.

ويرى محللون أن هذه المكاسب تعكس تفاؤل المستثمرين بإمكانية عودة النشاط الاقتصادي تدريجيًا واستئناف إصدار البيانات الرسمية التي توقفت طوال فترة الإغلاق، مما أعاد بعض الثقة إلى الأسواق التي كانت تترنح بسبب غياب الرؤية الاقتصادية.

حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، قالت إن الأسواق الأمريكية “استقبلت خبر إنهاء الإغلاق الحكومي كجرعة أوكسجين بعد فترة طويلة من الضبابية وعدم اليقين”، مشيرة إلى أن “المستثمرين كانوا يعانون من غياب البيانات الاقتصادية الرسمية التي يعتمدون عليها لاتخاذ قراراتهم، وهو ما أدى إلى موجات بيع جماعي خاصة في أسهم التكنولوجيا”.

وأضافت أن رد فعل الأسواق السريع كان متوقعًا، موضحة: “ارتفاع العقود الآجلة لمؤشرات وول ستريت يعكس رغبة المستثمرين في العودة إلى الأصول عالية المخاطر بعد تراجعها الحاد الأسبوع الماضي، خاصة أن مؤشرات مثل ناسداك فقدت أكثر من 7% خلال شهر واحد”.

وأكدت رمسيس أن القطاع التكنولوجي كان أول المستفيدين من هذا التحسن، حيث قفزت أسهم شركات كبرى مثل “إنفيديا” و”ألفابت” و”ميتا” بنسب تراوحت بين 2 و4%، مضيفة أن “الرهان على الذكاء الاصطناعي والابتكار ما زال قائمًا رغم الضبابية السياسية”.

وتابعت قائلة: “الأسواق لا تحتفل فقط بعودة الحكومة، بل بعودة الشفافية؛ فمع توقف صدور التقارير الرسمية، كان المستثمرون يتداولون في بيئة تفتقر إلى المعلومات الدقيقة، وهو ما تسبب في اضطرابات غير مسبوقة في السيولة. الآن، وبعد استئناف التمويل، يمكن للاحتياطي الفيدرالي أن يستعيد أدواته في مراقبة الأداء الاقتصادي وضبط السياسة النقدية“.

توقعات باستقرار تدريجي في السيولة

المحللون في بنك نيويورك أشاروا إلى أنَّ البيئة المالية كانت “هشة للغاية” خلال فترة الإغلاق بسبب تزامن الأزمة مع زيادة إصدار سندات الخزانة وتراجع الطلب الأجنبي على الأصول الأمريكية، واعتبروا أن استئناف التمويل الحكومي قد يعيد السيولة إلى مستوياتها الطبيعية ويمنع تفاقم الضغوط على البنوك والأسواق الثانوية.

وأكد بوب سافاج، رئيس استراتيجية الأسواق الكلية بالبنك، أن إعادة فتح الحكومة “ستمنح المستثمرين الثقة في قدرة واشنطن على إدارة الدين العام بفعالية”، لكنه حذر من أن “التهدئة الحالية مشروطة بمرور قانون التمويل الكامل مطلع العام الجديد دون عراقيل سياسية جديدة”.

أداء الشركات الأمريكية يدعم موجة التفاؤل

في الوقت نفسه، دعمت نتائج الشركات الكبرى الاتجاه الصعودي في البورصات، حيث أظهرت بيانات أن 83% من بين 446 شركة مدرجة في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” حققت أرباحًا فاقت توقعات المحللين، مع نمو سنوي قدره 16.8% في الربع الثالث مقارنة بـ8% فقط في التقديرات السابقة.

وسجلت أسهم شركات الرقائق الإلكترونية قفزات ملحوظة، حيث ارتفعت “كوالكوم” و”إنتل” بأكثر من 1.5% لكل منهما، بينما حققت “ميكرون تكنولوجي” 4.4% و”برودكوم” 2.5%. ويرى محللون أن هذه المكاسب تعكس توقعات المستثمرين بأن إنهاء الإغلاق سيُعيد الإنفاق الحكومي على البنية التحتية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

تفاؤل عالمي وحذر في الأسواق الناشئة

في تعليقها على انعكاس الأزمة الأمريكية على الأسواق العالمية، أوضحت مروة الشافعي الخبيرة الاقتصادية، أن إنهاء الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة “لم يكن شأنًا داخليًا فقط، بل له أصداء واسعة في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة”، موضحة أن “المؤشرات الأوروبية صعدت بشكل جماعي صباح الاثنين؛ إذ ارتفع مؤشر DAX الألماني بنسبة 1.5% وCAC الفرنسي بنسبة 1% وFTSE البريطاني بـ0.6%”.

وأضافت أن الأسواق الأوروبية “تفاعلت مع التصويت الأمريكي الإيجابي كما لو أنه إعلان عن عودة الاقتصاد العالمي إلى المسار الطبيعي”، خاصة مع تحسن أسعار النفط بنسبة 0.8% إلى 64.14 دولار لخام برنت، نتيجة التوقعات بارتفاع الطلب الأمريكي بعد عودة النشاط الفيدرالي.

وتابعت الخبيرة: “الأسواق الناشئة، ومنها البورصات العربية، استفادت نفسيًا من هذه الأجواء، لأن إنهاء الإغلاق يحدّ من تقلبات الدولار والعائد على السندات، ما يخفف الضغط على عملات تلك الدول، لكنّ الحذر لا يزال قائمًا لأن الأزمة كشفت هشاشة العلاقة بين السياسة والاقتصاد في أكبر اقتصاد في العالم”.

وأكدت الشافعي، أن “ما حدث في واشنطن يرسل رسالة مزدوجة للأسواق: الثقة في قدرة النظام الأمريكي على تجاوز الأزمات، وفي الوقت نفسه التحذير من أن الخلافات السياسية قد تتحول مستقبلاً إلى مخاطر اقتصادية تهدد الاستقرار المالي العالمي”.

النفط ينتعش بعد إنهاء الإغلاق الحكومي

ارتفعت أسعار النفط الخام بنسبة تقارب 1% بعد أنباء إنهاء الإغلاق الحكومي، إذ رأى المستثمرون أن عودة الحكومة الأمريكية للعمل تعني استئناف برامج البنية التحتية والطاقة التي توقفت مؤقتًا. وقد سجل خام غرب تكساس الوسيط 60.31 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام برنت إلى 64.14 دولار بعد أسبوعين من التراجع بسبب مخاوف من فائض المعروض وقرار “أوبك+” بزيادة الإنتاج جزئيًا في ديسمبر.

وترى الخبيرة أن القانون الجديد علامة فارقة في تاريخ الأزمات السياسية الأمريكية، فقد أنهى أطول إغلاق حكومي على الإطلاق وأعاد عجلة الدولة إلى الدوران، لكنه في الوقت ذاته كشف عمق الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، فبينما يسعى الجمهوريون لتقليص الإنفاق الاجتماعي، يصرّ الديمقراطيون على الدفاع عن شبكات الأمان للمواطنين.

ورغم عودة الحكومة إلى العمل وارتفاع مؤشرات الأسواق، يرى الخبراء أن الطريق لا يزال طويلاً نحو استقرار دائم، فالتحدي الحقيقي يكمن في تمرير ميزانية شاملة للعام 2026 دون صدام جديد. أما الأسواق، فقد أظهرت أن الثقة يمكن أن تعود سريعًا، لكنها أيضًا يمكن أن تتبخر مع أي أزمة جديدة في واشنطن.

قد يهمّك أيضًا: لقاء ترامب وشي.. هل ينجح الزعيمان في إعادة التوازن للأسواق العالمية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة