ثبت البنك المركزي الإسرائيلي، أمس الاثنين، سعر الفائدة قصيرة الأجل عند مستوى 4%، في خطوة تعكس استمرار نهج الحذر في إدارة السياسة النقدية، وذلك بعد خفضين متتاليين خلال شهري نوفمبر ويناير الماضيين، ويأتي القرار في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، لا سيما التوترات المرتبطة بإيران واحتمالات التصعيد العسكري.
ويعكس تثبيت الفائدة إدراك البنك المركزي لحساسية المرحلة الراهنة، إذ يوازن بين مؤشرات تحسن نسبي في الأداء الاقتصادي وبين مخاطر خارجية قد تؤثر سريعًا في الاستقرار المالي وسعر الصرف؛ فعلى الرغم من تراجع الضغوط التضخمية وتحسن أداء الشيكل خلال الأشهر الماضية، فإن حالة عدم اليقين الإقليمي دفعت صناع القرار إلى تجنب أي خطوات قد تزيد من تقلبات الأسواق.
وكان وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي بوساطة أمريكية بين إسرائيل وحركة حماس قد ساهم في تخفيف حدة الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد خلال الحرب على غزة، وهو ما انعكس تدريجيًا على استقرار الأسعار، إلا أن عودة التوترات الإقليمية، واحتمالات انخراط أطراف إقليمية في مواجهات أوسع، أعادت مناخ الحذر إلى الواجهة، ما جعل البنك المركزي يفضل التريث في اتخاذ قرارات توسعية إضافية.
تراجع معدل التضخم السنوي إلى 1.8%
على صعيد الأسعار، أظهرت البيانات الرسمية تراجع معدل التضخم السنوي إلى 1.8% في يناير، مقارنة بـ2.6% في ديسمبر، وهو أدنى مستوى خلال أربع سنوات ونصف، وبذلك ظل التضخم ضمن النطاق المستهدف لبنك إسرائيل، والمحدد بين 1% و3%، ويرجع هذا التراجع إلى تحسن سلاسل الإمداد، وارتفاع قيمة العملة المحلية، وتراجع بعض الضغوط المرتبطة بتكاليف الاستيراد.
ورغم هذا التحسن، قد يؤدي أي تصعيد عسكري أو ارتفاع في أسعار الطاقة عالميًا إلى إعادة الضغوط السعرية سريعًا، لذا يبدو أن البنك المركزي اختار الإبقاء على الفائدة دون تغيير حفاظًا على هامش المناورة، بحيث يتمكن من التدخل عند الحاجة، سواء لدعم النمو أو لحماية استقرار الأسعار.
تحسن نسبي في النمو الاقتصادي الإسرائيلي
أما على مستوى النشاط الاقتصادي، فتشير بيانات مكتب الإحصاء إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ يستعيد زخمه تدريجيًا بعد فترة من التقلبات الحادة، فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا سنويًا معدلًا موسميًا بنسبة 4% في الربع الرابع من عام 2025 مقارنة بالربع الثالث، وهو معدل قريب من توقعات المحللين التي دارت حول 4.1%، ويعكس هذا الأداء تحسنًا في بعض القطاعات الإنتاجية مع عودة جزء من النشاط التجاري والاستثماري.
وعلى أساس سنوي، بلغ معدل النمو في عام 2025 نحو 3.1%، في أول تسارع منذ اندلاع الحرب في 2023، بعد أن كان النمو قد تباطأ إلى 2.1% في ذلك العام، ثم إلى 1% في 2024، وهو الأبطأ خلال أكثر من عقدين باستثناء فترة جائحة “كوفيد-19″، فيما شهد الربع الثاني من عام 2025 انكماشًا بنسبة 4.3% على أساس سنوي نتيجة الحرب مع إيران والتعبئة الواسعة لقوات الاحتياط، ما أضر بالنشاط التجاري والاستثماري وأربك سلاسل الإمداد.
ويتوقع بنك إسرائيل أن يصل النمو إلى 5.2% في عام 2026، مدفوعًا بانتعاش نسبي في الاستهلاك والاستثمار، مع اقتراب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من مستوياته المسجلة قبل الحرب، شريطة استقرار الأوضاع الأمنية.
ارتفاع نسبة الدين الحكومي
على صعيد المالية العامة، تبرز ضغوط واضحة على الموازنة، فقد ارتفعت نسبة الدين الحكومي إلى 68.6% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 60% عند اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، كما بلغ إجمالي الدين العام نحو 207 مليارات شيكل، في حين ارتفع حجم الاقتراض بشكل ملحوظ لتمويل النفقات العسكرية والطارئة.
وسجل العجز المالي نحو 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعادل 98.6 مليار شيكل، بينما بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي حوالي 651 مليار شيكل، خصص منها 91 مليار شيكل للجيش. وتعكس هذه الأرقام اتساع الأعباء العسكرية على المالية العامة، في وقت أقرت فيه الحكومة موازنة لعام 2026 تتضمن ميزانية دفاع تبلغ 34.6 مليار دولار، مع تجاوز التكلفة الإجمالية للحرب 70 مليار دولار.
كما أدى ارتفاع العجز في عام 2024 إلى مستويات قياسية إلى خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، ما انعكس في زيادة كلفة الاقتراض في الأسواق الدولية، وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من الموازنة الحالية تُوجه إلى بنود أمنية مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك خدمة الديون المرتبطة بالإنفاق العسكري، في مقابل ضغوط على مخصصات قطاعات التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي.
تراجع احتياطيات النقد الأجنبي
تبرز هشاشة الوضع في تراجع احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 231 مليار دولار بنهاية نوفمبر 2025، بانخفاض طفيف عن مستواها القياسي السابق، وهذا يعكس استمرار الضغوط على القطاع الخارجي، إلى جانب تدخلات محتملة لدعم استقرار العملة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الحرب تسببت في خسارة إنتاجية تعادل نحو 4.7% من الناتج، كما أصبح الاقتصاد أصغر مما كان يمكن أن يكون عليه لولا النزاع.
ولم تقتصر التأثيرات على المؤشرات الكلية، بل امتدت إلى قطاعات حيوية، أبرزها قطاع التكنولوجيا الذي يمثل نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي؛ فقد شهد هذا القطاع تراجعًا في الاستثمارات خلال فترة الحرب، إضافة إلى تأثره باستدعاء أعداد كبيرة من العاملين ضمن قوات الاحتياط، كما انكمش قطاع البناء نتيجة نقص العمالة، وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي قد يواجه مخاطر ما يعرف بـ”تضخم ما بعد الحرب”، نتيجة التوسع في الإنفاق العسكري وزيادة مستويات الاقتراض، موضحًا أن تراجع التضخم في الوقت الراهن قد يكون مؤقتًا، إذا لم يقترن بإصلاحات هيكلية وضبط مالي تدريجي.
وأضاف أن ارتفاع الدين العام يقلص هامش التحرك أمام صناع القرار، إذ تصبح السياسة النقدية أكثر تعقيدًا في ظل الحاجة إلى دعم النمو من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف من جهة أخرى. كما أشار يوسف إلى أن استمرار توجيه نسبة كبيرة من الموارد نحو الإنفاق الدفاعي قد يؤثر في الاستثمارات طويلة الأجل في رأس المال البشري والبنية التحتية.
واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “إن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا وثيقًا بين السياسات النقدية والمالية، لتجنب الوقوع في فخ ركود تضخمي أو ضغوط مالية ممتدة”.
اقرأ أيضًا: اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال”.. صراع النفوذ يهدد أمن القرن الإفريقي