في ظل تصاعد الصراع الدولي على الموارد الاستراتيجية، تتكشف أبعاد جديدة للأزمة الفنزويلية تتجاوز النفط والغاز، إذ تمتلك فنزويلا ثروات ضخمة من المعادن الثمينة والنادرة التي باتت عنصرًا محوريًا في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، ما يضع المعادن النادرة في فنزويلا، في بؤرة التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين ما يعيد النظر حول دوافع الصراع الدائر حول البلاد.
ما وراء النفط: سلة المعادن الثمينة والنادرة في فنزويلا
قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن اختزال ثروات فنزويلا في النفط والغاز يمثل قراءة قاصرة للمشهد، موضحة أن البلاد تمتلك سلة واسعة من المعادن الثمينة والمعادن النادرة التي أصبحت اليوم في صميم الصراع الجيوسياسي العالمي، خاصةً بين الولايات المتحدة والصين، في إطار التنافس على الموارد الاستراتيجية اللازمة لصناعات المستقبل.
وأضافت خضر أن تقديرات هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية تشير بوضوح إلى وجود مؤشرات قوية على احتياطيات من صخور الكربوناتايت في فنزويلا، وهي من أهم المصادر الجيولوجية للعناصر الأرضية النادرة، خاصة في منطقة “تشيرو إمباكتو”، لافتة إلى أن هذه العناصر تشمل معادن شديدة الأهمية مثل الباريوم، والثوريوم، واللانثوم، والسيريوم، والنيوديميوم، والتنتالوم، إضافة إلى الكولتان.
وأوضحت أن هذه المعادن لا تُستخدم في صناعات تقليدية، بل تدخل مباشرة في الصناعات الأكثر حساسية وتأثيرًا على موازين القوة العالمية، مثل صناعة الصواريخ، ومحركات الطائرات، والإلكترونيات المتقدمة، والهواتف الذكية، وبطاريات السيارات الهجينة، فضلًا عن تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بها.
وأكدت الخبيرة الاقتصادية أنَّ تقارير الهيئة الأمريكية تمنح هذه الاحتياطيات بعدًا اقتصاديًا إضافيًا، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا منها يقع قريبًا من سطح الأرض، ما يعني سهولة الاستخراج وانخفاض تكاليف التعدين مقارنة بالمناجم العميقة، وهو عامل بالغ الأهمية في ظل الارتفاع الحاد في الطلب العالمي على المعادن الحرجة، مدفوعًا بالتحولات التكنولوجية الكبرى والثورة الصناعية الرابعة.
اقرأ أيضًا: اعتقال مادورو وزلزال الكريبتو.. هل تملك فنزويلا 600 ألف بيتكوين؟
كيف يغذي الذهب والحديد والنيكل الأزمة الجيوسياسية؟
قالت الدكتورة مروى خضر إن ثروات فنزويلا لا تقتصر على المعادن النادرة فقط، إذ تضعها هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية في المرتبة الثانية عشرة عالميًا من حيث احتياطيات خام الحديد، إلى جانب امتلاكها نحو 330 مليون طن من البوكسيت، ونحو 8 آلاف طن من الذهب، فضلًا عن احتياطيات معتبرة من الماس والنيكل، وأكثر من 700 مليون طن من الفحم، ما يجعل فنزويلا واحدة من أغنى دول العالم من حيث تنوع الموارد الطبيعية.
وأشارت إلى أن الأزمة الفنزويلية لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا المخزون الهائل من الموارد، موضحة أن الصراع الدائر حول البلاد لا يقتصر على الأبعاد السياسية أو الحقوقية، بل يمتد بعمق إلى صراع اقتصادي وجيوسياسي على الثروات، وأضافت أن الروايتين اللتين تروجهما المعارضة الفنزويلية وواشنطن، والمتعلقتين بارتباط النظام بشبكات إجرامية وعدم شرعية رئاسة نيكولاس مادورو، لا تلغيان البعد الاقتصادي الكامن خلف الأزمة.
ولفتت إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بشأن أهمية النفط الفنزويلي، وامتلاك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تعكس إدراكًا أمريكيًا واضحًا لثقل هذا الملف في معادلات الطاقة العالمية.
اقرأ أيضًا: معضلة النفط الفنزويلي.. هل ينجح رهان ترامب في إحياء الإنتاج المعطل؟
من مشروع تنموي طموح إلى بؤرة للجريمة المنظمة
أوضحت خضر أن كاراكاس لطالما تباهت بثروتها من الذهب والحديد، إضافة إلى البوكسيت الذي تحتل فيه المرتبة الخامسة عشرة عالميًا، فضلًا عن الماس والعناصر الأرضية النادرة الضرورية لصناعة الأجهزة التكنولوجية المتقدمة، والأسلحة، وأنظمة الطاقة النظيفة.
وأضافت أن إطلاق مشروع “قوس أورينكو للتعدين” قبل نحو عشرة أعوام كان يستهدف استغلال نحو 8 آلاف طن من الذهب، ومليون قيراط من الماس، و35 ألف طن من الكولتان، إلى جانب النيكل والعناصر الأرضية النادرة، لكنّ هذا المشروع، وبعد مرور عقد من الزمن، تحول من مشروع تنموي طموح إلى بؤرة للجريمة المنظمة والفساد السياسي والعسكري وتهريب المعادن، وفق ما كشفته تقارير وتحقيقات دولية.
وأضافت خضر أن منظمات متعددة الأطراف وثقت أن جزءًا كبيرًا من الذهب المستخرج يتم تهريبه خارج البلاد بعيدًا عن القنوات الرسمية، وهو ما أكدته بيانات منظمة الشفافية التي أشارت إلى أن 14% فقط من القيمة الحقيقية للمعادن المستخرجة وصلت إلى خزائن البنك المركزي الفنزويلي خلال عام 2024.
كيف هيمنت الصين على الموارد الاستراتيجية لفنزويلا؟
أوضحت خضر أن إعلان كاراكاس في عام 2023 اعتبار النيكل والروديوم والتيتانيوم ومعادن نادرة أخرى موارد استراتيجية، لم يمنع استمرار النزاع الدولي حول ما يُعرف بـ”الرمال السوداء”، وهي سوق تهيمن عليها الصين عالميًا، معتبرة أن هذه الرمال تمثل جائزة استراتيجية تسعى الولايات المتحدة إلى منع انتقالها بالكامل إلى الشركات الصينية، في إطار الصراع الأمريكي–الصيني على سلاسل الإمداد الحيوية.
وأضافت أن التطورات السياسية الأخيرة تلقي بظلالها الثقيلة على سوق المعادن، في ظل أوضاع داخلية تتسم بسوء الإدارة خلال عهد هوغو شافيز وخلفه مادورو، فضلًا عن ارتفاع المديونية وضعف الحوكمة، وهي عوامل حالت دون استثمار فعلي ومستدام في تثمين الموارد المعدنية.
واختتمت الخبيرة الاقتصادية تصريحاتها بالتأكيد على أن الصين، رغم حضورها القوي في أمريكا اللاتينية، لم تستثمر بالشكل الكافي في تطوير قطاع التعدين الفنزويلي، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية بدلًا من تخفيفها، مؤكدة أن ملف ثروات فنزويلا سيظل أحد مفاتيح الصراع الدولي خلال السنوات المقبلة، سواء في أسواق الطاقة أو المعادن الاستراتيجية.
قد يهمّك أيضًا: الرمال السوداء في مصر.. فرص اقتصادية واعدة تنتظر التفعيل