زلزال المعادن النفيسة: الذهب يكسر حاجز 5000 دولار والفضة تقفز 60%

عادت أسعار المعادن النفيسة إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعدما سجل الذهب والفضة قفزات تاريخية غير مسبوقة في الأسواق العالمية، مدفوعة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية وتزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل النظام المالي الدولي.

ويواصل المعدنان أداءهما الاستثنائي مع اقترابهما من مستويات قياسية جديدة، في وقت تتجه فيه الاستثمارات المؤسسية ورؤوس الأموال الكبرى إلى التحوط عبر الأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب، باعتباره المخزن التقليدي للقيمة في فترات الاضطراب.

كيف أصبح الذهب جدار حماية ضد تآكل الثقة بالدولار؟

قال سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، إن الأسواق العالمية شهدت خلال تعاملات مطلع الأسبوع موجة شراء قوية دفعت أسعار الذهب إلى تجاوز حاجز 5 آلاف دولار للأوقية، مسجلة قممًا تاريخية جديدة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، مرورًا بملفات شائكة مثل جرينلاند وفنزويلا، وما تحمله من تداعيات مباشرة على استقرار سلاسل الإمداد والطاقة والتجارة العالمية.

وأشار إلى أن الارتفاعات الحالية لا تعكس مجرد موجة مضاربية قصيرة الأجل، بل تمثل تحولًا هيكليًا في سلوك المستثمرين تجاه الذهب، باعتباره مخزنًا للقيمة وأداة تحوط فعالة في مواجهة تآكل الثقة بالعملات الرئيسية، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة السياسات المالية والنقدية الأمريكية.

الجدير بالذكر أنّ أسعار الذهب قفزت خلال أسبوع واحد بنحو 392 دولارًا للأوقية، في واحدة من أسرع موجات الصعود منذ سنوات، مدفوعة بتزايد الطلب الاستثماري والمؤسسي، وسجل المعدن الأصفر مكاسب تقارب 18% منذ بداية الشهر الجاري، بعد أن كان قد حقق ارتفاعات تجاوزت 65% خلال العام الماضي، ما يعكس اتساع نطاق الطلب وتنوع قنواته.

كما يرتبط الأداء القوي للذهب بتصاعد القلق حيال آفاق الاقتصاد الأمريكي، في ظل عودة الخطاب التجاري المتشدد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما صاحبه من تهديدات بفرض تعريفات جمركية جديدة على شركاء تجاريين رئيسيين، إلى جانب تدخلات متكررة في استقلالية السياسة النقدية، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف المستثمرين بشأن مصداقية المؤسسات الاقتصادية الأمريكية.

ومن ناحية أخرى، تلقي احتمالات الإغلاق الحكومي الأمريكي بظلالها على الأسواق، مع ارتفاع التقديرات إلى مستويات غير مسبوقة، ما يزيد من حالة النفور من المخاطرة ويدفع رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة. وفي هذا السياق، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ عدة أشهر، ما عزز جاذبية الذهب للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة.

اقرأ أيضًا: الذهب والفضة 2025.. عام الاستثناء وتحطيم الأرقام القياسية

رؤية المؤسسات الدولية

توقعت مؤسسات مالية دولية استمرار هذا الزخم القوي للذهب، فقد أشار بنك HSBC في مذكرة حديثة إلى أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار الذهب والفضة تعكس مزيجًا من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، أبرزها تصاعد النزاعات التجارية وعدم الاستقرار السياسي العالمي.

كما رجح محللو بنك Union Bancaire Privée وصول أسعار الذهب إلى نحو 5200 دولار للأوقية بنهاية العام، مدفوعة باستمرار الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد.

من جانبه، أكد بنك جولدمان ساكس أن قاعدة الطلب على الذهب اتسعت بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، مع تنامي دور صناديق المؤشرات المتداولة، التي زادت حيازاتها بنحو 500 طن منذ بداية 2025، إلى جانب ارتفاع الطلب الفعلي من أصحاب الثروات الكبيرة والمؤسسات الاستثمارية. وفي هذا السياق، رفع البنك توقعاته لسعر الذهب بنهاية 2026 إلى 5400 دولار للأوقية، مقارنة بتقديرات سابقة أقل بكثير.

وفي الإطار ذاته، أشارت توقعات صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها وسوسيتيه جنرال وبنك أوف أمريكا، إلى احتمالات وصول أسعار الذهب إلى نطاق يتراوح بين 6 آلاف و7150 دولارًا للأوقية خلال عام 2026، في حال استمرار المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية بنفس الوتيرة.

البنوك المركزية تدعم التوجه نحو الأصول الآمنة

لا تزال مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد أعمدة الدعم الرئيسية للسوق، إذ تشير البيانات إلى متوسط شراء شهري يقارب 60 طنًا، وهو ما يفوق بكثير متوسط ما قبل 2022 البالغ 17 طنًا، الأمر الذي يعكس سعي العديد من الاقتصادات الناشئة إلى تنويع احتياطياتها وتقليص الاعتماد على الدولار، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

وتتجه أنظار الأسواق خلال الأيام المقبلة إلى قرارات السياسة النقدية الأمريكية، خصوصًا اجتماع الفيدرالي الأمريكي  والمؤتمر الصحفي لرئيسه جروم باول، إلى جانب بيانات اقتصادية مهمة تتعلق بثقة المستهلكين والتضخم وأسعار المنتجين، والتي من شأنها رسم ملامح المرحلة المقبلة للأسواق العالمية.

طفرة صناعية واستثمارية تحلق بأسعار الفضة

على جانب آخر، شهدت الفضة هي الأخرى موجة صعود استثنائية، مسجلة أفضل أداء لها منذ أكثر من أربعة عقود، وفقًا لتقرير صادر عن “مركز الملاذ الآمن”. وأوضح التقرير أن المعدن الأبيض حقق مكاسب تقارب 60% منذ بداية العام في البورصات العالمية، مدفوعًا بعوامل مزدوجة تجمع بين دوره كملاذ آمن والطلب الصناعي القوي.

وأشار التقرير إلى أن تصاعد المخاوف بشأن الاقتصاد الأمريكي، واستمرار الضغوط على الدولار، وتقلبات أسواق السندات، دفعت المستثمرين إلى إعادة توجيه محافظهم نحو الأصول الصلبة، وعلى رأسها الذهب والفضة، كما أسهمت توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية لاحقًا هذا العام في تعزيز جاذبية المعادن غير المدرة للعائد.

وتستفيد الفضة، على وجه الخصوص، من قوة الطلب الصناعي المرتبط بالتحول العالمي في مجال الطاقة، إذ تلعب دورًا محوريًا في صناعات الطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، والبنية التحتية للشبكات، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكن يظل نمو المعروض من المناجم محدودًا، ما يخلق فجوة هيكلية بين العرض والطلب.

وعلى الرغم من أنَّ البنوك المركزية لا تعتمد الفضة ضمن احتياطياتها على نطاق واسع، بسبب ارتباطها الوثيق بالاستخدامات الصناعية، فإن المستثمرين الأفراد والمؤسسات وجدوا فيها بديلًا جذابًا، خاصة مع الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب، ما يعزز فرص استمرار الزخم الصعودي خلال الفترة المقبلة.

وخلص تقرير “مركز الملاذ الآمن” إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية، واتساع النزاعات التجارية، وفجوة المعروض العالمي، إلى جانب الطلب المتنامي من قطاعات الطاقة والتكنولوجيا، تبقي الفضة في موقع قوي ليس فقط كمعدن صناعي، بل كأصل استثماري قادر على التحوط من مخاطر تباطؤ النمو العالمي وتقلبات السياسات النقدية خلال المرحلة المقبلة.

قد يهمّك أيضًا: هل تؤثر أحداث فنزويلا على أسواق النفط والذهب؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة