المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. تضارب التصريحات وضبابية الاتفاق

أثارت التصريحات المتضاربة بشأن المفاوضات الأمريكية الإيرانية حالة واسعة من الارتباك في الأوساط السياسية، بعدما بدا للحظة أن اتفاقًا نهائيًا بات وشيكًا وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخذ قرارًا برفع الحصار البحري بشكل فوري، لكن التصريحات الإيرانية عادت لتؤكد أن المقترحات المطروحة لا تزال قيد الدراسة ولم تحظ بموافقة نهائية حتى الآن.

في هذا السياق، قال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إن المشهد الحالي يعكس حالة غير مسبوقة من الضبابية السياسية والتفاوضية، موضحًا أن التناقض بين التصريحات الأمريكية والإيرانية يؤكد أن الأطراف لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي رغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى تفاهم.

وأضاف أن أحد أبرز المؤشرات على ذلك يتمثل في عدم وضوح الجهة التي قدمت الورقة التفاوضية الأساسية، وما إذا كانت مبادرة إيرانية أم مقترحًا أمريكيًا أعيدت صياغته عبر الوسطاء، أم أنها نتاج جهود مشتركة شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية.

وأشار إلى أن هذا الغموض انعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية التي باتت تتابع التطورات ساعة بساعة، خصوصًا أن الملف لا يتعلق فقط بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، وإنما يرتبط بأمن الطاقة العالمي وحركة التجارة الدولية وأسعار النفط والتضخم العالمي.

تغريدات ترامب تزيد المشهد تعقيدًا

أوضح حسين أن تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة لم تساعد على توضيح الصورة، بل زادت حجم الارتباك، لا سيّما أنّها جمعت بين الحديث عن اليورانيوم الإيراني المخصب، ورفع الحصار، وقضايا أخرى وصفها ترامب بأنها ثانوية أو غير ذات أهمية كبيرة.

وأكد أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في التصريحات المتناقضة، وإنما في أن الردود الإيرانية اللاحقة نسفت الانطباع الذي تشكل لدى كثير من المراقبين بشأن وجود اتفاق جاهز للإعلان، ما أعاد الشكوك حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس.

وأضاف أن الاجتماعات التي كان يُنتظر منها صدور قرارات حاسمة انتهت دون إعلان نتائج واضحة، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن هناك خلافات جوهرية لا تزال قائمة بين الطرفين.

المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. إسرائيل حاضرة بقوة

أشار أستاذ الاقتصاد إلى أن الموقف الإسرائيلي لا يمكن فصله عن تعقيدات المفاوضات الحالية، لافتًا إلى أن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن توسيع العمليات العسكرية والسيطرة على مساحات إضافية من قطاع غزة تعكس وجود تحفظات إسرائيلية على بعض مسارات التفاهم المطروحة.

وأضاف أن استمرار هذه التحفظات يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة بين الرغبة في احتواء الأزمة مع إيران من جهة، والحفاظ على التنسيق الاستراتيجي مع إسرائيل من جهة أخرى.

وأكد حسين أن ما يحدث حاليًا يختلف عن النماذج التقليدية للمفاوضات الدولية، إذ أصبحت وسائل الإعلام جزءًا من عملية التفاوض نفسها، موضحًا أن الأطراف المختلفة تستخدم التسريبات والتصريحات المتعمدة لبناء مواقف تفاوضية أو التأثير في الرأي العام.

مفاوضات علنية لكنّها بعيدة عن الواقع

وأضاف أن العالم يشهد للمرة الأولى تقريبًا مفاوضات بهذا الحجم تُدار بشكل شبه علني، في حين كانت المفاوضات التاريخية الكبرى تُدار بسرية كاملة حتى لحظة الإعلان عن نتائجها.

وهو يرى أن هذه الحالة تجعل التمييز بين المعلومات الحقيقية والرسائل السياسية أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة مع شخصية ترامب التي تعتمد بدرجة كبيرة على صناعة الزخم الإعلامي وإبقاء الأطراف الأخرى في حالة ترقب دائم.

وأوضح حسين أن الحديث عن قرب رفع الحصار أو إعادة فتح الملاحة لا ينعكس حتى الآن على الأرض، حيث لا تزال القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة تحتفظ بتمركزاتها وقوتها العسكرية.

وأشار إلى أن حاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية ما زالت في مواقعها، كما لم تظهر أي مؤشرات عملية على تخفيف الانتشار العسكري أو تقليص الجاهزية القتالية، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر لدى واشنطن.

وأضاف أن هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع العسكري يمثل أحد الأسباب الرئيسة وراء استمرار الشكوك بشأن مستقبل الاتفاق.

اقرأ أيضًا: ماذا لو لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل مجددًا؟

الأموال المجمدة والعقوبات في قلب المفاوضات

أكد أستاذ الاقتصاد أن جوهر المفاوضات الحالية لا يزال يتمحور حول ملف العقوبات الاقتصادية والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وهو الملف الذي تعتبره طهران أولوية مطلقة منذ سنوات.

وأوضح أن التسريبات المتداولة تشير إلى وجود مقترحات تتعلق بالإفراج التدريجي عن أصول مالية إيرانية مجمدة، إلى جانب ترتيبات اقتصادية مرتبطة برفع بعض القيود والعقوبات.

وأضاف أن إيران تنظر إلى أي اتفاق من زاوية المكاسب الاقتصادية المباشرة، بينما تحاول الإدارة الأمريكية التركيز على الجوانب الأمنية والنووية والعسكرية، وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين الطرفين.

وقال حسين إن السيناريو الأكثر ترجيحًا في حال نجاح المفاوضات يتمثل في الوصول إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق مؤقت، وليس اتفاق سلام شاملًا ينهي جميع الخلافات القائمة.

وأوضح أن أي تفاهم محتمل سيؤدي على الأرجح إلى استئناف المفاوضات حول الملف النووي، مع منح هدنة مؤقتة قد تمتد لنحو ستين يومًا، لكنه لن يحسم القضايا الجوهرية المرتبطة بالنفوذ الإقليمي أو مستقبل العقوبات أو البرنامج الصاروخي الإيراني.

وأضاف أن الاتفاق، إذا تم، سيعني إدارة الأزمة وليس إنهاءها بصورة كاملة، مشيرًا إلى أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الطرفين يتمثل في كيفية تقديم نتائج التفاوض إلى الداخل السياسي لكل منهما.

وأوضح أن ترامب يحتاج إلى إقناع الرأي العام الأمريكي بأنه حقق إنجازًا سياسيًا واستراتيجيًا، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة من الكونغرس والإعلام والحزب الجمهوري، وفي المقابل يحتاج النظام الإيراني إلى إثبات أنه لم يقدم تنازلات تمس مكانته أو صورته أمام الشعب الإيراني وحلفائه الإقليميين.

وفي هذا الإطار، أكّد حسين أن معركة “من انتصر؟”- على حد تعبيره- أصبحت جزءًا من عملية التفاوض نفسها، وربما أكثر تعقيدًا من صياغة الاتفاق ذاته.

قد يهمّك أيضًا: إلى أين يتجه الذهب مع تصاعد احتمالات رفع الفائدة الأمريكية؟

الضغوط الاقتصادية تدفع نحو التسوية

أوضح حسين أن التطورات الاقتصادية تلعب دورًا متزايدًا في حسابات واشنطن، خاصة مع ارتفاع معدل التضخم الأمريكي إلى 3.8%، واستمرار المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي.

وأضاف أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تزايد عدد الأمريكيين الذين يرون أن الأزمة مع إيران انعكست سلبًا على أوضاعهم الاقتصادية، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج للأزمة.

وأشار إلى أن استمرار التوتر يهدد بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين والشحن البحري، ما قد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي.

واختتم الدكتور ياسر حسين تصريحاته بالتأكيد على أن الأزمة الحالية لم تصل بعد إلى نقطة النهاية، وأن أي اتفاق محتمل لن يكون سوى محطة ضمن صراع استراتيجي أوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

وأوضح أن الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي وأمن مضيق هرمز لا تزال مفتوحة بالكامل، ما يعني أن التفاهمات المرتقبة قد تخفف حدة التوتر مؤقتًا لكنها لن تنهي أسباب الصراع الأساسية.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستظل مرهونة بقدرة الطرفين على تجاوز الحسابات الداخلية والانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها الحقيقية، وهي مهمة لا تبدو سهلة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي الراهن.

اقرأ أيضًا: كواليس الاتفاق المرتقب بين أمريكا وإيران.. فتح مضيق هرمز دون رسوم

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة