النفط بين توترات مضيق هرمز ونزيف المخزونات العالمية

تعود أسواق النفط إلى دائرة القلق من جديد، مع استمرار اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، واقتراب مخزونات النفط العالمية من أدنى مستوياتها في 8 سنوات، وفق تقديرات غولدمان ساكس.

وقال البنك إن مخزونات النفط العالمية بلغت ما يعادل 101 يوم من الطلب العالمي، وقد تنخفض إلى 98 يوماً بنهاية مايو إذا استمرت وتيرة السحب الحالية، ورغم أنه لا يتوقع هبوط المخزونات إلى الحدود التشغيلية الدنيا خلال الصيف، فإنه يرى أن سرعة التراجع أصبحت مصدر قلق واضح للسوق.

التوترات في مضيق هرمز تعيد القلق إلى السوق

جاء تحذير بنك غولدمان ساكس، بعد ارتفاع أسعار النفط الأسبوع الماضي، عقب هجوم إيران على عدة سفن في مضيق هرمز، وإشعال حريق في محطة نفطية إماراتية.

ويعد هذا التصعيد الأكبر منذ إعلان الهدنة قبل نحو 4 أسابيع، بعدما حاولت الولايات المتحدة إعادة فتح الطريق أمام حركة الشحن في واحد من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة عالمياً.

ولم تعد المخاوف مرتبطة بسعر النفط فقط، بل بقدرة السوق على تعويض أي نقص جديد في الإمدادات، خاصة مع تراجع المخزونات وتزايد الضغط على طرق الشحن.

رفض ترامب يزيد تعقيد المشهد

يضاف إلى هذا القلق، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرد الإيراني على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب، بعدما وصفه بأنه “غير مقبول إطلاقًا”، في وقت كشفت فيه تقارير صحفية عن تفاصيل متعددة للرد الإيراني، شملت مقترحات نووية وأمنية متشابكة.

وقال ترامب إن الرد الإيراني “لا يعجبه”، مع توجيه الشكر إلى الأطراف المعنية على الاهتمام بالملف. وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، لم يتضمن الرد الإيراني التزامات كاملة بشأن البرنامج النووي أو مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، كما رفضت طهران تفكيك منشآتها النووية.

وفي المقابل، طرحت مقترحات تشمل تعليق التخصيب لفترة محدودة، ونقل جزء من اليورانيوم إلى دولة ثالثة، مع طلب ضمانات بإعادته إذا فشلت المفاوضات، كما شمل الرد الإيراني مقترحاً بإنهاء الصراع تدريجياً، وفتح مضيق هرمز بالتوازي مع رفع الحصار الأمريكي، ضمن ترتيبات أوسع لتخفيف التصعيد.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة لا تزال مفتوحة على أكثر من مسار، بين احتمال التصعيد العسكري، أو العودة إلى مفاوضات أكثر تعقيداً بين واشنطن وطهران.

اقرأ أيضًا: قبل زيارة ترامب.. الصين توسع فائضها التجاري مع أمريكا

سرعة استنزاف المخزونات

يركز بنك غولدمان ساكس في تحذيره على سرعة استنزاف المخزونات، أكثر من تركيزه على حجمها الحالي، فالسوق تستطيع أحياناً العمل بمخزونات منخفضة إذا كانت الإمدادات منتظمة وقابلة للتوقع، لكن المشكلة تظهر عندما تتراجع المخزونات بسرعة، وفي الوقت نفسه تتعرض طرق الشحن والعبور لهجمات أو قيود، بحسب البنك.

في هذه الحالة، يصبح كل تراجع إضافي في المخزون أكثر حساسية، لأن السوق تفقد تدريجياً قدرتها على امتصاص الصدمات، مع بقاء مضيق هرمز في قلب الأزمة باعتباره أحد أهم شرايين تجارة النفط والغاز في العالم، ومع استمرار تراجع الشحن عبره تضطر السوق إلى الاعتماد بصورة أكبر على المخزونات لتعويض اضطراب التدفقات.

تآكل مخزونات البنزين والديزل

تبدو الضغوط أكثر وضوحاً في المنتجات المكررة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، فوفق تقديرات البنك الأمريكي هبطت المخزونات التجارية العالمية من هذه المنتجات إلى 45 يوماً من الطلب، مقارنة بنحو 50 يوماً قبل الضربة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.

هذا التراجع مهم، لأنه لا يتعلق بالخام وحده، بل بالوقود الذي يصل مباشرة إلى المستهلكين وقطاع النقل والمصانع، وعندما تتآكل مخزونات المنتجات المكررة بهذه السرعة قد تظهر آثار الأزمة في أسعار الوقود قبل أن تصل مخزونات الخام إلى مستويات حرجة.

يحذر غولدمان أيضاً من أن هوامش الأمان المتاحة بسهولة في المنتجات المكررة تقترب من مستويات منخفضة للغاية، فالأرقام الإجمالية للمخزونات لا تكشف الصورة كاملة، لأن ليست كل البراميل متاحة في المكان المناسب، أو قابلة للاستخدام فوراً، أو قريبة بما يكفي من الأسواق التي تحتاج إليها.

هل تنهار أسواق النفط؟

حتى الآن، لا يقول غولدمان ساكس إن سوق النفط وصلت إلى نقطة انهيار تشغيلي، فالمخزونات -بحسب تقديراته- لا تزال أعلى من مستويات الطوارئ المتوقعة هذا الصيف.

لكن هذا لا يعني أن الوضع مريح، فالاتجاه العام يبعث على القلق، فالمخزونات تتراجع، والمنتجات المكررة تتآكل، ومسارات الإمداد تتعرض للضغط، والأسعار بدأت تعكس خوفاً أكبر من نقص محتمل في المعروض.

ولهذا، فإن قفزة النفط الأخيرة لا تعكس فقط الخسائر المباشرة الناتجة عن الهجمات، بل تعكس أيضاً خوف السوق من استمرار استنزاف المخزونات، فعندما يقل عدد البراميل المتاحة في السوق يصبح كل برميل إضافي أكثر قيمة، وعندما تصبح طرق الشحن أقل أماناً، تبدأ الأسعار في إضافة علاوة مخاطر أعلى.

لكن ما يؤكده البنك الأمريكي، أن سوق النفط العالمية لا تبدو على حافة أزمة كاملة حتى الآن، لكنها أصبحت أكثر هشاشة، فمخزونات الخام لا تزال فوق مستويات الطوارئ، لكنها تتراجع بسرعة، ومخزونات المنتجات المكررة تنخفض بوتيرة أكبر، ومضيق هرمز لا يزال نقطة ضغط رئيسة في معادلة الإمدادات.

اقرأ أيضًا: توترات مضيق هرمز تبقي النفط تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة