النواب الأمريكي يُمرر مشروع قانون الضرائب الشامل وسط انقسام سياسي 

في جلسة شهدت توتراً سياسياً شديداً، نجح مجلس النواب الأمريكي فجر الخميس 22 مايو 2025، في تمرير مشروع قانون الضرائب الشامل والإنفاق الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمعروف إعلامياً باسم “القانون الكبير والجميل”، وذلك بفارق صوت واحد فقط (215 مؤيداً مقابل 214 معارضاً)، فيما امتنع نائب واحد عن التصويت. ويمثل المشروع محاولة شاملة لإعادة تشكيل ملامح السياسات الاقتصادية الأمريكية، وهو بمثابة اختبار حقيقي لقوة ترامب السياسية داخل الحزب الجمهوري.

أبرز بنود مشروع قانون الضرائب الشامل 

واجه قانون الضرائب الشامل معارضة حادة، ليس فقط من الديمقراطيين بل من داخل الحزب الجمهوري ذاته، نظرًا لبنوده التي قد لا تخلو من دوافع سياسية مباشرة، ومن أبرزها:

  • تمديد التخفيضات الضريبية التي أُقرّت في عام 2017، والتي كانت على وشك الانتهاء، بما يمنح إعفاءات ضريبية واسعة النطاق لفئات مختلفة من المجتمع الأمريكي.
  • رفع الائتمان الضريبي للأطفال إلى 2500 دولار سنويًا حتى عام 2028، قبل أن يعود إلى 2000 دولار بعد ذلك، في خطوة تهدف لدعم الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل.
  • إلغاء الضرائب على البقشيش والعمل الإضافي، وهو ما اعتُبر دعماً مباشراً للعاملين في قطاع الخدمات، مثل النُدُل والعاملين في الفنادق والمطاعم.
  • خصومات ضريبية على فوائد قروض السيارات، وهو ما يُفسَّر كمحاولة لتحفيز الإنفاق الاستهلاكي داخل السوق المحلي.
  • رفع سقف خصم الضرائب المحلية والولائية من 10 آلاف إلى 40 ألف دولار للعائلات التي يقل دخلها السنوي عن 500 ألف دولار، وذلك استجابة لضغوط الجمهوريين في ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك.

شروط صارمة للمساعدات الحكومية

من جهة أخرى، تضمّن مشروع قانون الضرائب الشامل تشديدات ملحوظة في شروط الحصول على المساعدات الاجتماعية، خاصة برامج “ميديكيد” للرعاية الصحية وسناب لدعم الغذاء؛ حيث فرض القانون الجديد متطلبات عمل إلزامية للمستفيدين، على أن تُطبَّق هذه الشروط بحلول نهاية 2026، مما أثار مخاوف من احتمال فقدان ملايين الأمريكيين ذوي الدخل المحدود لمزاياهم الأساسية.

وعلى صعيد البيئة، ألغى القانون العديد من الحوافز المرتبطة بالطاقة المتجددة التي كانت قد أُقرت في عهد الرئيس جو بايدن، واعتبر الديمقراطيون والمنظمات البيئية هذه الخطوة نكسة خطيرة في التزامات الولايات المتحدة المناخية، معتبرين أنها تخدم مصالح الصناعات التقليدية على حساب البيئة. وتضمن المشروع أيضاً زيادة في التمويل المخصص للدفاع وضبط الحدود، في إطار السياسات الأمنية التي يدعمها ترامب ومؤيدوه.

اقرأ أيضًا: الأمريكيون يهاجرون إلى أوروبا رغم قيود الهجرة المتزايدة

انقسامات حزبية ومعركة داخلية

مرور مشروع قانون الضرائب الشامل لم يكن سهلاً، بل جاء بعد معركة شرسة داخل الحزب الجمهوري، حيث انقسم النواب بين داعمين لترامب ومعارضين للبنود المالية الثقيلة التي قد تُفاقم العجز. لكن ترامب تمكن من حسم المعركة بأغلبية بسيطة عبر تقديم تنازلات محدودة وإعادة صياغة بعض البنود لتلبية مطالب المعارضين داخل حزبه.

ورغم تمرير المشروع في مجلس النواب، فإن التحدي الأكبر ينتظره في مجلس الشيوخ، حيث عبّر عدد من أعضاء الحزب الجمهوري المعتدلين عن رفضهم لصيغة القانون الحالية، ومن المتوقع أن يخضع القانون لمراجعات مكثفة وتعديلات جوهرية قد تُعيد المفاوضات بين المجلسين إلى نقطة الصفر.

مازال مصير “القانون الكبير والجميل” لا يزال غير محسوم، لكنه بلا شك أصبح محورًا رئيسيًا في الحملات الانتخابية القادمة، حيث يراه البعض إنجازاً اقتصادياً يعزز موقف ترامب، بينما يراه آخرون تهديداً للاستقرار المالي قد يُفاقم أزمة الديون الفيدرالية.

اقرأ أيضًا: ترامب يعقد مع دول خليجية صفقات تاريخية واستثمارات بـ 3.2 تريليون

تحليل تفصيلي لمشروع “القانون الكبير والجميل”

من جهته قال الدكتور ناصر حسن، الخبير في الشؤون الاقتصادية والسياسات العامة، إن تمرير مجلس النواب الأمريكي لما يعرف بـ”مشروع القانون الكبير والجميل”، الذي قدمه الرئيس ترامب، يُمثل نقطة تحول كبرى في السياسة الاقتصادية للولايات المتحدة، مضيفاً أن هذا المشروع الذي يدمج بين التخفيضات الضريبية والتعديلات على سياسات الإنفاق، ستكون له تأثيرات مباشرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد الأمريكي والمجتمع ككل.

بين إنجاز سياسي وعبء اقتصادي

أوضح الدكتور ناصر أن التحليل الاقتصادي الدقيق لهذا المشروع يكشف عن عدة أبعاد رئيسية، بعضها يحمل فرصًا لتحفيز النمو، فيما يتضمن بعضها الآخر مخاطر حقيقية على التوازن المالي والاجتماعي في البلاد.

وأضاف: “إنَّ تمديد التخفيضات الضريبية التي أُقرت عام 2017، والتي كانت على وشك الانتهاء، يهدف من الناحية النظرية إلى تحفيز النمو الاقتصادي من خلال زيادة الدخل المتاح للأفراد والشركات، لكن عمليًا تظل هذه التخفيضات مثار جدل كبير، خاصة وأنها تخدم بالدرجة الأولى أصحاب الدخول المرتفعة وكبرى الشركات، مما يزيد من اختلال توزيع الدخل ويعزز الفوارق الاقتصادية داخل المجتمع”.

وتابع الخبير: “رفع قيمة الائتمان الضريبي للأطفال إلى 2500 دولار حتى عام 2028 خطوة إيجابية تستهدف دعم الأسر المتوسطة والفقيرة، ومن شأنها أن تُحسن القوة الشرائية لهذه الفئات بشكل يساهم في رفع معدلات الاستهلاك الداخلي، مما يدعم الاقتصاد المحلي بشكل غير مباشر”.

وعن إلغاء الضرائب على البقشيش والعمل الإضافي علق ناصر: “هذا التعديل يُعد دعماً مباشراً للطبقات العاملة في قطاع الخدمات، وهو قطاع يُشكل نسبة كبيرة من سوق العمل الأمريكي، حيث سيؤدي هذا القرار إلى زيادة صافي الدخل الشهري للعاملين، وهو إجراء مرحب به اقتصاديًا واجتماعيًا”.

وعن ملف رفع سقف خصم الضرائب المحلية والولائية (SALT)، أشار الدكتور ناصر إلى أن رفع السقف من 10 آلاف إلى 40 ألف دولار يُعد بمثابة انفراجة حقيقية لسكان الولايات التي تفرض ضرائب مرتفعة، مثل كاليفورنيا ونيويورك؛ فمن المتوقع أن يُخفف هذا التعديل من العبء الضريبي عن الطبقة المتوسطة في تلك المناطق، ما قد يُسهم في تقليل وتيرة النزوح السُكاني منها، ويُعيد نوعًا من التوازن في توزيع الكثافة السكانية والفرص الاقتصادية بين الولايات.

وفيما يخص التحفيز الضريبي المرتبط بفوائد قروض السيارات، أوضح الخبير أن هذا النوع من الحوافز يمثل أداة فعّالة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتنشيط مبيعات السيارات، مما ينعكس بشكل مباشر على دعم الصناعة الوطنية ويدفع عجلة التوظيف في القطاعات المرتبطة بها، كالإنتاج، والخدمات اللوجستية، والتمويل.

تعرّف إلى أحدث القرارات المتعلقة بالسيارات: ترامب يخفف الرسوم الجمركية عن السيارات

برامج الدعم الاجتماعي في مهب الريح

عبّر الدكتور ناصر حسن عن قلقه حيال السياسات الجديدة التي تشترط العمل الإلزامي للحصول على المساعدات الحكومية، موضحًا أن فرض مثل هذه الشروط على مستفيدي برامج أساسية كـ Medicaid وSNAP يُمثل تحولًا نحو توجهات تقشفية، رغم ما يُروَّج له من أهداف تتعلق بتعزيز ثقافة الاعتماد على الذات. وأكد أن هذه الإجراءات قد تنعكس سلبًا على ملايين الأمريكيين من ذوي الدخل المحدود، إذ تُهددهم بفقدان الدعم الصحي والغذائي الأساسي، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر والتهميش الاجتماعي في المجتمع الأمريكي.

وفي الملف البيئي، أشار الدكتور ناصر إلى أن إلغاء الحوافز الضريبية المرتبطة بالطاقة الخضراء، والتي كانت إحدى ركائز سياسة إدارة بايدن المناخية، يُعد نكسة كبيرة على صعيد الالتزامات البيئية للولايات المتحدة. وأضاف أن هذا القرار لا يُهدد فقط جهود التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، بل قد يُؤدي إلى انكماش الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، مقابل تعزيز الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما سينعكس سلبًا على التنافسية الاقتصادية على المدى الطويل ويُضعف من مكانة الولايات المتحدة ضمن الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ.

وحذّر الدكتور ناصر من تأثيرات العجز المالي قائلاً: “حجم التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق العام في هذا المشروع يضع الولايات المتحدة أمام خطر حقيقي يتمثل في تفاقم الدين العام، وفي حال استمرت هذه السياسات دون موازنة واضحة فإنها قد تؤدي إلى خفض التصنيف الائتماني الأمريكي، وزيادة كلفة التمويل الحكومي، ما قد يُقلص من قدرة الحكومة على الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة مستقبلاً”.

الانقسامات داخل الحزب الجمهوري

علّق الدكتور ناصر حسن على المشهد السياسي المحيط بمشروع القانون الجديد، مؤكدًا أن تمريره بأغلبية صوت واحد فقط في مجلس النواب يكشف عن عمق الانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وهو ما يعكس هشاشة التوافق السياسي حوله. وأشار إلى أن هذا الانقسام قد يُعيق تنفيذ أي خطوات تشريعية مكمّلة في المستقبل، مما يُهدد بإضعاف فاعلية المشروع على أرض الواقع.

ورغم تمرير المشروع في مجلس النواب، أوضح الدكتور ناصر أن العقبة الأكبر ما زالت في مجلس الشيوخ، حيث يواجه معارضة حتى من بعض أعضاء الحزب الجمهوري المعتدلين. ومن المرجّح، بحسب تقديره، أن يتم إدخال تعديلات جوهرية على المشروع أو تأجيل التصويت عليه، مما يُدخل النص في دوامة مفاوضات قد تُفقده الزخم اللازم للتنفيذ الفعلي.

قد يهمّك أيضًا: هل تقود سياسات ترامب التجارية أمريكا إلى عزلة اقتصادية؟

تداعيات اقتصادية محتملة

في سياق آخر، حذّر الدكتور ناصر من تداعيات اقتصادية محتملة، مشيرًا إلى أن زيادة الطلب الاستهلاكي الناتجة عن التخفيضات الضريبية، إذا لم تقابلها زيادة في الإنتاج والعرض، فإنها قد تُؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية. وأضاف أن هذا السيناريو قد يُجبر الاحتياطي الفيدرالي على رفع أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة، ما قد يُبطئ وتيرة النمو الاقتصادي، ويزيد من عبء الديون على الأسر والشركات.

مشروع اقتصادي أم ورقة انتخابية؟

اختتم الدكتور ناصر تصريحاته بالتأكيد على أنَّ مشروع القانون لا يخلو من دوافع سياسية مباشرة، معتبرًا إياه “أداة انتخابية واضحة”، موضحًا أن دونالد ترامب يسعى من خلال هذا المشروع إلى تقديم نفسه كصاحب إنجاز اقتصادي كبير يدعم موقعه وحزبه في الانتخابات النصفية المقبلة، في حين يرى خصومه أن المشروع يُجسد سياسة اقتصادية غير متوازنة قد تُفاقم الفجوات الاجتماعية وتهدد الاستقرار المالي على المدى الطويل.

وأضاف أن هذا المشروع لا يُمثّل مجرد حزمة اقتصادية، بل يُعد بمثابة وثيقة سياسية واقتصادية متكاملة تُجسّد توجهات إدارة ترامب المستقبلية، وتُحدد ملامح الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات القادمة. وبينما يعتبره أنصاره نقطة انطلاق نحو مرحلة نمو جديدة، يُحذر معارضوه من أنه قد يكون بداية أزمة اقتصادية أعمق.

وفي ختام تصريحاته، شدد الدكتور ناصر حسن على أن مسار القانون سيظل مرهونًا بالتوازنات السياسية في مجلس الشيوخ، لكنه بلا شك سيكون محورًا رئيسيًا في رسم الخطاب السياسي والاقتصادي الأمريكي في المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: ترامب يصعّد ضد باول.. الفائدة والسلطة على المحك

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة