الهند على طريق إنشاء محطة فضاء وهبوط أول رائد على القمر

تسعى الهند بخطى متسارعة لترسيخ مكانتها كقوة صاعدة في مجال الفضاء، وهو ما أكّده وزير الفضاء الهندي، جيتندرا سينغ، موضحاً الخطوط العريضة للمرحلة المقبلة من البرنامج الفضائي الهندي. وتشمل الخطة إطلاق أول محطة فضاء هندية باسم “بهاراتيا أنتركش” بحلول عام 2035، إضافة إلى استعدادات لهبوط أول رائد فضاء هندي على سطح القمر بحلول عام 2040.

وتتسع ملامح هذا التصور لتشمل بعداً اقتصادياً واضحاً، فعضوية الهند المتنامية داخل نادي الفضاء العالمي لم تعد قائمة فقط على مشروعات حكومية تقليدية، وإنما باتت تعتمد بصورة متزايدة على القطاع الخاص.

هل تمتلك الهند فرصة للمنافسة في الفضاء؟

وفق ما أكده سينغ، فإن اقتصاد الفضاء الهندي كان ضعيفاً، قبل فتح المجال أمام الشركات الخاصة، لكن هذا الواقع تغيّر جذرياً بعد تحرير القطاع ومنح الشركات الناشئة مساحة أوسع للابتكار والمنافسة. وقد ارتفعت قيمة اقتصاد الفضاء المحلي إلى نحو 8 مليارات دولار، مع توقعات بأن يقفز إلى ما بين 40 و45 مليار دولار خلال السنوات الثماني إلى العشر المقبلة، مدعوماً بزخم استثماري متصاعد وبتوسع متواصل في نشاط الشركات القديمة والناشئة على حد سواء.

هذا التوجه يتسق مع رؤية رئيس الوزراء ناريندرا مودي الساعية إلى تقليص الفجوة مع القوى الفضائية الكبرى، وفي مقدمتها الصين التي تشغّل بالفعل محطة فضائية عاملة وتخطط لإرسال رواد فضاء إلى القمر بحلول 2030.

عناصر التفوق التي تدعم صعود الهند في قطاع الفضاء

تستند الهند إلى مجموعة من عناصر القوة، في مقدمتها التفوق التاريخي في البرمجيات وخدمات تكنولوجيا المعلومات، وتطوير تكنولوجيا منخفضة التكلفة، إلى جانب قاعدة علمية وبحثية واسعة، ما يمنحها فرصة لبناء نموذج فضائي مختلف يقوم على الكفاءة والجدوى الاقتصادية، وليس فقط على استعراض القدرات.

وعلى مستوى البنية الصناعية، تلعب الشركات الناشئة دوراً محورياً في هذا التحول، فقد بلغ عدد الشركات الهندية العاملة في قطاع الفضاء نحو 400 شركة، تنشط في مجالات متعددة تشمل تصنيع الأقمار الصناعية الصغيرة، وخدمات الإطلاق التجارية، وتحليلات البيانات المعتمدة على الفضاء، وهو ما يمنح الهند قاعدة صناعية واسعة قادرة على المنافسة في سوق عالمية تحتدم فيها المنافسة على العقود والخدمات الفضائية المتقدمة.

وفي هذا الإطار، كان رئيس منظمة الأبحاث الفضائية الهندية (ISRO)، في نارايانان، قد أكد في أغسطس الماضي أن بلاده تسعى لرفع حصتها من السوق التجارية العالمية للفضاء إلى ما بين 8% و10% خلال العقد المقبل، مقارنة بحصة تقل حالياً عن 2%، في مؤشر واضح على الطموح المزدوج لتعزيز القدرة الصناعية وتحسين القدرة التنافسية.

إنجازات هندية ترسخ حضورها في الفضاء العالمي

إنجازات الهند في الفضاء خلال السنوات الأخيرة تعطي هذه الأهداف بعداً عملياً، ففي عام 2023 حققت نيودلهي محطة مفصلية حين أصبحت أول دولة تهبط بمركبة روبوتية بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، في منطقة تجذب اهتماماً دولياً متزايداً بسبب احتمالات وجود مياه متجمدة يمكن استخدامها في أنظمة دعم الحياة أو تصنيع الوقود.

ويمضي البرنامج قدماً نحو تنفيذ أول مهمة فضائية مأهولة في مطلع عام 2027، وهي خطوة رئيسة لتكوين الخبرة التشغيلية اللازمة قبل إطلاق محطة الفضاء المخطط لها، وبناء قدرات بشرية وتقنية يمكن الاعتماد عليها في إدارة وجود طويل الأمد في المدار وفي الفضاء السحيق.

جيتندرا سينغ نفسه يشغل موقعاً محورياً في مكتب رئيس الوزراء، حيث يتولى الإشراف على قطاعات العلوم والفضاء والطاقة الذرية، ويقود جهوداً متعددة لربط البرنامج الفضائي بمسار التقدم التكنولوجي والاقتصادي الأوسع الذي تتبناه الحكومة، والتي تضع الابتكار والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة على رأس أولوياتها.

تمويل ميسّر للشركات التكنولوجية المتقدمة

كشفت الحكومة عن أداة تمويلية وسياسية تعكس إدراكها لأهمية ربط الابتكار بالتطبيق التجاري؛ إذ أطلقت برنامجاً ضخماً للبحث والتطوير والابتكار بقيمة تريليون روبية (نحو 11.1 مليار دولار)، يستهدف تسريع وتيرة المشاريع التكنولوجية المتقدمة، عبر توفير تمويل ميسّر للشركات التي وصلت ابتكاراتها إلى المستوى الرابع أو أعلى على مقياس الجاهزية التكنولوجية، أي تلك التي تجاوزت المراحل النظرية والمعملية الأولى واقتربت من حافة الإطلاق التجاري.

هذا البرنامج يستهدف سد فجوة التمويل التي كثيراً ما كانت تعرقل انتقال التقنيات من المختبر إلى خط الإنتاج، وتشجيع الشركات على تحويل الابتكار إلى منتج قابل للتسويق في الداخل والخارج، ما يجعله جزءاً حيوياً من استراتيجية التحول الهندية نحو اقتصاد متقدم يعتمد على المعرفة والابتكار.

دور الفضاء في الاقتصاد المعاصر

الخبيرة الاقتصادية الدكتورة شيماء وجيه ترى أن هذه الخطوات المتسارعة لا تعكس سباقًا تكنولوجيًا مجردًا أو رغبة في اللحاق بالدول الكبرى، بل تعبّر عن تحول نوعي في فهم الهند لدور الفضاء في الاقتصاد المعاصر، فالهند تعتبر الفضاء قطاعاً اقتصادياً قادراً على خلق قيمة مضافة ضخمة، وتحريك سلسلة واسعة من الصناعات والخدمات عالية التقنية، بما في ذلك المواد المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والملاحة، وإدارة الموارد.

وأوضحت الخبيرة أنَّ فتح القطاع أمام الشركات الخاصة ونمو عدد الشركات الناشئة إلى نحو 400 شركة يعني الانتقال من نموذج برنامج دولة إلى نموذج منظومة سوق، حيث تصبح الدولة مُمَكِّنًا ومنظمًا ومحفزًا، بينما يقود القطاع الخاص عملية الابتكار والإنتاج والتوسع. وهذا التحول -إذا جرت إدارته بحوكمة رشيدة- يمكن أن يحوّل اقتصاد الفضاء إلى منصة لإعادة توزيع فرص النمو وخلق وظائف عالية القيمة للشباب، خاصة إذا تم ربطه بسياسات تعليمية وبحثية تتيح مشاركة الجامعات ومراكز البحث في هذا المسار.

محاذير من تحول القطاع إلى مجال مغلق

حذَّرت الدكتورة شيماء وجيه من أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مشروطاً بقدرة الهند على تجنّب تركّز العوائد في أيدي قلة من الشركات الكبرى أو مجموعات المصالح، وألا يتحول اقتصاد الفضاء إلى مجال مغلق لا يستفيد منه مجتمعياً سوى شريحة ضيقة، لذلك تؤكد أن ربط التمويل بالشفافية والمنافسة، وإتاحة الفرص للشركات الصغيرة والمتوسطة، هو عنصر أساسي لضمان أن تتحول الاستثمارات الضخمة في الفضاء والابتكار إلى رافعة تنموية حقيقية، وليست مجرد سباق مكلف على الرمزية.

وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن الهند تتحرك في بيئة عالمية شديدة التنافس، تضم قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وأوروبا، إلى جانب عمالقة القطاع الخاص مثل “سبيس إكس” ، لكنها تمتلك مزايا تنافسية واضحة في الكلفة، والخبرة الهندسية، والبنية البرمجية، ما يمنحها فرصة لتعزيز حصتها في السوق، وتقديم خدمات فضائية بأسعار مناسبة للدول النامية الباحثة عن حلول منخفضة التكلفة للدخول إلى عصر الفضاء.

واختتمت الخبيرة تصريحاتها قائلة: “المسار الهندي نحو الفضاء يعكس مزيجاً من الطموح العلمي والحساب الاقتصادي البارد، فمحطة “بهاراتيا أنتركش” المقررة في 2035، والهدف بوصول رائد فضاء هندي إلى القمر في 2040، والطفرة المخطط لها في حجم اقتصاد الفضاء إلى 40–45 مليار دولار، وبرنامج الابتكار بقيمة تريليون روبية، كلها حلقات في سلسلة واحدة تستهدف إعادة صياغة موقع الهند في الاقتصاد العالمي وسلاسل القيمة التكنولوجية، وتحويل الفضاء من حلم بعيد إلى أداة عملية لإنتاج الثروة والمعرفة والنفوذ في العقود القادمة”.

اقرأ أيضًا: ترامب ومودي.. خلافات تجارية وتعاون استراتيجي بين أمريكا والهند

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة