يبرز “الهيدروجين الأبيض” أو ما يُعرف بالهيدروجين الجيولوجي كأحد أكثر الرهانات واعدةً في مستقبل الطاقة المستدامة؛ كونه غازاً يتشكل طبيعياً في مكامن تحت سطح الأرض، ويرجح العلماء أن هذا المصدر الفطري يتولد نتيجة تفاعلات كيميائية معقدة بين المياه والمعادن الغنية بالحديد في بيئات ذات درجات حرارة مرتفعة في باطن الأرض.
ويكتسب الهيدروجين الأبيض أهمية استراتيجية كبرى في مساعي التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر؛ فبينما يعتمد “الهيدروجين الأخضر” على الطاقة المتجددة (كالرياح والشمس) في إنتاجه، يمنح الهيدروجين “الجيولوجي” ميزة استخراج وقود نظيف وجاهز دون كلف إنتاجية عالية أو انبعاثات كربونية مرتبطة بالعمليات الصناعية التقليدية القائمة على الوقود الأحفوري.
إن الاستثمار في استكشاف هذا المورد الطبيعي لا يعزز فقط من جهود مكافحة التغير المناخي، بل يفتح آفاقاً جديدة لتأمين طاقة منخفضة الكربون وبأقل تكلفة ممكنة، مما يدفع بعجلة الاستدامة وجودة الهواء نحو مستويات غير مسبوقة.
تاريخ اكتشاف الهيدروجين الأبيض
تعود الجذور التاريخية لاكتشاف الهيدروجين الأبيض إلى عام 1987 في مالي، وتحديداً على بُعد 60 كيلومتراً من العاصمة باماكو؛ حيث فجّرت محاولة فاشلة للتنقيب عن المياه تدفقات هائلة لغاز مجهول شديد الاشتعال، ورغم إغلاق البئر حينها وتجاهله لعقود إلا أن إعادة استكشاف الموقع بعد عشرين عاماً كشفت عن خزانات جيولوجية فائقة النقاء، تُستغل حالياً في تزويد القرى المحلية بالطاقة الكهربائية.
ولم يتوقف الزخم عند القارة الأفريقية، إذ شهد العام الماضي كشفاً مدوياً في منطقة “لورين” بشرق فرنسا، فيما يُعتقد أنه أضخم مخزون طبيعي للهيدروجين الجيولوجي المكتشف عالمياً حتى الآن، وتعزز تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) هذا التفاؤل، مشيرة إلى إمكانية وجود نحو 5 تريليونات طن متري من الهيدروجين الأبيض القابع في الخزانات الجوفية عبر الكوكب.
ومع ذلك، تظل هذه الثروة الكامنة رهن التحديات التقنية؛ حيث يرى الخبراء أنّ تواجد هذه المخزونات في أعماق سحيقة أو في مناطق نائية بعيداً عن الشواطئ قد يعيق الجدوى الاقتصادية لاستخراجها في الوقت الراهن، وهو ما يستدعي، بحسب التقارير الدولية، ضخ استثمارات ضخمة لتسريع وتيرة البحث والتطوير في مراحل الاستكشاف المبكرة.
ووفقاً لتحليلات “ريستاد إنرجي” (Rystad Energy)، فإن تأكيد صحة التقديرات المتعلقة بحجم هذه الاحتياطيات سيحدث نقلة نوعية في “معادلة تحول الطاقة” العالمية، محولاً الهيدروجين الأبيض من مجرد اكتشاف عارض إلى ركيزة أساسية في مستقبل الوقود النظيف.
أين يوجد الهيدروجين الأبيض؟
رغم الزخم المحيط بهذا المورد، لا تزال حالة من عدم اليقين تكتنف الآليات الدقيقة لتشكل الرواسب الطبيعية الكبرى؛ حيث يركز الجيولوجيون على مسارين أساسيين: الأول هو “التفاعل الكيميائي” الناتج عن التقاء الماء بالصخور الغنية بالحديد، والثاني هو “التحلل الإشعاعي” الذي يتسبب في تفكك جزيئات الماء بفعل الإشعاع الطبيعي في باطن الأرض.
وتم رصد رواسب هذا النوع من الهيدروجين في مناطق متفرقة حول العالم، شملت الولايات المتحدة، وأوروبا الشرقية، وروسيا، وأستراليا، وفرنسا، ومالي، بالإضافة إلى حضور بارز في سلطنة عُمان. وقد جاءت هذه الاكتشافات إما بمحض الصدفة أو عبر تتبع أدلة جيولوجية فريدة تُعرف بـ “الدوائر الخيالية”؛ وهي منخفضات ضحلة بيضاوية الشكل تمثل نقاط تسريب طبيعية للهيدروجين.
وتشير التقديرات إلى احتمالية وجود عشرات المليارات من الأطنان من هذا الهيدروجين عالمياً. وبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن هذه الكميات تتجاوز بكثير حجم الإنتاج الحالي البالغ 100 مليون طن سنوياً، بل وتفوق سقف الإنتاج المتوقع بحلول عام 2050 والمقدر بنحو 500 مليون طن، مما يجعله مورداً قادراً على تلبية الاحتياجات المستقبلية بامتياز.
أكبر الرواسب في فرنسا
نجح علماء الجيولوجيا في رصد ما قد يُعد أضخم رواسب للهيدروجين الطبيعي المكتشفة عالمياً حتى الآن في منطقة “لورين” شمال شرق فرنسا، وقد جاء هذا الاكتشاف النوعي بمحض الصدفة أثناء عمليات البحث عن غاز الميثان؛ حيث كشفت القياسات عن وصول تركيز الهيدروجين إلى 20% عند عمق 1250 متراً، مع مؤشرات تؤكد تصاعد هذه النسبة طردياً كلما زاد العمق.
ويُقدّر الخبراء أن هذه الرواسب قد تحتضن نحو 46 مليون طن من الهيدروجين الأبيض، وهي كمية هائلة تتجاوز نصف إجمالي الإنتاج العالمي السنوي الحالي من الهيدروجين الرمادي، مما يضع فرنسا في قلب خارطة الطاقة المستقبلية.
الفرق بين الهيدروجين الأبيض والأخضر والأزرق
تتعدد مسارات إنتاج واستخراج الهيدروجين لتلبية احتياجات الاقتصاد الخالي من الكربون، ورغم تقاطع أهدافها، إلا أنها تختلف جذرياً في المصدر والتقنية والأثر البيئي:
- الهيدروجين الأبيض (المصدر الفطري)
يُعد الهيدروجين الأبيض أو “الجيولوجي” وقوداً فطرياً يتواجد طبيعياً في مكامن جوفية، ولا يتطلب عمليات تصنيع معقدة بل يعتمد على الاستخراج المباشر بآلية شبيهة بالغاز الطبيعي، وتُصنف بصمته الكربونية كأدنى مستويات الانبعاثات تاريخياً؛ نظراً لجهوزيته في الطبيعة مما يلغي الحاجة لاستهلاك طاقة ضخمة في عمليات التحليل أو التصنيع الصناعي.
- الهيدروجين الأخضر (المصدر المشتق)
يمثل قمة التطور التكنولوجي في الطاقة النظيفة، وهو وقود “مشتق” يُنتج صناعياً عبر عملية التحليل الكهربائي للماء، وتعتمد نظافته البيئية المطلقة على الاستخدام الحصري لمصادر الطاقة المتجددة (رياح، شمس) لضمان دورة حياة صفرية الانبعاثات، إلا أنه يظل مرتبطاً بمدى توفر كفاءة الطاقة المتجددة وتكلفة المحللات الكهربائية.
- الهيدروجين الأزرق (المسار الانتقالي)
يُستخلص الهيدروجين الأزرق من “الوقود الأحفوري” (الغاز الطبيعي غالباً) عبر عملية إصلاح الميثان بالبخار، ويكمن تميزه التقني في اقترانه بتقنيات “احتجاز وتخزين الكربون” (CCS)؛ حيث يتم عزل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة وتخزينها في مستودعات تحت الأرض بدلاً من إطلاقها في الغلاف الجوي، مما يجعله خياراً انتقالياً حيوياً لاستغلال البنية التحتية القائمة مع تقليل الأثر البيئي.
اقرأ ايضًا: حلم نووي بقيمة 130 مليار يورو شرق أوروبا.. هل يتحقق؟
عملية إنتاج الهيدروجين الأخضر
في هذا السياق يجذر الإضارة إلى أنّ آلية إنتاج الهيدروجين الأخضر تعتمد على تقنية “التحليل الكهربائي”، وهي عملية فيزيائية تهدف إلى فك الارتباط الجزيئي بين الهيدروجين والأكسجين في الماء (H2O). وتكتسب هذه الطريقة صبغتها المستدامة من خلال الاعتماد الكلي على مصادر الطاقة النظيفة -كالرياح، والشمس، أو الطاقة النووية- لضمان دورة إنتاج خالية تماماً من الانبعاثات الكربونية. وتتلخص مراحل الإنتاج في الخطوات المنهجية الآتية:
- توليد الطاقة النظيفة: تبدأ الدورة بحصاد الطاقة من المصادر المتجددة (عبر الألواح الشمسية أو توربينات الرياح)، وتحويلها إلى تيار كهربائي يمثل الوقود التشغيلي للمرحلة التالية.
- الفصل الجزيئي (التحليل الكهربائي): يتم توجيه التيار الكهربائي عبر وحدة “المحلل الكهربائي” المحتوية على وسيط سائل؛ حيث يعمل الجهد الكهربائي على فصل ذرات الهيدروجين عن الأكسجين بفاعلية عالية.
- الاحتجاز والتخزين: يُجمع غاز الهيدروجين المنبعث في صهاريج ضغط خاصة، مهيأة لعمليات النقل أو الاستخدام المباشر في الصناعات الثقيلة ووسائل النقل المستدام.
- الاستفادة من النواتج الثانوية: لا تقتصر عوائد العملية على الهيدروجين فحسب، بل يتم عزل الأكسجين عالي النقاوة الناتج عن التفاعل، لاستخدامه كمادة خام في التطبيقات الطبية والصناعية المختلفة.
اقرأ أيضًا: الهيدروجين الأخضر.. هل تصبح مصر مركز تصدير عالمي؟
أهمية الهيدروجين الأبيض
تكمن الأهمية الاستراتيجية للهيدروجين الأبيض في منظومة الطاقة والاقتصاد فيما يأتي:
- يبرز كبديل نظيف للوقود الأحفوري؛ كونه يتواجد بشكل فطري في باطن الأرض، مما يلغي الحاجة لعمليات التصنيع الملوثة ويقلص البصمة الكربونية العالمية.
- يرفد مسارات الاستدامة من خلال توفير مصدر طاقة “جاهز” لا يستهلك موارد مائية أو طاقة كهربائية ضخمة لاستخلاصه، مما يجعله ركيزة اقتصادية في التحول الطاقي.
- يتيح نطاقاً واسعاً من الاستخدامات، تشمل العمليات الصناعية، ومنظومات النقل الثقيل، وتوليد الكهرباء، وتخزين الطاقة.
- يمثل عنصراً محورياً في مستقبل الطاقة، حيث يساهم استكشافه في تنويع مصادر الإمداد وتلبية الطلب المتزايد بوقود مستدام ومنخفض التكلفة.
- يعمل الاستثمار في تقنيات استخراج الهيدروجين الطبيعي كمحرك للبحث والتطوير في علوم الجيولوجيا والذكاء الاصطناعي، مما يدفع عجلة الابتكار في اكتشاف موارد الأرض النظيفة.
اقرأ أيضًا: ثروات المغرب من المعادن تقود ثورة في الطاقة المتجددة
ما الذي يعوق انطلاقة الهيدروجين الأبيض؟
رغم الزخم الذي أحدثته استراتيجية وزارة الطاقة الأمريكية للهيدروجين النظيف في سبتمبر 2022، إلا أن مسار “الهيدروجين الأبيض” لا يزال يواجه عقبات تنظيمية وتعاريف علمية متباينة، يمكن تلخيصها في محورين:
ماهية المصدر: متجدد أم ناضب؟
ينقسم المجتمع العلمي والاقتصادي حول طبيعة هذا المورد إلى تيارين:
- الأول: يرى فيه مصدراً متجدداً يتولد باستمرار في باطن الأرض ويمكن استغلاله بلا نهاية.
- الثاني: يصنفه كمصدر ناضب يتراكم في طبقات تحت سطح الأرض بآلية مشابهة للنفط والغاز.
التحدي التشريعي والإطار القانوني
يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية تنظيم استغلال هذا المورد قانونياً: هل يُعامل كوقود أحفوري ويخضع لقوانين الهيدروكربون (كما هو الحال في بريطانيا بموجب قانون الغاز لعام 1986)؟ أم يُصنف ضمن أعمال التعدين كما في الاتحاد الأوروبي؟
مستقبل استكشاف الهيدروجين الأبيض
اليوم، تتجه غالبية الدول الصناعية نحو اعتبار الهيدروجين مصدراً طبيعياً مستقلاً، ما يستوجب صياغة أطر تشريعية خاصة به، وتُعد أستراليا رائدة في هذا المضمار؛ إذ قطعت شوطاً طويلاً في تنظيم القطاع ومنحت بالفعل تراخيص استكشاف تغطي مساحات شاسعة، مما يمهد الطريق لتحول هذا المورد إلى واقع اقتصادي ملموس.
ويؤكد العلماء أن الهيدروجين “الأبيض” يتواجد بكميات هائلة في رواسب شاسعة تمتد على طول الصفائح التكتونية، وخلال السنوات الأخيرة سلطت الدراسات الضوء على الإمكانات الهائلة لهذا العنصر -الأكثر وفرة في الكون- كطوق نجاة لمواجهة الكوارث المناخية؛ نظراً لخلوه التام من الكربون وامتلاكه أعلى كثافة طاقة مقارنة بأي وقود آخر من حيث الوزن.
وبعد سنوات من تعثر الاستراتيجيات العالمية لاستغلال هذا المورد، برزت شركة “كولوما” -ومقرها دنفر الأمريكية- كلاعب محوري أحدث اختراقاً في هذا المجال، وبدعم مالي ضخم من الملياردير “بيل غيتس” بقيمة 91 مليون دولار بدأت الشركة عمليات حفر سرية في الغرب الأوسط الأمريكي، معتمدة على مختبر “دارا” في أوهايو لتحليل عينات الصخور والغاز وتحديد المواقع الأكثر نقاءً ووفرة.
تكنولوجيا المتقدمة تقود الاستكشاف
تراهن “كولوما” على أن التكنولوجيا المتطورة ستكون المحرك الرئيس لمستقبل استخراج الهيدروجين الأبيض، وذلك من خلال:
- براءات اختراع نوعية: يقود الدكتور “توم دارا” توجهاً تقنياً يدمج بين تصوير الأقمار الصناعية وتقنية “الليدار” (الليزر النبضي) لتحديد أبعاد المواقع بدقة متناهية.
- خوارزميات التعلم الآلي: تُستخدم هذه الأدوات لإجراء تحليلات جيولوجية مفصلة للمواقع الواعدة، وهي تقنيات تم تطويرها داخل مختبرات جامعة “ولاية أوهايو”.
- الخبرات البشرية: تعزز الشركة فريقها بخبرات عالمية رائدة، في مقدمتهم عالمة الجيولوجيا الشهيرة “كاري هوداك”.
لا تقتصر الجدوى الاقتصادية لنشاط الشركة على الهيدروجين فحسب، بل تمتد لتشمل غاز “الهيليوم” عالي القيمة، والذي غالباً ما يتواجد في نفس الخزانات الجوفية، ويمثل هذا التواجد المزدوج فرصة استثمارية مضاعفة؛ حيث تُقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية سعر الهيليوم بنحو 310 دولارات لكل ألف قدم مكعب.
إن هذا المزيج بين التكنولوجيا الفائقة والموارد الجيولوجية النادرة يشير بوضوح إلى أننا بصدد عصر جديد من الاستكشافات، مما يؤكد أن حقبة الإنتاج التجاري للهيدروجين الأبيض لم تعد مجرد حلم بعيد، بل واقعاً يتبلور في الأفق القريب.