الولايات المتحدة وتايلاند تعززان شراكتهما في المعادن الحيوية

في خطوة جديدة تعكس التحول العميق في أولويات الاقتصاد العالمي، أعلنت الولايات المتحدة وتايلاند عن توسيع تعاونهما في مجال المعادن الحيوية لضمان دمج بانكوك في سلاسل توريد عالمية آمنة وموثوقة. وجاء الإعلان ضمن بيان مشترك صدر عقب توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين على هامش اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) المنعقدة في ماليزيا.

وأكَّد البيان على أهمية بناء أسواق آمنة ومتنوعة وسائلة وعادلة للمعادن الأساسية، في ظل الاضطرابات المتزايدة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية منذ جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

ووفقًا للتفاصيل التي نشرها البيت الأبيض، فإن المذكرة تُشكل إطارًا متقدمًا لتعاون طويل الأمد يهدف إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة في قطاع الموارد المعدنية الحيوية، وتشجيع الشراكات بين الشركات الأمريكية والتايلاندية، بما يوسع حضور تايلاند داخل المنظومة الصناعية العالمية ويعزز استقلالها الاقتصادي في قطاع يعد عصب الاقتصاد الصناعي الحديث.

أهداف المذكرة ومحاورها الرئيسة

تركز مذكرة التفاهم على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها تعزيز التعاون في تطوير وتوسيع سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن الحيوية، وتشجيع الاستثمار في مراحل الاستكشاف والاستخراج والمعالجة والتكرير وإعادة التدوير والاستعادة.

كما تشدد المذكرة على أهمية تحفيز الاستثمارات ذات القيمة المضافة داخل تايلاند لتشجيع التصنيع المحلي، وإقامة صناعات تحويلية تسهم في خلق وظائف ونقل التكنولوجيا، بدلًا من الاقتصار على تصدير المواد الخام.

وتؤكد المذكرة على دعم الانتقال إلى أسواق مفتوحة وفعالة وآمنة وشفافة للمعادن الحيوية والنادرة، بما يعزز الازدهار الاقتصادي والأمن الصناعي في البلدين ويحدّ من مخاطر الاحتكار أو الاعتماد المفرط على مورد واحد.

آليات التعاون بين الولايات المتحدة وتايلاند

تضمنت المذكرة عدة آليات تنفيذية واضحة لتفعيل التعاون بين البلدين، أبرزها:

  • تبادل المعرفة والخبرات الفنية

سيتعاون الطرفان في تبادل أفضل الممارسات الدولية لرفع القدرة التنافسية لقطاع المعادن الحيوية في تايلاند، إلى جانب تحليل قاعدة الموارد التايلاندية ودراسة إمكاناتها الإنتاجية ضمن منظومة التعدين العالمية.

  • الفرصة الاستثمارية الأولى

ينص الاتفاق على أن تمتلك الولايات المتحدة وتايلاند “الفرصة الأولى للاستثمار”، وفق القوانين المحلية، في أصول المعادن الحيوية التي يتم عرضها للبيع في تايلاند أو من قبل شركات مقرها فيها، وهو ما يمنح المستثمرين من الجانبين أولوية في الحصول على المشروعات الاستراتيجية.

  • نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية

ألزمت المذكرة المشروعات المشتركة بضرورة تضمين بنود لنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية وتطوير المهارات الفنية والإدارية، بما يضمن توطين المعرفة الصناعية في تايلاند على المدى الطويل.

  • تنظيم السوق وحماية الإنتاج المحلي

اتفق الجانبان على وضع آليات لحماية الأسواق المحلية من التقلبات، من خلال إنشاء أسواق بمعايير عالية الجودة تسمح فقط للجهات المستوفية للشروط بالتداول التفضيلي، إلى جانب تحديد أنظمة تسعير مرنة وحدية للحد من المضاربات وضمان استقرار الأسعار.

  • مراجعة الأمن القومي

تضمن الاتفاق بندًا يتيح للطرفين مراجعة أو وقف مبيعات أصول المعادن الحيوية والنادرة إذا ما تبيّن أن الصفقة تهدد الأمن القومي لأي من البلدين، بما يعكس حساسية الملف في ظل التنافس الجيوسياسي على الموارد الاستراتيجية.

  • تنظيم القطاع وتحسين بيئة الأعمال

نصت المذكرة أيضًا على التعاون في تطوير الأطر التنظيمية وتبسيط عمليات الترخيص داخل القطاع المعدني، بما يتيح بيئة أعمال جاذبة للمستثمرين المحليين والأجانب. كما تقرر عقد اجتماعات دورية بين فرق العمل المتخصصة من كلا البلدين لمتابعة تنفيذ المذكرة واستكشاف فرص جديدة للتجارة والاستثمار.

اقرأ أيضًا: الصين تربح سباق المعادن النادرة.. هل تحافظ على الصدارة؟

البعد الجيوسياسي للاتفاق

يأتي هذا التعاون في لحظة حاسمة تشهد فيها الأسواق العالمية سباقًا محمومًا للسيطرة على إمدادات المعادن الحيوية، التي تعتبر أساس صناعة البطاريات، والمركبات الكهربائية، وتكنولوجيا الطاقة المتجددة، والرقائق الإلكترونية.

ويرى محللون أن الاتفاق بين واشنطن وبانكوك يمثل جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر المعادن وتقليل الاعتماد على الصين، بينما تستفيد تايلاند من تحويل نفسها إلى مركز إقليمي لصناعات التعدين والمعادن المتقدمة في منطقة جنوب شرق آسيا.

ويتوقع خبراء أن يمهّد الاتفاق الطريق أمام شركات أمريكية كبرى للاستثمار في مشاريع استخراج النيكل والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة في تايلاند، وهي مواد تمثل قلب الصناعات المستقبلية، من البطاريات إلى الشرائح الإلكترونية.

رؤية متبادلة نحو اقتصاد المستقبل

وصفت وزارة التجارة الأمريكية الاتفاق بأنه “خطوة نحو تأمين مستقبل الطاقة والتكنولوجيا العالمي”، مشيرة إلى أن التعاون مع تايلاند يعكس التزام واشنطن بتأسيس شبكات إمداد مرنة ومنخفضة المخاطر قادرة على الصمود في وجه الأزمات الجيوسياسية.

أما الحكومة التايلاندية، فقد أكدت أن هذه الشراكة تمثل فرصة تاريخية لتحديث قطاع المعادن الوطني ودعم استراتيجية تايلاند 4.0، التي تستهدف التحول من اقتصاد قائم على الموارد إلى اقتصاد يقوم على الابتكار والمعرفة.

وفي ختام البيان المشترك، شدد الجانبان على أن هذه الشراكة لا تستهدف أي طرف ثالث، بل تهدف إلى تعزيز الأمن الاقتصادي العالمي وبناء منظومة متكاملة لتوريد الموارد الحيوية الضرورية للنمو الصناعي المستدام، مع الالتزام بمعايير الشفافية والحوكمة البيئية والاجتماعية.

وفي تعليقها على الاتفاق، قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن هذه الخطوة تمثل امتدادًا للسباق العالمي على تأمين المعادن الحيوية التي تعد العمود الفقري للاقتصاد الصناعي الحديث، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه الشراكات تطويق الهيمنة الصينية على سوق المعادن النادرة التي تسيطر على أكثر من 70% من إنتاجها العالمي.

وأضافت أن تايلاند أدركت بدورها الفرصة التاريخية التي يمنحها موقعها الجغرافي في قلب آسيا، وقدرتها على أن تصبح حلقة وصل بين الشرق والغرب في سلاسل الإمداد، خصوصًا في ظل التحولات العالمية نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.

وأوضحت الدكتورة خضر أن أهمية الاتفاق تتجاوز البعد الاقتصادي لتشمل البعد الاستراتيجي والسياسي، إذ يخطط كل طرف إلى تأمين مكانته في النظام الاقتصادي الجديد الذي يُعاد تشكيله حول الموارد الحيوية، مؤكدة أن نجاح هذا التعاون سيعيد رسم خريطة النفوذ الصناعي في آسيا، وسيؤثر بشكل مباشر على توازن القوى في سوق المعادن العالمي خلال العقد المقبل.

اقرأ أيضًا: صندوق النقد يحذر من انفجار قنبلة الديون العالمية رغم النمو الاقتصادي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة