هل تستفيد مصر من انسحاب الصندوق النرويجي من الاستثمارات الإسرائيلية؟
شهدت الساحة المالية العالمية خلال الأيام الماضية تطورًا لافتًا تمثَّل في قرارات متتابعة من صندوق الثروة السيادي النرويجي، الأكبر عالميًا بأصول تتجاوز 2 تريليون دولار، بسحب استثماراته من شركات إسرائيلية على خلفية الأوضاع المتصاعدة في غزة والضفة الغربية، واعتماده نهجًا أكثر صرامة فيما يتعلق بالمعايير الأخلاقية للاستثمار.
هذه الخطوات، التي بدأت ببيع حصص في 11 شركة، من بينها شركة بيت شيمش المحدودة (BSEL) المتخصصة في محركات الطائرات والمساهمة في الصناعات العسكرية الإسرائيلية، قد تتسع لتشمل شركات أخرى خلال الفترة المقبلة، ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية ضخمة لدول تمتلك مقومات الجذب، وعلى رأسها مصر.
أسباب قرار الصندوق النرويجي بسحب استثماراته من إسرائيل
أعلن الصندوق، عبر ذراعه الاستثمارية “إن بي آي إم” التابعة للبنك المركزي النرويجي، عن إنهاء عقود مع مديري أصول خارجيين كانوا يديرون جزءًا من استثماراته في إسرائيل، وبدء بيع الحصص المرتبطة بالسوق الإسرائيلية.
وقد بدأت المراجعة الحالية بعد تقارير إعلامية أشارت إلى أن الصندوق استثمر أكثر من 2% في شركة “بيت شيمش” منذ نوفمبر 2023، أي بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في غزة، وعلى الرغم من أن الصندوق عقد اجتماعات ربع سنوية مع الشركة، إلا أن موضوع الحرب لم يُناقش، وتركز الحوار على أنشطتها في الولايات المتحدة.
واعترف رئيس الصندوق، نيكولاي تانغن، بأن عملية إعادة تصنيف الشركة من “متوسطة المخاطر” إلى “عالية المخاطر” لأسباب أخلاقية في مايو الماضي كان يجب أن تتم في وقت أبكر، وأكد أنه كان من الضروري السيطرة بشكل أفضل على الاستثمارات الإسرائيلية منذ البداية. كما أشار إلى أن الصندوق يتوقع سحب استثماراته من مزيد من الشركات الإسرائيلية في ظل المراجعة الجارية.
حتى 30 يونيو 2025، كانت “إن بي آي إم” تمتلك حصصًا في 61 شركة إسرائيلية، لكن في الأيام الأخيرة تم بيع حصص في عدة شركات، مع احتمالية توسع القائمة بعد التقرير المرتقب في 20 أغسطس الجاري الذي قد يشمل نحو 50 شركة أخرى.
فرصة مصرية محتملة
بحسب الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، فإن انسحاب الصندوق النرويجي من استثمارات إسرائيلية يمثل فرصة استثنائية لمصر إذا تحركت بذكاء وسرعة؛ فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وقطاعات واعدة في مجالات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والزراعة الذكية، والنقل، بالإضافة إلى دورها الريادي في دعم الاستقرار الإقليمي، فهذه العوامل تتوافق تمامًا مع أولويات الصندوق النرويجي الذي يبحث عن استثمارات مستدامة وذات مردود طويل الأجل.
ويرى العسيلي أن التحرك المصري يجب أن يكون على عدة مستويات؛ منها دعوة وفد من الصندوق النرويجي لزيارة القاهرة، أو إجراء لقاءات رسمية مباشرة معه، وتقديم حوافز تشريعية وضريبية لجذب الاستثمارات في القطاعات المستهدفة، إلى جانب إبراز سجل مصر في الاستقرار الإقليمي ودعم السلام، وهو ما يرفع من جاذبيتها أمام المؤسسات الاستثمارية العالمية الباحثة عن أسواق آمنة وأخلاقية.
التأثيرات المحتملة على الاقتصاد المصري
أشار العسيلي إلى أنّ استقطاب جزء من هذه الاستثمارات يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في الاحتياطي النقدي، وضخ رؤوس أموال جديدة في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمواصلات، وتحسين التصنيف الائتماني لمصر، فضلًا عن تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بالسوق المصرية. كما أكَّد العسيلي أن هذه الخطوة، إذا تم استغلالها، قد تمثل نقطة تحول في مسار الاقتصاد المصري، خاصة في ظل التحديات الحالية التي تواجهه.
نتائج وأداء الصندوق السيادي النرويجي في 2025
على صعيد الأداء، أعلن الصندوق تحقيق أرباح بقيمة 698 مليار كرونة نرويجية (68.28 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2025، بعائد إجمالي نسبته 5.7%، متوافقًا مع المؤشر المرجعي، وأوضح تانغن أن هذه النتائج جاءت مدفوعة بشكل رئيسي بالأداء القوي لسوق الأسهم، خصوصًا في القطاع المالي، إلى جانب استثماراته المتنوعة في الأسهم والسندات والعقارات ومشروعات الطاقة المتجددة.
واختتم العسيلي تصريحاته قائلاً: “الانسحاب النرويجي من الاستثمارات الإسرائيلية هو حدث يتجاوز كونه مجرد إعادة هيكلة لمحفظة استثمارية، فهو يعكس تحوّلًا عالميًا نحو معايير استثمار أكثر التزامًا بالقيم الإنسانية والأخلاقية، وبالنسبة لمصر، فإن هذه التحولات تشكل فرصة نادرة لجذب استثمارات بمليارات الدولارات إذا استطاعت أن تقدم نفسها كوجهة مستقرة وملتزمة بالاستدامة”.
وشدد العسيلي على أن النجاح في هذا الملف يتطلب تحركًا سريعًا، وتنسيقًا عالي المستوى بين مؤسسات الدولة، ورؤية واضحة تضع مصر في مقدمة الأسواق الناشئة القادرة على استقطاب هذا النوع من الاستثمارات، الذي قد يشكل “الكنز الطائر” القادر على تغيير ملامح الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا: اقتصاد إسرائيل يعاني بسبب الحروب