انكماش الاقتصاد الأمريكي في عهد ترامب الثاني 2025.. الأسباب والتداعيات

في تطور اقتصادي غير متوقع، أعلن مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي التابع لوزارة التجارة يوم الأربعاء انكماش الاقتصاد الأمريكي بنسبة 0.3% خلال الربع الأول من عام 2025، وذلك في الفترة من يناير إلى مارس، وهو ما يُمثّل تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالنمو المسجل في الربع الرابع من العام الماضي الذي بلغ 2.4%.

هذا الانكماش يُعد أول مؤشر واضح على بدء تأثير السياسات التجارية العدوانية وغير المستقرة التي تتبعها إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، والتي خلقت موجات من عدم اليقين لدى المستثمرين والشركات والمستهلكين على حد سواء.

واردات مرتفعة وإنفاق حكومي منخفض

أشار تقرير مكتب التحليل الاقتصادي إلى أنَّ السبب الرئيسي في هذا الانكماش يعود إلى الارتفاع الكبير في الواردات، والتي تُحتسب كعامل خصم في حساب الناتج المحلي الإجمالي، ما أثر سلبًا على الأرقام النهائية للنمو.

وقد فسّر الاقتصاديون هذا الارتفاع بأنه ناجم عن مسارعة الشركات إلى استيراد كميات كبيرة من السلع قبل تطبيق التعريفات الجمركية الجديدة التي كان ترامب يعتزم فرضها في مطلع أبريل.

كما ساهم انخفاض الإنفاق الحكومي خلال نفس الفترة في زيادة الضغط على الناتج المحلي الإجمالي، ما زاد من وتيرة التباطؤ في الاقتصاد الكلي.

توقعات خابت وثقة مهتزة

كانت التقديرات الاقتصادية الأولية تشير إلى توسع طفيف بنسبة 0.2%، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين التوقعات والواقع، ويطرح علامات استفهام حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على الصمود في وجه الاضطرابات التجارية الداخلية والخارجية.

اللافت أن هذا الانكماش لم يكن ناتجًا فقط عن عوامل اقتصادية تقليدية، بل عن الارتباك الواضح في السياسة التجارية الأمريكية، والتي اتسمت بالتقلب الحاد، مما أدى إلى حالة من الشلل في قرارات الاستثمار لدى عدد من الشركات الكبرى.

ماذا بعد الـ100 يوم الأولى من الولاية الثانية؟ تقلب الأسواق وتدني الثقة بسبب سياسات ترامب!

رسائل متضاربة من البيت الأبيض

في محاولة لاحتواء الأثر السلبي على الأسواق، أعلن الرئيس ترامب لاحقًا تأجيل تنفيذ الرسوم الجمركية على عدد كبير من الدول لمدة 90 يومًا، بعد أن شهدت أسواق الأسهم والسندات اضطرابات شديدة، كما أبدى استعدادًا لتقديم استثناءات وتنازلات لصناعات محددة، في مسعى لتهدئة الأوضاع الاقتصادية.

لكن على الرغم من هذا التراجع المؤقت في المواقف، فإن الشركات الأمريكية قد بدأت بالفعل تعاني من الضبابية حول آفاق التشغيل والتوسع، حيث أظهرت استطلاعات لدوائر الأعمال أن الخطط الاستثمارية الكبرى قد تم تجميدها أو إعادة تقييمها في ضوء احتمالات فرض مزيد من الرسوم الجمركية.

المستهلكون يدخلون دائرة القلق

من ناحية أخرى، بدأ أثر هذه السياسات ينعكس على المزاج العام للمستهلكين الأمريكيين؛ فبحسب مؤشرات الثقة، تراجعت ثقة المستهلكين خلال الأشهر الماضية، مع تصاعد القلق من ارتفاع محتمل في الأسعار نتيجة للرسوم الجمركية، إلى جانب التوقعات بتباطؤ سوق العمل في حال استمرار الانكماش الاقتصادي.

ويشير هذا التراجع غير المتوقع إلى دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة دقيقة تتطلب تحركًا عاجلًا من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والسياسات المالية للدولة. ومع استمرار حالة عدم اليقين، من المرجّح أن يتجه البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة لتحفيز النشاط الاقتصادي، رغم ما قد يحمله ذلك من تبعات على التضخم وسوق السندات.

اقرأ أيضًا: انخفاض مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي يثير مخاوف اقتصادية جديدة

أسباب انكماش الاقتصاد الأمريكي

في تعليقه على التقرير أوضح الخبير الاقتصادي هاني توفيق أنَّ هذا الانكماش في حجم الاقتصاد، وليس فقط في معدل النمو، وهو ما يعد مؤشرًا خطيرًا له تداعيات محلية وعالمية.

وقال إنَّ هذه التطورات لم تكن مفاجِئة للمراقبين الاقتصاديين، بل هي نتيجة مباشرة للحروب التجارية التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب منذ سنوات، والتي استهدفت تقويض التبادل التجاري مع عدة دول، وعلى رأسها الصين وأوروبا، من خلال فرض رسوم جمركية عالية على الواردات، بدعوى حماية الصناعة الأمريكية.

كما أوضح توفيق أنَّ تلك السياسات الحمائية انقلبت على الداخل الأمريكي، حيث أدى تراكم الرسوم الجمركية على المواد الخام والسلع الوسيطة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل أمريكا، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي على القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي.

اقرأ أيضًا: حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب

التأثير على الأسواق المالية

أشار توفيق إلى أن المستثمرين فقدوا الثقة في استقرار السياسات الاقتصادية، مما أدى إلى تباطؤ في الاستثمار والتوسع الصناعي، خاصة في قطاعات مثل السيارات والتكنولوجيا. كما تراجعت الصادرات الأمريكية بفعل الردود الانتقامية من الشركاء التجاريين الذين فرضوا بدورهم رسومًا مضادة على المنتجات الأمريكية.

وأضاف أن أسواق المال الأمريكية تأثرت بقوة بالإعلان الأخير، حيث سجلت البورصات الأمريكية هبوطًا حادًا في مؤشرات الأسهم، خصوصًا في قطاعات الصناعة الثقيلة والتكنولوجيا، في ظل عمليات بيع جماعي خوفًا من تفاقم الخسائر.

مستقبل السياسات النقدية

أكَّد توفيق أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات أمام خيار لا مفر منه وهو خفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد، موضحًا أن مثل هذا الإجراء يهدف إلى تنشيط الطلب من خلال خفض تكلفة الاقتراض وتشجيع الاستثمارات والاستهلاك، لكنه حذر من أن تأثير خفض الفائدة قد يكون محدودًا في ظل أزمة ناتجة عن اختلالات في التجارة العالمية، وليست فقط بسبب ضعف في الطلب المحلي.

ترامب يقود أمريكا إلى العزلة

شدد هاني توفيق على أن الولايات المتحدة الآن تدفع ثمن نهج اقتصادي يقوم على الانعزال والتصعيد التجاري، وأن هذه النتائج تضع إدارة ترامب أمام تحدٍ سياسي واقتصادي كبير، لا سيما وأن الحديث عن “الاقتصاد الأقوى في العالم” لم يعد يتسق مع الأرقام الواقعية التي تشير إلى تراجع فعلي في الناتج وحالة من الذعر في الأسواق.

واختتم تصريحاته مؤكدًا أن إعادة النظر في السياسات التجارية الأمريكية أصبحت ضرورة ملحّة، وأن استمرار التعنت في مواجهة العالم سيكلف الاقتصاد الأمريكي مزيدًا من التراجع، داعيًا إلى العودة لمنطق التعاون والشراكة الاقتصادية الدولية كحل مستدام، بدلًا من الاعتماد على السياسات الحمائية التي أثبتت فشلها عمليًا.

اقرأ المزيد في هذا التقرير: هل تقود سياسات ترامب التجارية أمريكا إلى عزلة اقتصادية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة