انكماش الصناعة الصينية يتواصل للشهر الثامن ويضغط على مسار النمو
دخلت الصناعة الصينية مرحلة تُشبه “ماراثون انكماش” غير مسبوق، مع بقاء نشاط المصانع في المنطقة السلبية للشهر الثامن على التوالي خلال نوفمبر، وهو أطول تسلسل هبوطي منذ بدء تسجيل مؤشر مديري المشتريات الصناعي. ورغم التحسن الطفيف في وتيرة التراجع، إلا أنَّ القراءة الأخيرة البالغة 49.2 نقطة جاءت دون عتبة 50 التي تفصل التوسع عن الانكماش، ودون توقعات المحللين في بلومبرغ عند 49.4 نقطة.
هذا الأداء المتواضع لا يكشف فقط عن تباطؤ داخلي، وإنّما يعكس أيضًا تأثيرات خارجية تشمل تراجع الطلب العالمي، وتشدد السياسات النقدية دوليًا، وتوترات تجارية تعيد تشكيل خريطة التصنيع في آسيا.
غير أنّ الصورة تبدو أكثر قتامة حين تقترن المؤشرات الصناعية بقراءة غير مسبوقة في القطاعات غير التصنيعية؛ إذ انخفض مؤشر مديري المشتريات غير الصناعي الذي يشمل الخدمات والبناء إلى 49.5 نقطة، مسجلًا أول انكماش له منذ نحو ثلاث سنوات، كما أن ضعف قطاع العقارات، وتراجع خدمات الإسكان، وضغوط التمويل المحلي، كلها عوامل تضغط على قطاعين لطالما شكلّا دعامة رئيسة لخلق الوظائف واستقرار النمو.
انكماش مزدوج وخسارة في الصادرات والاستثمارات
تُجمع البيانات الرسمية على أن الصين تدخل ربعًا اقتصاديًا صعبًا، فالإنتاج الصناعي يسجل الآن أضعف وتيرة نمو منذ بداية العام، والصادرات تنكمش بوتيرة غير متوقعة، إذ لم يكن الطلب العالمي -الذي يعاني أساسا من التباطؤ- قادرًا على تعويض الهبوط الحاد في الشحنات المتجهة إلى السوق الأمريكية.
أما الاستثمار -وخاصة في البنية الأساسية والعقارات- فيُسجل تراجعًا يعد “الأعمق منذ سنوات”، وفق محللين، ومع استمرار امتناع الشركات الخاصة عن التوسع يزداد العبء على الحكومات المحلية التي تعاني أصلًا من ضغوط ديون خانقة.
انفراجة مع واشنطن لكن أزمة مع طوكيو تعيد القلق
رغم تنفس السلطات الصينية الصعداء بعد هدنة مؤقتة مع الولايات المتحدة، خلال لقاء الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ الشهر الماضي في كوريا الجنوبية، فإن هذه الانفراجة لم تتحول إلى مسار استقرار كامل، فالمفاوضات لا تزال مفتوحة حول ملفات حساسة، منها صادرات المعادن النادرة، ما يعكس هشاشة التفاهم.
لكن ما زاد الصورة تعقيدًا هو اندلاع خلاف دبلوماسي حاد مع اليابان خلال الأسابيع الماضية، ووفق محللين، فإن هذا التوتر قد يفتح الباب أمام إجراءات اقتصادية مضادة قد تطال قطاعات حساسة، ما يعيد حالة عدم اليقين التجاري في منطقة تعد الأكثر تشابكًا في سلاسل الإمداد العالمية.
اقرأ المزيد: كيف يهدد التصعيد بين الصين واليابان مصالح الطرفين؟
طلب محلي ضعيف
في الداخل، يواصل الطلب المحلي إظهار إشارات ضعف مزمنة، فمبيعات التجزئة تباطأت للشهر الخامس على التوالي في أكتوبر، في أطول سلسلة تراجع منذ إغلاقات جائحة كوفيد-19 قبل أكثر من أربع سنوات، وهذه المؤشرات تقلق السوق لأنها تعني أن المستهلك الصيني -الذي تسعى الحكومة لرفعه إلى مرتبة المحرك الأول للنمو- لا يزال حذرًا في الإنفاق، رغم تحسن الدخل في بعض الفئات.
ورغم أنّ المعطيات لا تدفع -وفق رؤية صناع السياسات- إلى إطلاق حزم تحفيز جديدة، فإن الأسواق ترى في ذلك مخاطرة، فبكين تعتبر أن تحقيق هدف النمو السنوي قرب 5% في المتناول، خاصة بعد ضخ نحو تريليون يوان (141 مليار دولار) منذ نهاية سبتمبر في صورة حزم دعم تضمنت استخدام حصص سندات غير مستغلة لدى الأقاليم، وتسديد متأخرات للشركات، وتسهيلات تمويلية للبنوك السياسية، لكن العديد من المحللين يرون أن هذه الإجراءات رغم ضخامتها، لا تلامس جذور الأزمة، وهي ضعف الثقة وتراجع الاستثمارات الخاصة.
الصناعة والتكنولوجيا في قلب أولويات الخطة الخمسية المقبلة
تستعد بكين لمرحلة جديدة من إعادة هيكلة نموذج النمو، تقوم على محورين أساسيين؛ هما دعم الصناعة المتقدمة، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وترى الحكومة أن الصناعة يجب أن تستعيد مركزيتها في الاقتصاد، وأن تسهم التكنولوجيا في سد فجوة النمو التي خلّفها تراجع القطاع العقاري. وفي المقابل، تتعهد السلطات بزيادة كبيرة في مساهمة الاستهلاك المحلي خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن الطريق يبدو طويلًا ومحفوفًا بالتقلبات.
التحول القائم على الصناعة ليس اختيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة اقتصادية، فصافي الصادرات أسهم بنحو ثلث النمو الاقتصادي للصين هذا العام، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الطلب الخارجي في وقت يزداد فيه الانكشاف على التوترات التجارية والشراكات الجيوسياسية.
أضعف أداء اقتصادي منذ نهاية سياسة “صفر كوفيد”
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، يتوقع اقتصاديون أن يسجل النمو الصيني في الربع الحالي أضعف أداء له منذ الربع الأخير من عام 2022، حين كانت البلاد على أعتاب إنهاء سياسة صفر كوفيد، وآنذاك ربطت بكين مستقبل النمو بإعادة فتح الاقتصاد، لكن الصورة الآن أكثر تعقيدًا، فالعالم أبطأ والمستهلك أكثر حذرًا والاستثمار الخاص لا يزال مترددًا، أما العقارات – قاطرة النمو التقليدية – فتمر بمرحلة إصلاح تنظيمي عميق.
هذا الضعف متعدد الجبهات يعيد إلى واجهة النقاش سؤالًا محوريًا، هل تستطيع الصين الحفاظ على هدف النمو قرب 5% في ظل هذه الرياح المعاكسة؟ أم أن دورة التباطؤ الحالية أعمق مما تعترف به البيانات الرسمية؟
اقرأ أيضًا: لغز تراجع الاستثمارات في الصين
الصادرات.. صداع مستمر في ظل تراجع الطلب العالمي
تلعب الصادرات دورًا حاسمًا في تحديد مزاج المصنعين، ومع أن الاقتصاد العالمي لا يعيش حالة ركود فإن الطلب على المنتجات الصينية يتعرض لضغط مزدوج: تباطؤ الإنفاق في الولايات المتحدة وأوروبا، وتحول الشركات العالمية نحو تنويع سلاسل التوريد بعيدًا عن الصين، بدعم من سياسات غربية، تستهدف الحد من الاعتماد على الإنتاج الصيني.
وما يزيد من هشاشة الصادرات الصينية هو تراجع الطلب على الإلكترونيات والأجهزة المنزلية والمركبات الكهربائية وهي قطاعات كانت تدفع نمو الصادرات في العامين الماضيين.
العقارات.. العبء الأكبر على النمو
لا يزال قطاع العقارات في الصين يمثل “العبء الأكبر” على الاقتصاد، وفق توصيف العديد من الاقتصاديين، فالقطاع الذي كان يساهم بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي يدخل مرحلة تصحيح هيكلي منذ فرض القيود التنظيمية على التمويل منذ 2020. ومع استمرار تعثر الشركات الكبرى، وتأجيل المشاريع، وتراجع الثقة لدى المشترين، يتعرض قطاع البناء والخدمات المرتبطة بالإسكان لضغوط تؤثر مباشرة على مؤشرات مديري المشتريات.
هذا ما يفسر سبب تسجيل مؤشر غير التصنيع أول قراءة انكماشية منذ ثلاث سنوات، فغياب مشاريع بناء جديدة يعني غياب الطلب على الإسمنت والحديد والعمالة، وغياب عمليات البيع يعني غياب الطلب على خدمات السمسرة والإصلاح والتجهيز الداخلي للمنازل.
هل يمكن لبكين الاعتماد على المستهلك لتعويض التراجع الصناعي؟
تشير البيانات إلى أن رهان بكين على الاستهلاك كرافعة للنمو لا يزال هشًا، فتباطؤ مبيعات التجزئة لا يتعلق فقط بالدخل، بل بالسلوك النفسي للمستهلك الصيني الذي أصبح أكثر ميلًا للادخار منذ الجائحة، وأكثر تحفظًا تجاه الإنفاق على السلع المعمرة، وأكثر حساسية تجاه حالة عدم اليقين المتعلقة بالوظائف.
ورغم برامج الدعم الحكومية، فإن الإنفاق الاستهلاكي يعاني أيضًا من غياب الطبقة المتوسطة عن مشهد الإنفاق الكبير، خاصة في المدن الصغيرة والمتوسطة حيث يشكل العقار المحرك الأول للثروة الشخصية.
سياسات التحفيز.. بين كلفة الدين وحدود الثقة
مع كل دورة تباطؤ يعود السؤال ذاته: لماذا لا تطلق بكين حزم تحفيز أكبر؟ الإجابة -بحسب العديد من الخبراء- تتعلق بثلاثة عوامل رئيسية؛ هي ارتفاع مستويات الدين المحلي، وتهالك الميزانيات الإقليمية، ورغبة الحكومة في تجنب سياسات توسعية تعيد إنتاج فقاعات عقارية جديدة.
وبينما ضخَّت بكين تريليون يوان إضافية منذ سبتمبر، يرى الاقتصاديون أن هذا الدعم أقرب إلى “مسكنات للفجوات المالية” أكثر من كونه حافزًا يطلق دورة نمو جديدة، والسبب؟ الجزء الأكبر من الدعم ذهب لسداد متأخرات شركات أو لسد ثغرات موازنات الأقاليم.
نمو أبطأ وتغيير في نموذج الاقتصاد
تشير العديد من بيوت الأبحاث إلى أن تباطؤ الصين الحالي ليس دوريًا فقط، بل بنيويًا أيضًا، فالدولة تمر بتحول في نموذجها الاقتصادي، من النمو المعتمد على العقارات والبنية الأساسية إلى نموذج يقوم على الابتكار، والاستهلاك، والتكنولوجيا المتقدمة، ولكن هذا التحول يستغرق وقتًا، ويحتاج إلى ثقة أكبر لدى القطاع الخاص، وتخفيف الضغوط التنظيمية، وتوفير تمويل قوي للشركات الناشئة والقطاعات التحويلية المتقدمة.
الهبوط المستمر في نشاط المصانع، وتراجع الخدمات والبناء، وتباطؤ الطلب المحلي والخارجي، كلها إشارات تشير إلى أن الصين تواجه واحدة من أصعب مراحل اقتصادها منذ سنوات، وصحيح أن الحكومة لا تزال قادرة على تحقيق هدف النمو السنوي، لكن الطريق سيكون محفوفًا بتحديات تتطلب مزيجًا أكثر جرأة من السياسات الاقتصادية.
اقرأ أيضًا: الصين.. من طموح الهيمنة إلى الانطواء الاقتصادي