لم يكن عام 2025 مجرد سنة إحصائية عادية في السجلات الصينية، فالأرقام التي خرجت من بكين لم تصف تراجعًا دوريًا يمكن امتصاصه، بل لحظة كاشفة لمسار ديموغرافي يزداد حدة، حيث هبط عدد المواليد في ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 17% خلال عام واحد فقط، مسجلًا أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة قبل أكثر من سبعة عقود.
وفي الوقت نفسه، واصل عدد السكان الانكماش للعام الرابع على التوالي، مؤكدًا أن الصين دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الشيخوخة السكانية مع تقلص القاعدة الاستهلاكية، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية بعيدة المدى.
انهيار المواليد.. نصف عقد قلب الصورة
البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء أظهرت أن عدد المواليد في الصين بلغ 7.92 ملايين طفل في عام 2025، مقارنة بـ9.54 ملايين في 2024. هذا التراجع السنوي الحاد لا يمكن فصله عن الصورة الأوسع؛ فمقارنة بذروة عام 2016، عندما تجاوز عدد المواليد 17 مليون طفل، يتضح أن الصين فقدت أكثر من نصف مواليدها خلال أقل من عقد واحد.
هذا التحول السريع يعكس واقعاً أعمق من مجرد أثر قرارات تنظيمية؛ فالإجراءات الحكومية التي ألغت سياسة الطفل الواحد ثم سمحت بإنجاب ثلاثة أطفال في 2021، لم تنجح في وقف التراجع، بل بدا الانخفاض أكثر حدة، ما يشير إلى أن المشكلة باتت مرتبطة بعوامل هيكلية وسلوكية واقتصادية، تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم والسكن، وتغير أولويات الأسر الصينية، إضافة إلى دخول النساء بقوة في سوق العمل وتأجيل الزواج والإنجاب.
السكان في انكماش.. استثناء تاريخي مخيف
إلى جانب انهيار المواليد، تراجع إجمالي عدد السكان بنحو 3.39 ملايين نسمة خلال 2025، ليصل إلى 1.4049 مليار نسمة، وهذا التراجع هو الأكبر سنويًا منذ المجاعة الكارثية بين 1959 و1961، لكنه يأتي هذه المرة دون صدمة خارجية كبرى.
وهنا تكمن خطورة اللحظة، فالانكماش يحدث في ظل استقرار نسبي، وليس نتيجة حرب أو كارثة طبيعية، ما يسلط الضوء على طبيعة الأزمة البنيوية التي تواجهها الصين، كما أنّ عدد الوفيات الذي بلغ 11.31 مليون شخص خلال العام يعكس أيضًا تسارع الشيخوخة السكانية، مع ارتفاع الوزن النسبي للفئات العمرية الأكبر سنًا.
ترى سو يويه، كبيرة خبراء الاقتصاد لشؤون الصين في “Economist Intelligence Unit”، أنَّ وتيرة التراجع لافتة للنظر خاصة أنها لا ترتبط بصدمة كبرى، فغياب الأوبئة أو الأزمات الحادة يجعل الأرقام أكثر دلالة على اختلالات داخلية.
وتوضح يويه، أن إحجام الشباب عن الزواج، وتزايد الضغوط الاقتصادية، يمثلان العاملين الأبرز وراء هذا التراجع، وبالنسبة لكثير من النساء ترتفع الكلفة المتصورة للإنجاب بسبب الابتعاد عن سوق العمل، وضعف شبكات الدعم المؤسسي، ما يجعل قرار الإنجاب مخاطرة اقتصادية طويلة الأجل.
الزواج أولا.. المؤشر الاستباقي للمواليد
في الصين، كما في معظم المجتمعات الآسيوية، ترتبط الخصوبة ارتباطًا وثيقا بالزواج، ومن هنا تصبح أرقام تسجيلات الزواج مؤشرًا استباقيًا بالغ الأهمية، ففي 2024 سجل بر الصين الرئيسي 6.1 مليون حالة زواج، بانخفاض يتجاوز 20% على أساس سنوي، وهو أدنى مستوى منذ 1980.
هذا الرقم وحده يفسر جزئيًا الانهيار الحاد في عدد مواليد 2025، ولكن الصورة ليست أحادية الاتجاه، فبيانات الأرباع الثلاثة الأولى من 2025 أظهرت ارتفاعًا سنويًا بنسبة 8.5% في تسجيلات الزواج، وهو تطور اعتبره محللون أول إشارة ملموسة إلى تأثير سياسات التحفيز الجديدة.
من ناحية أخرى، يقدم تفاوت الأداء بين المناطق قراءة أكثر تفصيلًا للمشهد، فمدن كبرى مثل شنغهاي أعلنت عن قفزة في عدد الزيجات المسجلة بلغت 38.7% خلال 2025، بينما سجلت مقاطعة فوجيان نموًا بنسبة 12%، ما يعكس أن السياسات المحلية الداعمة، عندما تقترن بفرص عمل أفضل وبنية خدمية متطورة، يمكن أن تخفف من حدة التراجع، لكنها لا تغير الاتجاه العام على المستوى الوطني.
قد يهمّك أيضًا: ارتفاع عدد حالات الانتحار في اليابان.. السبب صادم
دعم الأسرة.. المال في مواجهة الديموغرافيا
ردًا على تسارع الأزمة، كثّفت بكين سياسات دعم الأسرة خلال العام الماضي، وكانت الخطوة الأبرز إطلاق برنامج وطني لإعانات رعاية الأطفال يوفر ما يصل إلى 10,800 يوان سنويًا (1500 دولار) لكل طفل دون سن الثالثة، في أوسع تدخل مباشر لدعم الخصوبة منذ السماح بثلاثة أطفال.
هذا البرنامج يمثل اعترافًا من الدولة بأن كلفة تربية الأطفال أصبحت عاملًا حاسمًا في قرارات الإنجاب، ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل يكفي الدعم المالي وحده لتغيير السلوكيات؟
كثير من الخبراء يعتقدون أن الإجابة سلبية، فالدعم النقدي -رغم أهميته- لا يعالج جذور المشكلة، ومن دون إصلاحات هيكلية أعمق تشمل سوق العمل، وسياسات الإسكان، وأنظمة رعاية الأطفال، تبقى الحوافز محدودة الأثر.
في هذا السياق، شددت سو يويه على ضرورة إعطاء أولوية للإصلاحات الداخلية، محذرة من أن استمرار تقلص عدد السكان سيقود حتمًا إلى تقلص قاعدة المستهلكين، ما يضغط على النمو الاقتصادي في المدى المتوسط والطويل.
التعليم والعمل والنساء.. معادلة صعبة
أحد أبرز التحديات يتمثل في التناقض بين ارتفاع مستويات تعليم النساء وزيادة مشاركتهن في سوق العمل، وبين ضعف البنية الداعمة للتوفيق بين العمل والأسرة، فكلما تقدمت المرأة في مسارها المهني ارتفعت الكلفة البديلة للإنجاب، خاصة في ظل غياب ضمانات كافية للعودة إلى العمل أو لتقاسم أعباء الرعاية، وهذه الديناميكية تفسر السبب في أنّ رفع القيود القانونية لا تترجم تلقائيًا إلى زيادة في معدلات الخصوبة.
الشيخوخة والاقتصاد.. عبء يتصاعد
التداعيات الاقتصادية لانكماش السكان لا تقتصر على الاستهلاك، فالشيخوخة المتسارعة تعني ارتفاع أعباء الرعاية الصحية والمعاشات، في وقت يتقلص فيه عدد السكان في سن العمل، وهذا التحول يهدد النموذج الاقتصادي الصيني القائم على قوة العمل الوفيرة، ويضغط على المالية العامة، ويدفع صناع السياسات إلى التفكير في إصلاحات مؤلمة تشمل سن التقاعد ونظام الضمان الاجتماعي.
توقعات 2026.. انتعاش مؤقت أم وهمي؟
يوان شين، نائب رئيس الجمعية الصينية للسكان وأستاذ علم السكان في جامعة نانكاي، يرى أن ارتفاع الزيجات في 2025 قد يدفع عدد المواليد في 2026 إلى تجاوز 8 ملايين طفل، ولكنه يحذر من تفسير ذلك كعودة إلى النمو. وهو يعتقد أنّ التقلبات في أعداد المواليد شائعة في المراحل الأولى من تراجع عدد السكان، قبل أن يستقر الاتجاه على مسار هبوطي طويل الأجل، والعودة إلى نمو إيجابي مستدام -وفق تعبيره- شبه مستحيلة.
من المفارقات أن الصين تواجه اليوم تحديًا يعيد إلى الأذهان المخاوف التي هزت اقتصادات متقدمة مثل اليابان وأوروبا، لكن على نطاق أوسع وأكثر سرعة، والفرق الجوهري هو أن الصين لم تصل بعد إلى مستويات دخل مرتفعة بما يكفي لامتصاص آثار الشيخوخة بسهولة، ما يزيد من حساسية المرحلة الحالية.
في المدى القصير، قد تشهد الصين تذبذبات صعودًا وهبوطًا في عدد المواليد، أما على المدى البعيد فالتحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على إعادة تشكيل نموذجها الاقتصادي والاجتماعي ليتلاءم مع واقع ديموغرافي يقوم على تعداد سكاني أصغر وأكثر تقدماً في العمر.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن عامل الوقت لا يعمل لصالح بكين، إذ تتسارع وتيرة الشيخوخة بينما يتباطأ نمو السكان، ما يضغط على منظومة الرعاية الصحية وسوق العمل ونظام التقاعد، ويضع صناع القرار أمام خيارات أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا: هل تغيّر الكوارث الطبيعية مستقبل الإسكان في أمريكا؟