شهدت أسواق المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب والفضة، تصحيحًا سعريًا حادًا طال انتظاره بعد تسعة أسابيع متتالية من الصعود التاريخي، مدفوعة بموجة جني أرباح واسعة في الأسواق العالمية. جاء هذا التحول بعد ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، نتيجة ضغوط متعددة تمثلت في صعود الدولار الأمريكي وتراجع الطلب الفعلي من الأسواق الآسيوية الكبرى، خاصة الهند، عقب انتهاء موسم “ديوالي” الذي يُعد ذروة الإقبال على شراء الذهب.
وأوضحت منصة “آي صاغة”، المتخصصة في تداول الذهب، أنَّ الأسواق العالمية شهدت خلال تعاملات اليوم تراجعًا ملحوظًا في أسعار الذهب والفضة، بالتزامن مع تحسّن المعنويات في الأسواق العالمية بعد مؤشرات إيجابية بشأن انفراجة محتملة في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما دفع المستثمرين إلى جني الأرباح بعد مكاسب استثنائية على مدار أسابيع.
تراجعات حادة بعد ذروة تاريخية
التقرير أشار إلى أن الذهب فقد جزءًا كبيرًا من مكاسبه بعد أن لامس أعلى مستوياته التاريخية عند نحو 4381 دولارًا للأوقية يوم الاثنين، قبل أن يتراجع بنسبة 6.3% في جلسة الثلاثاء إلى 4082 دولارًا للأوقية، في أكبر انخفاض مئوي يسجله المعدن النفيس منذ عام 2013. كما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية بنسبة 5.7% عند نحو 4088 دولارًا، في حين انخفضت الفضة بنسبة 7% والبلاتين بنحو 5% في الجلسة ذاتها.
وأكد سعيد إمبابي، المدير التنفيذي للمنصة، أنَّ هذا التراجع الحاد يُعد تصحيحًا صحيًا ضروريًا بعد موجة صعود قياسية تجاوزت خلالها مكاسب الذهب 31% والفضة 45% خلال فترة وجيزة، ما جعل الأسواق في حاجة إلى إعادة توازن طبيعية قبل استئناف الاتجاه الصاعد من جديد.
وأضاف أن فشل الذهب في تجاوز مستوى المقاومة التاريخي عند 4380 دولارًا للأوقية دفع المستثمرين إلى التحول من ملاحقة المكاسب إلى حماية الأرباح، خاصة في ظل صعود الدولار الأمريكي وتزايد الإقبال على المخاطرة في أسواق الأسهم العالمية، وهو ما قلّص الطلب على الذهب كملاذ آمن.
العوامل المحركة بين السياسة والطلب المادي
وأشار التقرير إلى أنَّ التطورات السياسية والاقتصادية لعبت دورًا جوهريًا في حركة السوق؛ إذ أدى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن لقاء مرتقب مع نظيره الصيني شي جين بينج في كوريا الجنوبية، مع نبرة تصالحية في تصريحاته الأخيرة، إلى تعزيز الثقة في الأسواق وعودة الإقبال على الأسهم، مما ضغط على أسعار المعادن الثمينة.
وفي المقابل، ساهم انتهاء موسم ديوالي في الهند، وهو أحد أكبر مواسم شراء الذهب عالميًا، في تراجع الطلب الفعلي مؤقتًا، لتزداد حدة التصحيح السعري مع انخفاض المشتريات من ثاني أكبر مستهلك للذهب في العالم بعد الصين.
تصحيح صحي أم بداية تحول؟
بحسب خبراء الاقتصاد، فإن ما يحدث في السوق العالمية يمكن اعتباره مرحلة تهدئة طبيعية بعد فترة طويلة من الارتفاعات المبالغ فيها، مؤكدين أن السوق لا تزال تتلقى دعمًا من عوامل هيكلية قوية، أبرزها تزايد المخاوف من تفاقم الديون الحكومية عالميًا، وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب توقعات استمرار السياسات النقدية التيسيرية من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وفي هذا السياق، ذكر بنك “ساكسو بنك” في أحدث تقاريره أن العوامل الداعمة لصعود الذهب والفضة ما زالت قائمة، مشيرًا إلى أن المعادن الثمينة لم تعد في نطاق المبالغة الشرائية لكنها أيضًا ما زالت أقل تمثيلًا في المحافظ الاستثمارية، وهو ما يمنحها فرصًا لاستئناف الصعود في المدى المتوسط إلى الطويل.
ويرى المحللون أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه التالي للذهب، حيث من المتوقع أن يشكل اجتماعا ترامب مع كل من شي وبوتين المرتقبان نقطة انعطاف رئيسة في الأسواق؛ ففي حال نجحت اللقاءات في تهدئة التوترات التجارية والجيوسياسية فقد تمتد فترة التصحيح الحالي لفترة أطول، في حين أنّ أي فشل في المفاوضات أو عودة التصعيد سيعيد المستثمرين سريعًا إلى الملاذات الآمنة وفي مقدمتها الذهب.
نظرة مستقبلية: الذهب يستعد للجولة التالية
يرى محللو آي صاغة أن الأسواق تعيش حاليًا لحظة إعادة تموضع بعد طفرة سعرية غير مسبوقة، وأنَّ هذا التصحيح لا يُلغي الاتجاه الصعودي طويل الأمد للمعدن الأصفر، بل يعيد ضبطه بشكل صحي استعدادًا لجولة جديدة من الارتفاعات، مع استمرار الضبابية في المشهد الاقتصادي العالمي.
وأكَّد الخبراء أن قوة الدولار الحالية ربما تكون مؤقتة، وأن أي إشارات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي أو توجهات جديدة نحو خفض الفائدة ستعيد الزخم للذهب والفضة كأدوات تحوط مفضلة في مواجهة التضخم والمخاطر المالية.
أسباب تراجع أسعار الذهب
من جهته قدّم الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، قراءة شاملة لأسباب الهبوط المفاجئ في أسعار الذهب، موضحًا أن ما يحدث ليس مجرد حركة تصحيحية قصيرة الأجل، بل انعكاس لتفاعل معقد بين السياسة النقدية الأمريكية، وسلوك المستثمرين، والتحولات الاقتصادية العالمية.
أولًا: العوامل الاقتصادية العالمية
أوضح العسيلي أن تحسّن مؤقت في مؤشرات الاقتصاد الأمريكي كان أحد المحركات الرئيسة لتراجع الذهب، حيث أدت عودة الثقة إلى أسواق الأسهم إلى جذب المستثمرين بعيدًا عن المعدن الأصفر نحو الأصول ذات العائد. كما أنَّ البيانات القوية عن سوق العمل الأمريكي رفعت عوائد السندات الحكومية، مما جعل الذهب أقل جاذبية باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا مباشرًا.
وأضاف أنَّ هذه التطورات جاءت في وقتٍ بدأ فيه الاحتياطي الفيدرالي يُبطئ وتيرة خفض الفائدة، وهو ما عزز من قوة الدولار نسبيًا على حساب الذهب، مؤكدًا أن العلاقة العكسية بين الدولار والذهب ما زالت هي المحدد الأبرز لاتجاه الأسعار.
ثانيًا: السياسة النقدية الأمريكية وتأثيرها غير المباشر
لفت العسيلي إلى أن الولايات المتحدة، بصفتها أكبر مالك رسمي لاحتياطي الذهب عالميًا، تمتلك أدوات غير مباشرة للتأثير في الأسعار عبر سياساتها النقدية، مشيرًا إلى احتمال وجود تدخل غير مباشر من مؤسسات مالية أمريكية تسعى لتعزيز الطلب على الدولار من خلال الضغط المؤقت على أسعار الذهب.
وأكَّد أن خفض الذهب يخدم مصالح الدولار ويعيد توجيه رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية، وأضاف أن مثل هذه التحركات ليست جديدة، فقد استخدمتها واشنطن في فترات تاريخية عدة لتقوية عملتها وتثبيت الثقة في النظام المالي الأمريكي.
ثالثًا: سلوك المستثمرين والعوامل النفسية
أكَّد الخبير الاقتصادي أن العوامل النفسية تلعب دورًا حاسمًا في تحركات الذهب، إذ إن المعدن النفيس لا يُتداول فقط وفق قواعد العرض والطلب، بل يتأثر بتوقعات المستثمرين ومشاعرهم. وأوضح أن كل موجة صعود حادة تخلق فقاعة سعرية مؤقتة، سرعان ما تنفجر مع أول مؤشرات التصحيح، ما يؤدي إلى موجات بيع جماعية تسارع من وتيرة الهبوط.
وقال إن الأسواق تميل بطبيعتها إلى المبالغة في ردود الأفعال، موضحًا أن “الذهب يظل مرآة لحالة القلق أو الطمأنينة في الاقتصاد العالمي: إذا تألق، فالعالم خائف، وإذا خفت بريقه، فذلك لأن الأسواق تتنفس مؤقتًا”.
انعكاسات التراجع العالمي على السوق المصرية
أوضح العسيلي أن التراجع العالمي في أسعار الذهب انعكس بشكل مباشر وسريع على السوق المصرية، خاصة في ظل استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار وتوافر معروض نسبي من المشغولات الذهبية. وأشار إلى أن أسعار الذهب في مصر تتأثر بعاملين رئيسيين هما السعر العالمي للأونصة وسعر الدولار في السوق المحلية، موضحًا أن أي تغير في أحدهما ينعكس فورًا على الأسعار داخل السوق.
وأضاف العسيلي أن الذهب ما يزال يُعدّ بالنسبة للأفراد ملاذًا آمنًا للادخار والتحوّط ضد التضخم، لافتًا إلى أن الهبوط الأخير في الأسعار قد ينعش حركة الشراء مجددًا، إذ يراه الكثيرون فرصة استثمارية مناسبة للاستفادة من انخفاض الأسعار قبل أي موجة صعود محتملة.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد المصري يلتقط أنفاسه مع تحسن الجنيه وتراجع النفط
مرحلة تذبذب قصيرة المدى
توقع الدكتور العسيلي أن يشهد الذهب مرحلة تذبذب قصيرة المدى، لكنه سيظل محتفظًا بجاذبيته في الأجل المتوسط والطويل، بدعم من استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع التضخم العالمي، مضيفًا أنَّ زيادة البنوك المركزية لاحتياطياتها من الذهب حول العالم تمثل دافعًا إضافيًا لارتفاع الأسعار مستقبلًا، وأن ما يحدث حاليًا هو “استراحة محارب” في مسار صعودي طويل المدى.
كما لفت إلى أن بعض القوى الكبرى قد تسعى إلى إعادة ضبط مؤقت للأسعار لخدمة مصالحها النقدية، إلا أن الذهب، في النهاية، يحتفظ بقيمته الجوهرية كلما اهتزت الثقة بالنظام المالي الدولي.
واختتم العسيلي تصريحاته قائلًا: “حين يلمع الذهب، فذلك لأن العالم قلق، وحين يخفت بريقه، فذلك لأن الأسواق تلتقط أنفاسها، الهبوط الأخير ليس نهاية الصعود، بل بداية فصل جديد من دورة اقتصادية طويلة، يبقى فيها الذهب شاهدًا على قلق العالم ومخاوفه، كما كان عبر التاريخ”.
تعرّف إلى معيار الذهب.. النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي
