“باول” أمام تحقيق جنائي وسط ضغوط “ترامب” لخفض الفائدة

في لحظة نادرة في تاريخ السياسة النقدية الأمريكية، لم يعد الجدل يدور حول مستوى الفائدة أو توقيت خفضها، بل حول حق الاحتياطي الفيدرالي في اتخاذ القرار أصلا، فإعلان جيروم باول خضوعه لتحقيقٍ جنائي فيدرالي، على خلفية مشروع تجديد مقر البنك المركزي وشهادته أمام الكونغرس، نقل الصراع مع البيت الأبيض من ساحته المعتادة -الأرقام والبيانات -إلى ساحة أشد حساسية تتمثل في الشرعية القانونية والاستقلال المؤسسي.

في الأسواق المالية جاء التفاعل سريعًا، إذ تراجعت العقود الآجلة للأسهم بشكل ملحوظ، فيما تصاعد القلق حيال أداء الدولار والسندات الحكومية، ما أعاد الزخم إلى الذهب والملاذات الآمنة التي لجأ إليها المستثمرون بحثًا عن حماية أموالهم وسط حالة عدم اليقين.

أما على الصعيد السياسي، فتتخذ التداعيات منحى أكثر حساسية، حيث تبدو المواجهة أشبه باختبار صعب لقدرة أكبر بنك مركزي في العالم على الصمود أمام ضغوط يحمل كثير منها طابعًا سياسيًا واضحًا، ما يضع السياسات النقدية تحت مجهر المتابعين ويزيد التعقيد في مشهد اقتصادي يترقب أي إشارة استقرار.

تحقيق جنائي بقيمة 2.5 مليار دولار

يركز التحقيق على مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن بكلفة معلنة تبلغ 2.5 مليار دولار، ورغم أنّ الرقم في ذاته ليس استثنائيا في مشاريع البنية التحتية الفيدرالية الممتدة لسنوات، لكنه اكتسب وزنًا رمزيًا مضاعفًا لأنه صار مدخلًا للتشكيك، لكن باول شدَّد على أن الاتهام “لا يتعلق بالمشروع ولا بالشهادة”، وأن البنك المركزي قدم إفصاحات كاملة للكونغرس.

اقتصاديًا، يمثّل الرقم نقطة تماس حساسة بين حوكمة الإنفاق العام واستقلالية القرار النقدي؛ فعندما تتحول تكلفة مبنى واحد إلى أداة للضغط السياسي تتبدّل قواعد اللعبة بالكامل؛ فالمسألة لم تعد مجرد نقاش حول ضبط الإنفاق، بل أصبحت تتعلق بتسييس المساءلة المالية واتخاذ المالية العامة ذريعة للتدخل في استقلال المؤسسات النقدية.

الجدير بالذكر أنّ تلقي مذكرات استدعاء هيئة المحلفين الكبرى من وزارة العدل الأمريكية يضع سابقة ثقيلة، وقد وصف باول وصف هذه الخطوة بأنَّها “غير مسبوقة”، محذرًا من أثرها على مستقبل صنع السياسة النقدية.

الفائدة ليست رأيًا سياسيًا.. بل تفويض قانوني

لب الصدام يتعلق بقرار الفائدة، حيث يقول باول إنَّ تحديدها استند إلى “أفضل تقييمٍ للصالح العام”، لا إلى تفضيلات دونالد ترامب، وهذه العبارة تختصر فلسفة الاحتياطي الفيدرالي منذ عقود، فالسياسة النقدية تُدار بالأدلة والوقائع، وتفويض البنك المركزي -استقرار الأسعار والتوظيف الكامل- ليس شعارًا، بل إطارًا قانونيًا يحمي القرار من تقلبات السياسة، وفي حال انزلق هذا التفويض إلى دائرة التهديد الجنائي فإن المخاطر تتجاوز باول شخصيًا لتطال قابلية التنبؤ التي تبني عليها الأسواق تسعيرها.

الأسهم أولا ثم الدولار والسندات

من منظور الأسواق، المذكرات ليست حدثًا إجرائيًا فحسب، وإنّما إشارة مخاطر، وكلما زادت احتمالات تدوير السياسة النقدية في طاحونة السياسة ارتفعت علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية، وهو بالضبط ما التقطته الأسواق فور التصريحات.

اللافت أنّ العقود الآجلة للأسهم تراجعت فور تصريحات باول، ولعلّ هذه الاستجابة لم تكن مفاجئة، فالأسهم حساسة لحالة عدم اليقين المؤسسي، خاصة حين يمس استقلال البنك المركزي الذي يعد مرساة التوقعات. أما في السندات، فقد كان الخطر أكبر، فأي تشكيك في استقلالية الفائدة قد يغير منحنى العائد عبر رفع التعويض الذي يطلبه المستثمرون مقابل حيازة الدين الأمريكي.

وفيما يتعلّق بالدولار، لم تعد ثقة العالم به حتمية كما في السابق؛ حيث كانت تلك الثقة نتيجة مؤسسات قوية وقواعد مستقرة، وفي حال اهتز أحد أعمدتها ستتبدل حسابات المحافظ العالمية.

تشقق سياسي علني

إعلان السيناتور الجمهوري توم تيليس عزمه معارضة أي مرشح لاستبدال باول، وأي ترشيح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى حين حسم المسألة القانونية، يكشف عن انقسام سياسي عابر للأحزاب، وهذا الموقف يضيف بعدًا زمنيا للمخاطر؛ فتأخير الترشيحات يعني فراغًا مؤسسيًا محتملًا، أو على الأقل ضبابيةً في الحوكمة، وهي عناصر تسعر عادة بخصم في الأسواق.

في المقابل، قال ترامب إنه “لا يعرف شيئا” عن التحقيق، مجددًا انتقاداته لباول بسبب عدم خفض الفائدة “بالوتيرة المطلوبة”، ومضيفًا أن تكلفة التجديد قد تتجاوز 4 مليارات دولار، وهو وصف يرفع سقف السجال من رقم إلى آخر. واقتصاديًا، تضخيم الأرقام في النقاش العام له أثر مباشر؛ حيث إنّه يزيد من ضجيج السوق، ويعمق فجوة الثقة بين السياسة النقدية والسلطة التنفيذية.

في كل الأحوال، هذا التحقيق لم يأتي من فراغ، فقبل نحو ستة أشهر أحالت النائبة الجمهورية آنا بولينا لونا “باول” إلى وزارة العدل. وفي هذا السياق، رأى الديمقراطيون -منهم تشاك شومر وإليزابيث وارن- أنَّ ما يجري هجوم على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والتراكم هنا مهم، فحين تتتابع الإحالات والاتهامات تتحول القصة من ملف واحد إلى سردية ضغط مستمر، وهي البيئة التي تكرهها الأسواق.

من واشنطن إلى المحافظ الاستثمارية

كتب كريشنا غوها من Evercore ISI أن التطورات الأخيرة “مقلقة للغاية”، متوقِّعًا تراجع الدولار والسندات والأسهم، مقابل صعود الذهب والملاذات الآمنة. هذا التوقع عمليًا يترجم لغة السياسة إلى لغة المحافظ الاستثمارية، فالدولار يتراجع عندما يتم التشكيك في قواعد اللعبة والمؤسسات التي تديرها، أما السندات فترتفع تكلفة تمويلها عندما يطالب المستثمرون بعائد أعلى مقابل خطر مؤسسي متزايد.

والأسهم تعيد تسعير النمو تحت سقف ضبابية السياسة واحتمالات اضطراب المشهد التنظيمي، في حين يستفيد الذهب من كل ما سبق باعتباره أصلًا لا يحتاج إلى ثقة سياسية أو مؤسسية لكي يحافظ على قيمته.

اختبار الاستقلال.. ما الذي يعنيه للأسواق؟

القضية، في جوهرها، ليست مبنى ولا شهادة، إنها سؤال واحد: هل تبقى السياسة النقدية الأمريكية محصنة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالتحقيق -مهما طال- سيمتص أثره، وتعود الأسعار لتعكس البيانات الاقتصادية، أما إذا انكسر هذا الحاجز فستدخل الأسواق مرحلة تسعير جديد للمخاطر الأمريكية، بما يشمل ارتفاع تقلبات العوائد وتبدل أوزان الأصول.

من جهته، أكّد باول أنَّه خدم تحت أربع إدارات، “دون خوف أو محاباة”، وهذه العبارة ليست دفاعًا شخصيًا، بل تعريفًا لوظيفة البنك المركزي؛ فالفائدة حين تدار بالدليل تنتج استقرارًا قابلا للتوقع، وحين تدار بالضغط تنتج تقلبًا يكلف الاقتصاد أضعاف خفض سريع للفائدة.

وبغض النظر عن مآلات التحقيق، سواء انتهى إلى لا شيء أو تطوّر لاحقًا، فقد فتح بابًا لن يُغلق سريعًا، وهو حدود السلطة بين السياسة والقرار النقدي. وعلى المدى القريب ستواصل الأسواق تسعير القلق وملاحقة العناوين، فيما سيقيس العالم على المدى الأبعد قدرة الولايات المتحدة على حماية أهم مؤسساتها من التسييس وصون أساس الثقة في الدولار كعملة احتياطية أولى.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة