مشروع ممر لوبِيتو: تنافس أمريكي صيني على نفوذ أفريقيا
تقرير: باسل محمود
مع اقتراب نهاية ولايته، يحقق الرئيس الأمريكي جو بايدن وعده الذي قطعه منذ بداية رئاسته بزيارة أفريقيا، في خطوة تهدف إلى تعزيز الحضور الأمريكي في قارة تشهد تنافسًا عالميًا شديدًا، خاصة من جانب الصين، بحسب APNews.
ورغم أن الزيارة تأتي متأخرة، فإنها تحمل دلالات رمزية واستراتيجية مهمة، فمن خلال التركيز على مشروع “ممر لوبِيتو”، تسعى واشنطن إلى تقديم نموذج مختلف للشراكة مع أفريقيا، يعتمد على الاستثمار المستدام والبنية التحتية، بعيدًا عن النمط التقليدي للمساعدات الإنسانية.
تأجيل هذه الزيارة إلى أواخر فترة بايدن أثار انتقادات واسعة، حيث يرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى أفريقيا كأولوية ثانوية في سياستها الخارجية، لكن رغم ذلك، يحمل مشروع “ممر لوبِيتو” طموحات كبيرة قد تكون نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الأفريقية.
مشروع ممر لوبِيتو
“ممر لوبِيتو” ليس مجرد خط سكة حديد يمتد عبر أنغولا، وزامبيا، والكونغو الديمقراطية، بل جزء من استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى مواجهة النفوذ الصيني في القارة، إذ إنَّ المشروع الذي تبلغ تكلفته 2.5 مليار دولار يسعى إلى إنشاء ممر تجاري يربط بين مناجم المعادن الثمينة مثل النحاس والكوبالت وميناء لوبِيتو المطل على المحيط الأطلسي.
هذا الممر يُروّج له كبديل للهيمنة الصينية على سلاسل التوريد، حيث تسيطر بكين على جزء من التعدين في زامبيا والكونغو، وتسعى واشنطن وبروكسل ومجموعة الدول السبع لتقديم خيارات تعزز من استقلال الدول الأفريقية وتقلل من الاعتماد على الصين.
اقرأ أيضًا: الصين وإفريقيا .. شراكة تثير قلق الغرب
أهمية معادن أفريقيا في الصراع الجيوسياسي
تلعب أفريقيا دورًا حيويًا في المشهد الجيوسياسي العالمي بفضل مواردها الطبيعية الغنية، وخاصة المعادن المستخدمة في تقنيات المستقبل مثل بطاريات السيارات الكهربائية، فالكونغو وحدها تمتلك أكثر من 70% من احتياطيات الكوبالت في العالم، والذي يُستخدم على نطاق واسع في صناعة الأجهزة الإلكترونية وتقنيات الطاقة النظيفة.
تُدرك الولايات المتحدة أهمية هذه الموارد في التحوُّل العالمي نحو الطاقة المستدامة، وهو ما يجعل “ممر لوبِيتو” فرصة استراتيجية لتعزيز الوصول الأمريكي إلى هذه المعادن، لكن المنافسة الصينية الشرسة تظل تحديًا كبيرًا.
تحديات المشروع.. بين الطموح والواقع
رغم الطموحات الكبيرة، يواجه مشروع “ممر لوبِيتو” العديد من التحديات، حيث تحتاج البنية التحتية في المنطقة لتطوير شامل، وتمويل إضافي، وضمان الاستقرار السياسي في الدول المعنية.
كما أنَّ الشركات الصينية التي تهيمن على قطاع التعدين في زامبيا والكونغو لديها علاقات تمنحها ميزة تنافسية يصعب تجاوزها. ومن ناحية أُخرى، يُشير مراقبون إلى أنَّ المشروع قد يكون مجرد بداية لنهج جديد للولايات المتحدة في أفريقيا، لكنه يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد لضمان استمراريته.
قد يهمّك أيضًا: الدول الخليجية تنافس بقوة في إفريقيا
ترامب وأفريقيا: رؤية مختلفة أم تراجع؟
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تُثار تساؤلات حول مستقبل مشروع “ممر لوبِيتو” وأيّ مبادرات أمريكية أخرى في أفريقيا؛ فخلال فترة رئاسته السابقة لم يكن مهتمًا بتعزيز العلاقات مع أفريقيا، بل ركز على أولويات داخلية وصفقات تجارية مباشرة.
يتساءل كثيرون عمّا إذا كان ترامب سيُواصل رؤية بايدن لتعزيز الحضور الأمريكي في أفريقيا من خلال مشاريع تنموية طويلة الأمد، ويبدو أن القادة الأفارقة أنفسهم ينظرون بحذر إلى مستقبل الشراكة مع واشنطن، خاصةً مع عدم وضوح موقف الإدارة القادمة.
إعادة بناء جسور الثقة مع أفريقيا
رغم تأخُّر زيارة بايدن، إلّا أنّها تمثل خطوة لإعادة بناء جسور الثقة مع أفريقيا، التي شعرت بتجاهل الولايات المتحدة على مدى عقود؛ فآخر رئيس أمريكي زار القارة كان باراك أوباما في عام 2015، مما يعكس تراجع الاهتمام الأمريكي مقارنة بالصين التي تستثمر بشكل مكثف في البنية التحتية والاقتصادات الأفريقية.
يرى الخبراء أنّ مشروع “ممر لوبِيتو” يمكن أن يكون بداية لشراكة أكثر استدامة، لكن النجاح يتطلب التزامًا أمريكيًا مستمرًا، واستعدادًا للتعامل مع القضايا الأفريقية بجدية أكبر.
اقرأ أيضًا: منتدى التعاون الصيني الإفريقي.. ماذا تحتاج الصين من إفريقيا؟
أميركا والصين: تنافس على النفوذ العالمي
في ظل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي نجحت في تحقيق تقدم كبير في أفريقيا، تواجه الولايات المتحدة تحديًا كبيرًا لتقديم بدائل مقنعة، حيث يمثل مشروع “ممر لوبِيتو”، رغم صغر حجمه مقارنة بالمشاريع الصينية الضخمة، اختبارًا لقدرة واشنطن على تحقيق نجاح في القارة.
يرى المحللون أنَّ الشراكة مع أفريقيا ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز النفوذ الأمريكي في مواجهة الصين على الساحة الدولية.
ومن ناحية أخرى، يمثل مشروع “ممر لوبِيتو” فرصةً للولايات المتحدة لإظهار قدرتها على تقديم شراكات قائمة على التفاهم المتبادل والمصلحة المشتركة، لكن النجاح يتطلب الالتزام بتطوير البنية التحتية، ودعم الحكومات المحلية، فضلًا عن ضمان تحقيق فوائد ملموسة للدول الأفريقية المشاركة.
مع تغير الإدارات في واشنطن، يبقى التحدي الأكبر هو بناء رؤية طويلة الأمد تُعزز الشراكة مع أفريقيا، وتضع القارة في صلب الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية.