بعد الخسائر الحادة التي ضربت سوق العملات المشفرة خلال العام الماضي، حين فقدت نحو 1.5 تريليون دولار من قيمتها السوقية، عادت موجة الصعود لتغطي معظم الأصول الرقمية، وفي مقدمتها بتكوين.
وخلال عام 2023، تمكنت السوق من استعادة زخمها بإضافة نحو 900 مليار دولار إلى قيمتها السوقية، مدفوعة بالقفزة القوية في سعر بتكوين التي ارتفعت بأكثر من 160%، متجهة لتسجيل أفضل أداء سنوي لها في ثلاثة أعوام، ما أسهم في تبديد أجواء الانهيار التي خيمت على سوق العملات المشفرة سابقاً.
وعلى مدار الاثني عشر شهراً الماضية، بلغت مكاسب بتكوين نحو 530 مليار دولار، تزامناً مع عودة الاهتمام بالعملات الرقمية الأصغر، من بينها سولانا المدعومة من سام بانكمان فريد، إلى جانب عملات الميم المستوحاة من صور الكلاب والضفادع. ومع تجدد شهية المستثمرين للمخاطر، حققت هذه الأصول ارتفاعات لافتة؛ إذ إن استثماراً بقيمة ألف دولار في عملة سولانا مطلع 2023 كان سيحقق مكاسب تتجاوز 80 ألف دولار حتى الآن.
عوامل صعود العملات المشفرة
يرتبط الارتفاع في سوق العملات المشفرة إلى حد كبير بحالة التفاؤل المتزايدة بإمكانية إقرار الهيئات التنظيمية الأمريكية، للمرة الأولى، صناديق متداولة في البورصة تستثمر مباشرة في بتكوين، وهو ما من شأنه فتح الباب أمام تدفقات استثمارية جديدة إلى سوق العملات المشفرة.
وبحسب وكالة بلومبرغ، قال مايكل سايلور، المؤسس المشارك لشركة MicroStrategy، التي تعد من أبرز المستثمرين في بتكوين، إن الموافقة على صناديق الاستثمار المتداولة الفورية ستمثل حافزاً رئيساً للسوق، وقد تُحدث دفعة قوية ومفاجئة في الطلب، لا سيما أن المستثمرين الكبار يفتقرون حالياً إلى قناة استثمارية عالية الكفاءة ومتوافقة مع الأطر التنظيمية تتيح لهم التعرض المباشر للأصل الرقمي.
ورغم موجة التعافي، لا تزال أسواق الأصول المشفرة تواجه انتقادات حادة من أطراف ترى أن العملات الرقمية تفتقر إلى قيمة جوهرية، وتُستخدم كملاذ للأنشطة غير المشروعة. وفي هذا السياق، وافقت منصة بينانس، أكبر بورصة عملات رقمية في العالم، في نوفمبر 2023 على دفع غرامة قدرها 4.3 مليار دولار لتسوية اتهامات بانتهاكات متعددة، كما تنحى رئيسها التنفيذي تشانغ بينغ تشاو عن منصبه.
كذلك، يقضي سام بانكمان فريد عقوبة بالسجن على خلفية اتهامات بالاحتيال تتعلق بإدارة بورصة FTX، في حين لم تستعد السيولة في السوق كامل عافيتها منذ انهيار إمبراطوريته، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه قطاع العملات المشفرة رغم تعافيه السعري.
بتكوين تتفوق على جميع الأصول
تجاوزت مكاسب بتكوين خلال العام الجاري أداء أسواق الأسهم والذهب، فيما يرى المؤيدون أن حدث “التنصيف” المرتقب في 2024 -وهو الإجراء الذي يُخفض مكافأة التعدين إلى النصف كل أربع سنوات- سيحدّ من نمو المعروض، بما يوفر دعماً إضافياً للسعر إلى جانب الطلب المحتمل من صناديق الاستثمار المتداولة. ومع ذلك، لا يزال تداول أكبر عملة مشفرة دون ذروته التاريخية المسجلة في نوفمبر 2021 عند نحو 69 ألف دولار.
ومع تسارع صعود بتكوين، قفزت أسهم شركات تعدين العملة مثل Marathon Digital Holdings وRiot Platforms، إلى جانب سهم Coinbase Global، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في الولايات المتحدة. وسجلت أسهم “كوين بيس” مكاسب قاربت 400% رغم دعوى قضائية رفعتها لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تتهمها بتشغيل منصة غير مسجلة، وهو اتهام تنفيه الشركة.
كما شهدت مشتقات بتكوين نشاطاً قياسياً خلال 2023، إذ تجاوزت الفائدة المفتوحة لخيارات بتكوين في منصة Deribit -أكبر بورصة لخيارات العملات المشفرة- مستوى 16 مليار دولار للمرة الأولى في ديسمبر، وفق بيانات CCData، ما يعكس تنامي اهتمام المستثمرين بأدوات التحوط والمضاربة المرتبطة بالأصل الرقمي.
الرموز غير القابلة للاستبدال
لم يستعد قطاع التمويل اللامركزي عافيته بالكامل منذ انهيار مشروع العملة المستقرة TerraUSD في 2022، والذي محا أكثر من 40 مليار دولار من القيمة السوقية. ويُعد نظام إثبات الحصص السائلة الاستثناء الأبرز، إذ ارتفعت القيمة الإجمالية للأصول المقفلة فيه إلى مستوى قياسي هذا العام، وقد أسهمت بروتوكولات هذا النظام في إتاحة الوصول إلى المكافآت الناتجة عن رهن الرموز لتشغيل شبكات البلوك تشين، فيما تعززت شعبية آلية إثبات الحصة على شبكة إيثريوم عقب ترقية شنغهاي في أبريل.
وفي سوق الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، ارتفعت أحجام التداول الأسبوعية من مستويات دون 50 مليون دولار في أكتوبر إلى نحو 180 مليون دولار هذا الشهر، لكنها تظل بعيدة عن الذروة البالغة 1.8 مليار دولار المسجلة في 2022، وهذا يعكس أن سوق العملات المشفرة لا يزال بحاجة إلى وقت لاستعادة الزخم الذي شهده خلال جائحة كورونا، حين عززت سياسات التحفيز النقدي شهية المخاطرة.
ورغم صعود بتكوين، ما تزال السوق تتأثر بتداعيات انهيار منصة FTX التابعة لـ سام بانكمان فريد وذراعها للتداول Alameda Research في نوفمبر 2022، وهو الانهيار الذي أدى إلى تراجع السيولة وزيادة صعوبة تنفيذ الصفقات على نطاق واسع، ما أبقى السوق في حالة حذر نسبي رغم التعافي السعري.
تحولات كبيرة في السوق
تتجلى هذه الإشكالية في ما يُعرف بـ«عمق السوق»، أي قدرة سوق العملات المشفرة على استيعاب أوامر شراء أو بيع كبيرة نسبياً من دون إحداث تحركات سعرية حادة وغير مبررة. وتشير بيانات شركة Kaiko إلى أن القيمة اليومية للطلبات التي تقل بنسبة 1% عن متوسط سعر بتكوين في البورصات المركزية تراجعت بنحو 55%، لتصل إلى نحو 680 مليون دولار، مقارنة بحوالي 1.5 مليار دولار في أبريل من العام الماضي.
وفي موازاة ذلك، شهدت الحصص السوقية لبورصات العملات المشفرة تحولات ملحوظة خلال 2023. فبينما لا تزال منصة بينانس تتصدر من حيث حجم التداول، انخفضت حصتها في السوق الفورية إلى نحو 44% بحلول منتصف ديسمبر، مقارنة بأكثر من 65% في بداية العام، وفق بيانات Kaiko.
في المقابل، عززت منصات تركز على الأسواق الآسيوية مثل Upbit وBybit وOKX مواقعها، مستحوذة على جزء معتبر من النشاط الذي فقدته “بينانس”، في مؤشر على إعادة توزيع السيولة والنشاط بين منصات التداول العالمية.
قد يهمّك أيضًا: جي بي مورغان يحذر من العملات المشفرة في 2024