بريكس تتحدى ترامب: لا للرسوم الجمركية

تقرير: باسل محمود

في لحظة تُعيد فيها التوازنات العالمية تشكيل ملامحها تتجه أنظار العالم إلى مجموعة “بريكس“، حيث يستعد زعماؤها للإجماع على بيان ختامي يُدين السياسات الاقتصادية الأحادية، في مقدمتها الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على عدد من الدول، بما في ذلك أعضاء داخل المجموعة نفسها، بحسب بلومبرج.

ووفقًا لمسودة البيان التي اطّلعت عليها بلومبرج، تُبدي الدول الأعضاء -وفي مقدمتها الصين وروسيا والبرازيل، إلى جانب المنضمين الجدد مثل مصر والإمارات وإيران- قلقًا متزايدًا من تلك الإجراءات، وتُشدّد على رفض “الإجراءات القسرية التي تنتهك القانون الدولي وتُهدّد الاستقرار التجاري العالمي”.

الهند بين واشنطن وبكين

اللافت في هذه المسودة أن بعض الدول داخل المجموعة، خاصة الهند، تُبدي تحفظا على لهجة البيان؛ إذ إنّ نيودلهي -ورغم انزعاجها من الرسوم الجمركية الأمريكية التي تطال صادراتها منذ عام 2018- لا تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع واشنطن، خاصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا.

هذا التوازن الحرج يجعلها حذرة من أن تتحوّل “بريكس” إلى منصة تخدم النفوذ الصيني، ما يعكس الانقسام الداخلي في المجموعة بين تيار يرى في التكتل فرصة لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وآخر يُخشى من أن يتحوّل إلى “ظل صيني” في الاقتصاد والسياسة الدولية.

اطّلع على تفاصيل الرد الأسبق لمجموعة بريكس على سياسات ترامب الحمائية

غزة.. اختبار لوحدة “بريكس”

في بُعد جيوسياسي حساس، تدخل “بريكس” على خط الصراع في الشرق الأوسط، مع إعلان نيتها تضمين إدانة مباشرة للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة في بيانها الختامي، حيث تُعبر المسودة عن “قلق بالغ” إزاء ما وصفته بـ”الاستخدام المنهجي للتجويع كأداة حرب”، ومنع دخول المساعدات، كما أنّها تدعو إلى انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية، ورفض أي تهجير قسري للفلسطينيين.

هذه الصيغة -وإن كانت منسجمة مع المواقف التقليدية لدول مثل جنوب أفريقيا وإيران- إلا أنَّها ستُشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة التكتل على صياغة موقف موحد، خاصةً في ظل اقتراب زيارة نتنياهو إلى واشنطن ولقائه المنتظر مع ترامب في 7 يوليو.

“بريكس” تعيد طرح اتفاق باريس

في تناقض صارخ مع سياسة ترامب “أمريكا أولًا”، التي انسحبت سابقًا من اتفاق باريس للمناخ، تؤكد “بريكس” مجددًا التزامها بالاتفاق، وتشدد على ضرورة العمل الجماعي لمواجهة التغير المناخي، مع تركيز خاص على تمويل الدول النامية ودعم الابتكار الأخضر، لكن اللافت أكثر هو إدراج ملف الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات البيان الختامي.

وفي السياق ذاته، تدعو المجموعة إلى “إطار عالمي منظم” لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يقلص المخاطر المرتبطة باستخدامه غير المقنن، ويحافظ على الخصوصية، ويوازن بين الابتكار والتنظيم.

في المقابل، تُعارض إدارة ترامب أي ضوابط تُقيد الابتكار، معتبرة أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي يجب أن تبقى مفتوحة، وهو ما يُنذر بتصادم مرتقب بين “بريكس” والبيت الأبيض حول مستقبل هذه التكنولوجيا.

قد يهمّك أيضًا: بريكس تضم 6 دول جديدة لعضويتها.. منها 3 دول عربية

توسيع الحلف.. رسالة سياسية بامتياز

في رسالة تحمل أكثر من بُعد اقتصادي، تُرحب المسودة بانضمام عشر دول جديدة بصفة “شريك”، بينها كازاخستان ونيجيريا وفيتنام وتايلاند، وهو ما يعكس طموحات المجموعة للتحول إلى قطب عالمي بديل ينافس المؤسسات الدولية التي تسيطر عليها الدول الغربية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

التوسعة ليست مجرد استعراض عددي؛ بل هي إعادة رسم للنفوذ الجيوسياسي العالمي، في وقت تسعى فيه دول الجنوب العالمي لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي بعيدًا عن شروط واشنطن.

الطريق نحو نظام عالمي جديد محفوف بالعثرات

رغم هذا الحراك الدبلوماسي النشط، تبقى قدرة “بريكس” على أن تُشكل تكتلًا متماسكًا موضع تساؤل، حيث إنّ التباينات العميقة بين أعضائها -من حيث النظام السياسي، وطبيعة الاقتصاد، والارتباطات الدولية- تفرض قيودًا على صياغة استراتيجية موحّدة.

الهند -على سبيل المثال- ترى في الصين خصمًا إقليميًا لا شريكًا استراتيجيًا، خاصة مع استمرار الخلافات الحدودية بين البلدين، كما تخضع إيران لعقوبات أمريكية وغربية وتُعد حليفًا لروسيًا، بينما تحافظ الإمارات ومصر على علاقات متوازنة مع كل من واشنطن وبكين، هذه التناقضات تُضعف من فعالية المجموعة وقدرتها على تشكيل بديل حقيقي للغرب.

هل تحولت “بريكس” إلى نادٍ سياسي؟

في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة، من الحروب إلى أزمات المناخ والطاقة، تبرز “بريكس” كمنصة صاعدة تبحث عن دور أكبر، لكنها حتى الآن لم تُترجم خطابها السياسي إلى أدوات تنفيذية فعالة.

ورغم إدانتها للرسوم الجمركية والسياسات الأمريكية، إلا أنها تفتقر إلى أدوات تنفيذية تُمكنها من فرض أجندتها على المسرح الدولي، فحتى بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة لا يزال يعتمد على الدولار الأمريكي في تمويل مشاريعه، رغم دعوات مستمرة من الصين وروسيا لتأسيس نظام مالي موازٍ يُقلص هيمنة العملة الأمريكية.

اقرأ المزيد: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار

في مواجهة “أمريكا أولا”

الرئيس دونالد ترامب لم يُبدِ أي مؤشرات على تعديل موقفه من الرسوم الجمركية، بل على العكس، حدّد 9 يوليو موعدًا لتفعيل حزمة جديدة من الضرائب التجارية على واردات من الصين والهند.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع “بريكس” بوصفها تجمعًا بلا فعالية تنفيذية، لكنها في الوقت نفسه تُدرك أنها أمام كتلة متنامية تُراكم النفوذ تدريجيًا، وقد تتحول إلى تحدٍ جادّ إذا وُجدت الإرادة السياسية والتمويل الكافي لذلك.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة